بعث الرئيس العراقي صدام حسين رسالة لأمين عام الجامعة العربية عصمت عبد المجيد رداً على رسالة عبد المجيد للقيادة العراقية في يناير الماضي حول نتائج الاجتماع الوزاري التشاوري الذي عقد في القاهرة وأثار احتجاج الوفد العراقي برئاسة وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف الذي انسحب من الاجتماع . وتضمن رد الرئيس العراقي انتقادات لنتائج الاجتماع لكن بارفاق هذه الانتقادات دعوات لرأب الصدع العربي واقتراحات بهذا الشأن نوردها في النص الكامل التالي للرسالة: سيادة عصمت عبد المجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية القاهرة اطلعت على رسالتكم المؤرخة في 29 يناير 1999 وأود أن أعبر عن التقدير لهذه المبادرة. وحول ما جاء في رسالتكم بشأن نتائج اجتماع وزراء الخارجية العرب, الذي انعقد في القاهرة يوم 14/1/1999 أود بيان التالي: 1) ان سيادة الأخ الرئيس علي عبد الله صالح رئيس جمهورية اليمن, دعا الى عقد قمة عربية بعد العدوان الأمريكي ــ البريطاني, وقد دعوتم الى اجتماع تشاوري لوزراء الخارجية العرب من أجل التحضير لاجتماع القمة لذلك من المفترض ان يكون الموضوع الرئيسي في الاجتماع التشاوري, ومن بعده القمة هو العدوان الذي وقع على العراق, اضافة الى معالجة الأوضاع والتحديات التي تتعرض لها الأمة العربية. وكما هو واضح لم يرتكب هذا العدوان تحت غطاء نزاع ما بين العراق ودولة, أو دول عربية أخرى, وانما ارتكب بشكل منفرد, وتحت أغطية واهية, لم يقبل بها مجلس الأمن نفسه, لذلك فان حشر موضوعات أخرى في جدول أعمال الاجتماع, وما انعكس منها على البيان الختامي, كان في حد ذاته اتجاها يقصد منه (تغيير الموضوع الرئيسي) وتخفيف رد الفعل الواجب قوميا عليه, وبالتالي تشويش الموقف عربياً ودولياً, وهذا في حد ذاته اتجاه سلبي, ومما أكد هذا الاتجاه السلبي, الاجتماعات التي عقدتها دول عربية معينة, قررت دون تخويل من أحد التحضير للاجتماع التشاوري, بل اعدت مسبقا مشروع بيان ليصدر عن هذا الاجتماع. وهذا كما تعلمون سلوك مخالف لقواعد العمل في الجامعة العربية.. وهو سلوك يثير الريبة, بحد ذاته. إن إدانة العدوان, الذي يقع على أي قطر عربي, ينبغي أن لا يرتبط بموقف هذه الدولة, أو تلك, من حكومة القطر الذي يتعرض للعدوان. وان اتخاذ موقف واضح تجاه العدوان الواقع على العراق, حق للعراق, وواجب على جامعة الدول العربية في آن واحد, يتأسسان على المبادئ, والقيم, ومضامين المواثيق, وقواعد العمل النافذة, التي ينتظم العمل العربي المشترك بموجبها. ان العراق كان يدين العدوان, الذي يقع على أي قطر عربي, بصورة ثابتة, بصرف النظر عن موقفه من النظام الحاكم في ذلك القطر.. لان هذا من المسلمات الواضحة, التي يفترض أن ينطلق منها أي موقف عربي, وخاصة في اطار الجامعة العربية, إذا أريد لهذه المؤسسة أن تلعب دورا موثوقا به, ومؤثرا في المحيط العربي, حاضرا ومستقبلا. وتطبيقا لهذا المبدأ, أورد الأمثلة التالية عن مواقف العراق: أ) وقف العراق الى جانب مصر في معركتها ضد العدوان والاحتلال الصهيوني عام 1973 سياسيا, وعسكريا, من خلال المشاركة بالطيران, دون أن يضع في الحسبان الموقف من حكومة مصر حينذاك. ب) ووقف العراق, أيضا, إلى جانب سوريا, في عام ,1973 في معركتها ضد العدو الصهيوني, بارسال قواته للقتال, جنبا إلى جنب, مع الجيش السوري, مع ما هو معروف, حينذاك, عن العلاقات بين الحكومتين السورية والعراقية. ج) عندما وقع العدوان الأمريكي على ليبيا عام ,1986 دان العراق ذلك العدوان, برغم ان ليبيا كانت متحالفة مع ايران في حربها ضد العراق. د) عندما أطلقت تركيا مؤخرا تهديدات ضد سوريا, دان العراق هذه التهديدات, وعبر عن تضامنه مع سوريا, برغم ظروف العلاقات المعقدة مع تركيا. إن التذرع بالخلافات بين الدول العربية, مهما كانت, للتنصل من واجب ادانة العدوان على العراق, موقف غير مبدئي.. وغير مقبول. 