الحوار مع وزير الطيران السوداني حامد نورين يبدو غريباً للوهلة الأولى لكنه يكتسي ضرورة نسبية إذا وضح ان الرجل ينتمي لطائفة الأنصار التي تشكل الرافد الديني لحزب الأمة, أكبر أحزاب السودان السياسية بزعامة رئيس الوزراء السابق الذي ينشط معارضاً في المنفى الصادق المهدي . ويشكل الحوار سياحة في أفكار كثيرين مثل تورين ممن ذابوا في نظام الإنقاذ وينبغي رصد قراءتهم للواقع السياسي الحالي وآفاق المستقبل في ظل التناطح المستمر بين النظام والكيانات السياسية الرئيسية التي تناصبه العداء لاسترداد حقوق يرون ان (الإنقاذ) اغتصبها اغتصاباً. وفي ثنايا الحوار يؤيد الوزير الذي يصف نفسه بـ (الأنصاري أبا عن جد) الخطوة المثيرة للجدل التي اقبل عليها كادر مغمور سابق في حزب المهدي بتسجيل الحزب لدى مسجل تنظيمات التوالي, ويعتبر نورين ان النور جادين الذي فعل ذلك كسر عقدة انتظار الزعيم, وطرح سؤالا حاداً حول أحقية أن يتولى قيادة الأنصار شخص من خارج أسرة المهدي, ويقرر الوزير السوداني ان حكومة الإنقاذ تريد استنساخ صورة مستحدثة لحركة المهدية. ويطول الحوار ليشمل أبرز قضايا الساحة السياسية التي تشغل البلاد حالياً من نحو انسلاخ عدد من المتحالفين عن الحزب الحاكم, ووضع المعارضة الخارجية والاقتتال القبلي في غرب البلاد الذي عزاه نورين الى تداعيات الحرب التشادية قائلا ان المعارضة السودانية لا دخل لها في القضية ومقراً في الوقت نفسه باخطاء ادارية كانت أحد أسباب اندلاع الاشتباكات, وفيما يلي نص الحوار: في البداية انت من خلفية (بيت أنصاري) يدين لحزب الأمة الذي يتزعمه الصادق المهدي بينما أنت الآن عضو في المكتب القيادي للمؤتمر الوطني الحاكم مع من تقف بعد سريان قانون اعادة الأحزاب (التوالي) السياسي؟ ــ أنا مازلت وسوف أواصل نشاطي في المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) فأعتقد أن نشاطي داخل المؤتمر الوطني كتنظيم سياسي لا يحرمني من صلاتي الأخرى فأنا أنصاري العقيدة أبا عن جد منذ أن ظهرت المهدية لتوحيد السودان, والمؤتمر الوطني نفسه جاء على أساس كيان توحيدي للقوى السياسية المختلفة, ما أمكن أو التقريب بين وجهات نظرها على الأقل بحيث يكون الاتجاه العام الوفاق لا الصراع. لكن الملاحظ أن لك اهتماماً خاصاً بالمنشقين عن الصادق المهدي (مجموعة القبة) ؟! ــ ان اهتمامي بهؤلاء من منطلق (أنصاريتي) لكنني أفرق بين ولائي للأنصار والعمل تحت حزب الأمة بقيادته التقليدية, نحن أبناء أنصار وعلى اعتقاد بأن التشوهات أو الخلافات التي حدثت لا تمس الجوهر بقدر ما هي طموحات أشخاص وتنتهي عند أشخاصها, والسودان كله تاريخياً كان يتبع لدولة المهدية وظهرت الاختلافات والصراعات بعد أن تحول الأنصار إلى حزب سياسي بظهور (حزب الأمة) والذي يؤيده البعض ويختلف معه آخرون. يبدو ان هيئة شؤون الأنصار (جماعة القبة) التي يقودها خالد محمد ابراهيم تسعى الآن للبروز ككيان سياسي مستقل بعد أن خرجت على الصادق المهدي ورؤيته السياسية .. هل توافقهم؟ ــ هيئة شؤون الأنصار هي كيان ديني والكيان الديني في الإسلام لن يتخلى عن السياسة لأنه من الصعوبة بمكان التفريق بين السياسة والدين ولكنهم إذا قاموا بالتركيز أكثر على الدعوة يكون أفضل خاصة في المرحلة المقبلة. ما هو تعليقك على (حزب الأمة) الذي قام بتسجيله (النور جادين) وأثار ضجة لم تنته حتى الآن مع العلم أن جادين من (أنصار القبة) ؟! ــ هذه هي ميزة التوالي السياسي, إذ يجوز لأي انسان أن يصدر ما يشاء, و(جادين) يمكن أن يحقق نجاحا فهو شاب متعلم مملوء بالطموح والنشاط وله نشاطات لا تنكر في أجهزة إعلام حزب الأمة السابق وهو أنصاري, ولذلك تتوافر لديه كل مقومات القيادة, فقط توجد نقطة واحدة أرى أن الناس لا يناقشونها كثيراً, خاصة آل الصادق وآل الهادي وبقية آل المهدي, هل يمكن أن يقود حزب الأمة في المستقبل شخصية عادية من الأنصار أم بالضرورة أن يستمر الحزب وقيادته في اطار أسرة المهدي, وإذا كان ذلك ضرورة أين دور أسرة خليفة المهدي, والمعلوم تاريخيا ان الأمام المهدي, قد قام بأعباء الدعوة للدولة المهدية لكن الذي أرسى دعائم الدولة المهدية على أرض الواقع هو الخليفة عبد الله, وإلا فلنسأل سؤال آخر ما المغزى من تمليك حركة سياسية بكل تاريخها لأسرة بعينها؟ لكن المعلوم أن أسرة الخليفة عبد الله قد (توالت) تقريبا مع المؤتمر الوطني فكيف بإمكانهم قيادة حزب جديد؟! ــ أسرة الخليفة لم تتوال كلها مع المؤتمر الوطني فيهم من بقي على حياده ومنهم من يساند الصادق المهدي ومنهم من (توالي) وهذه طبيعة الحياة, وهذا ينطبق بنفس القدر على أسرة الامام المهدي واذا ما كان الامام من الشخصيات الفذة في احدى مراحل التاريخ فليس بالضرورة ان يتوارث احفاده العبقرية. الملاحظ ان ما قلت يردده الصادق المهدي الذي يرفض ان يقود كيان الانصار اصحاب الوراثة فقط, ومن هنا عارض امامة عمه احمد المهدي؟ ـ هذا صحيح ولكن ربما عارض الصادق امامة عمه احمد لمجرد انه يريدها لنفسه, والدليل على ذلك انه لم يطرح لهذا المنصب شخصا اخر من عامة الانصار ويبدو ان الصراع حول هذا المنصب لايزال داخل اعضاء الاسرة فقط والقضية صارت الان قضية طموحات دنيوية لاعلاقة لهما بالدين. باعتبارك احد ابناء ولاية دارفور هل ترى ان غياب حزب الامة من مناطق نفوذه التقليدية قد يفقده قواعده السابقة خاصة الانصار في تلك المناطق؟ ـ اعتقد ان دارفور لن تنتظر الصادق حتى يأتي ليقرر لها وجهاتها السياسية وفي تقديري ان فترة العشر سنوات التي مضت قد احدثت تحولات جذرية بين هذه الجماعات التي تسميها قواعد او مناطق نفوذ سابق لحزب الامة وماحدث خلال العشر سنوات الماضية قلب الموازين رأسا على عقب وتجاوز كل الحسابات السابقة, والناس الان تعلمت السياسة بحق وبدأت تمارسها فاذا عاد الصادق تعد زيادة خير واذا تمسك وجماعته بمواقفهم المعارضة لن يتغير شيء والحياة لن تقف وسوف تستمر حتى وان لم يعد الصادق المهدي ومن هذه النقطة تتسع قوة التيار الذي قدح شرارته النور جادين لأنه كسر عقدة انتظار الزعيم, وكثير من القيادات في حزب الامة رغم عراقتهم, وخبرتهم وتاريخهم في الحزب لم يستطيعوا اتخاذ هذه الخطوة. ماهي الضمانات في رأيك لنجاح جادين؟ ـ النجاح مسألة مقدرة ونسأل الله له النجاح مادام شق طريقه, وقاعدته الانصارية وهي اساس الحركة السياسية وما يقوم به الآن فى حكومة الإنقاذ هو الوصول لنسخة مستحدثة من المهدية. ما رأيك فيما يقال عن وقوف بعض ابناء الامام الهادي مع جادين؟ ـ عموما استطيع اعطاء رأي قاطع في هذا الامر الا ان ما اعلمه ان ابناء الامام الهادي قد خرجوا منذ فترة من مسرح السياسة ومنهم يؤيد جادين ومنهم متحفظون وفي اخر حديث لولي الدين قال انه يرفض التعاون مع حزب الامة الجديد ونفى وجود اي اتفاق مع مجموعة جادين غير ان ما احب ذكره, ان عددا كبيرا من الانصار صار اوعى من كل هؤلاء (علما ومعرفة) ودراية بشؤون الحزب وهؤلاء لن يتركوا الساحة السياسية في انتظار اشارة السادة لأن كل من في الداخل والخارج يعلم ان هذه الفترة حدث فيها تمرد كبير جدا على كل القديم وتم اعادة النظر في كل الاشياء, ونتيجة المنهج خلال العشر سنوات التي مضت حدثت تغيرات جذرية, والسياسة حق يمارسه الجميع طالما انها لا توجد نصوص في الكتاب او السنة تحرمها على احد, ما اريد ان اقوله ان الساحة السياسية في المرحلة المقبلة ستشهد تغيرات عميقة جدا وستشهد الوانا سياسية مختلفة, والممارسة السياسية ان عادت بشكلها القديم فهي مرفوضة ولن تستطيع ان تنافس لان المرحلة الجديدة المقبلة تحتاج لاشكال سياسية وترتيبات مستحدثة في التعامل مع القواعد الحزبية. قلت انك ملتزم بعضوية (المؤتمر الوطني) وقد كنت احد الذين ادخلوا التعديلات التي احدثت عاصفة ابان اجتماعات هيئة الشورى الشهير كيف ترى النتائج؟ ـ التعديلات وتقديري كانت شيئا ضئيلا اقتضتها ظروف العمل السياسي لمرحلة دخول المؤتمر كحزب سياسي لمنافسة الاحزاب الاخرى ومما يتطلب ايجاد جهاز قيادي فاعل سريع لاتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب كلما تطلب الموقف, والمؤتمر واجهزته بشكله السابق لا يمكن من ذلك مما دعا للتفكير في المقترحات والتعديلات التي اشرت اليها, مع العلم ان هذه التعديلات هي في الاساس شيء متفق عليها ولا خلاف حولها وكل الانتقادات كانت حول طريقة تقديمها وليس في مضمونها, ومن الاشياء المفيدة والتي يجب ذكرها هي اننا في الحقيقة قدمنا درسا ديمقراطيا, بانه يمكن الاقتراح ويمكن التعديل داخل الحزب النموذج الذي نريده وحتى ولو كان التعديل له علاقة بقيادات رفيعة, فالشيخ حسن الترابي ليس كالصادق ولا الميرغني بل هو قيادي مثل كل القيادات السياسية, غير المقدسة, وكلمته ليست كلمة (سيد) يحرم مخالفتها, ولان ذلك جزء من المصداقية التي نريدها في التنظيمات الحديثة ولذلك اعتقد ان مذكرة العشرة كانت تحوي ايجابيات عديدة. الا ترى ان ما حدث الى جانب محاسنه التي ذكرتها ينبئ عن بروز مراكز قوى داخل المؤتمر؟ ــ الحديث عن مراكز قوة ليس دقيقا, صحيح ان صراع الافكار موجود وهو جزء من الفلسفة التي يقوم عليها المؤتمر ولن تتوقف وقد تظهر في مراحل مقبلة وهذه ظاهرة طبيعية لاي نظام احادي يريد ان يتكيف من جديد ليتعايش مع التعددية وذلك لا توجد صراعات كما تقولون بين الذين رفضوا المذكرة او الذين عارضوا طريقة تقديمها لاننا في النهاية نرى اننا كيان واحد وحتى المواضيع التي جاءت في المذكرة فان الطرفين لا يختلفان حولها ما وكوجهة نظر فان الدكتور