2) ان الايجابيات التي تضمنها البيان, والتي أشرتم إليها في رسالتكم, هي في حدها الأدنى, وكأن الذين اجتمعو ا وأصدروها مراقبون من بعيد لأحداث تقع في عالم آخر. ان هذه اللغة تتعارض مع مبدأ أساسي من مبادئ الأمن القومي العربي, التي تؤكد على ان العدوان على أي قطر عربي, عدوان على الأمة العربية كلها. ومن الغريب أن يتجاهل البيان, أيضا, الجانب المناقض لـ (الشرعية الدولية) في ارتكاب العدوان الأمريكي ــ البريطاني على العراق.. في الوقت الذي يطالب فيه العراق بالالتزام بالشرعية الدولية!!. ومن الناحية العملية, لم يكن لهذا البيان أي أثر على سلوك أمريكا وبريطانيا تجاه العراق. فلقد رحبتا بالبيان, وواصلتا العدوان على العراق. 3) ان حشر مشروع الكويت في مداولات الاجتماع, وانعكاسه على البيان, أمر يثير الريبة, ويعكس النوايا السلبية المبيتة, وبالتالي النتائج التي أسفر عنها الاجتماع ومن الغريب أن يتضمن البيان اتهاما للعراق بأنه يستفز جيرانه, واستنادا إلى هذا الاتهام الباطل, يطلب البيان من العراق عدم انتهاج سياسات تستهدف استفزاز جيرانه, وكأنه كل جيران العراق يشتركون في موقف واحد من هذه المسألة المفتعلة. أما موضوع التطمين ومن القواعد الثابتة عربيا ودوليا فيجب أن يتم على أساس التكافؤ, والتعامل بالمثل, ولا يجوز أن يطلب من طرف واحد فقط, ما لا يطلب من الطرف الآخر,.. فلماذا لم يطلب الاجتماع من الكويت والسعودية ما طلب من العراق, خاصة ان هناك حقائق معروفة لا يمكن انكارها وتجاوزها؟ فقد استخدمت بريطانيا قاعدتها العسكرية في الكويت: (قاعدة على السالم), لشن العدوان على العراق.. وأعلن المسؤولون الأمريكان انهم تلقوا مساعدات مهمة من (أصدقائهم) في المنطقة, فيما أسموه عملية (ثعلب الصحراء) , وتحدثوا علناً عن تقاسم التكاليف.. كما ان الطائرات التي تفرض الحظر الجوي على العراق, وتمارس العدوان عليه, ومن ذلك العدوان على البصرة, الذي عبرتم عن (الأسف والقلق) لوقوعه, كما جاء في تصريحاتكم, التي أطلعنا عليها, تنطلق يوميا من قواعد في الكويت والسعودية. ان التغاضي عن هذه الحقائق والوقائع, والتركيز على العراق فقط, والطلب منه ما لا يطلب من الآخرين, هو موقف أقل ما يقال فيه انه منحاز, وان ما جاء في البيان في هذا الصدد ينسجم, في الواقع مع الموقف الامريكي, الذي يستخدم هذا المنطق المردود لتبرير عدوانه على العراق. 4 ـ ان اجتماع وزراء الخارجية انما هو لغرض التشاور, والتحضير لعقد قمة عربية, وفق مقترح الاخ رئيس جمهورية اليمن, غير ان هذا الاجتماع تحول الى حالة اخرى غير مسبوقة, حيث تم فيه اقتراح وتبني آليات محددة, تفضي الى ترتيب التزامات عملية محددة, دولية واقليمية, على عضو مؤسس في جامعة الدول العربية, وذلك قبل انعقاد القمة, وهذا التصرف ليس له سابقة في سجل جامعة الدول العربية, اذ ان سجل الجامعة يشير بوضوح, الى حالات تتعلق بالقضية الفلسطينية مثلا, كان التذاكر حولها, والتعامل معها, يجريان من خلال الحوار البناء مع منظمة التحرير الفلسطينية, اولا, وكانت منظمة التحرير الفلسطينية أهم عضو في اللجان التي تتدارس أي فكرة, واي تدبير, مهما كان, عندما تتعلق اي منها بفلسطين ويستمع الآخرون الى رأيها أولا, كنوع من الاحترام لتضحياتها, ولانها صاحبة القضية, ميدانياً واساسا, رغم ان كثيراً من العرب قاتلت جيوشهم من اجل فلسطين, لذلك كيف نفسر ان تشكل الجامعة العربية لجنة عربية بهدف رفع (العقوبات الاقتصادية) عن العراق, دون مشاركة العراق فيها؟ وكيف توافقون, سيادة الامين العام, على مثل هذا الترتيب, المخالف لقواعد العمل في الجامعة, والسوابق المماثلة التالية؟! في 14 مارس من عام 1984 شكلت لجنة (سباعية) في اطار الجامعة العربية, للتضامن مع العراق, خلال الحرب مع ايران, وكان العراق عضوا فيها, وفي 24 يناير من عام ,1988 شكلت لجنة لمناصرة القضية الفلسطينية, وكانت فلسطين عضوا فيها.. فتحت اي ذريعة اتخذ القرار باستبعاد العراق من لجنة هدفها رفع (العقوبات الاقتصادية) عنه؟ ولماذا يقتصر التأكيد على (العقوبات الاقتصادية) وتغفل اشكال الحصار الاخرى؟ ان المقدمات التي سبقت الاجتماع التشاوري, والنتائج التي اسفر عنها, تسوغ الموقف الذي اتخذه وفد العراق, برئاسة وزير الخارجية, بالانسحاب من الاجتماع, اذ لم يكن امام وفدنا, ازاء كل هذا الذي حصل, غير التعبير عن الاحتجاج. سيادة الامين العام.. اذا اردنا التحدث عن الامن العربي.. وعن (التداعيات والتراكمات التي يعاني منها الوضع العربي العام.. بهدف معالجة اخطاء الماضي والامة, بالحوار الهادئ, والاسلوب الموضوعي.. والاسراع في تسوية المشاكل التي خلفتها ازمة الخليج , في اطار الوفاء بالتزامات القومية الخ) كما جاء في رسالتكم.. فانني ابلغكم بأن العراق مستعد لحضور اجتماع عربي, سواء على مستوى القمة, او على أي مستوى مسؤول اخر, لنبحث كل هذه الامور, باسلوب موضوعي وشفاف, وعلى اساس الصراحة والعدالة, ودون تمييز.. وانني آمل ان يتم ذلك, كما ارى ان تؤجل اعمال اللجنة, التي شكلت في الاجتماع التشاوري, لحين عقد هذا الاجتماع, لكي نخرج, بعد الاجتماع, بموقف عربي موحد, حقيقي.. لا يثير ريبة احد. سيادة الامين العام.. ان المبادئ التي يتمسك بها العراق, ويعلنها الآن, ليست جديدة, وليست انعكاسا للظرف الراهن.. انها مبادئ نادى بها العراق, منذ أمد طويل, ودعا اليها باخلاص وموضوعية, وأبين مثالين على ذلك من بين امثلة عديدة شهدتها الحقبة السابقة: 1 ــ في فبراير 1980 اعلنت وثيقة, سميت بـ (الاعلان القومي) ـ ارفق لكم نسخة منها ـ ثبتنا فيه مبادئ, لتكون ميثاقا لتنظيم العلاقات بين الاقطار العربية, ومن ذلك, رفض وجود الجيوش الاجنبية في الوطن العربي, وتحريم استخدام القوة في أي دولة عربية ضد دولة عربية اخرى. ان العراق مستعد لمناقشة هذه الوثيقة, واية وثيقة اخرى متوازنة, وبذات الاتجاه, يكون هدفها وضع العرب على مسار افضل, مع الاقطار العربية الاخرى, وفي اطار الجامعة العربية, واغنائها بالحوار الموضوعي, من اجل الوصول الى افضل صيغة للاتفاق بشأنها, والالتزام بها, في العلاقات العربية. 2 ـ في عام ,1989 دعا العراق الدول العربية, وخاصة المجاورة له, الى توقيع اتفاقية عدم اعتداء, وتحريم استخدام القوة, وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.. وقد وقع هذه الاتفاقية مع السعودية (ارفق لكم نسخة من الاتفاقية) وعرضها على دول اخرى, منها الكويت, التي تملصت من التوقيع عليها. اذا اردنا, فعلا وبصدق, ان نفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية, وان نخرج بموقف موحد ازاء قضية العدوان والحصار على العراق, وكل القضايا العربية بطرح موضوعي.. وعن طريق الحوار البناء, الذي يستند الى الحقائق والوقائع.. ويتطلع الى المستقبل, اكثر مما يرتهن للماضي, ودون اغفال دروس الماضي. مع التقدير صدام حسين رئيس جمهورية العراق بغداد/ فبراير/ 1999 الخرطوم ــ يوسف الشنبلي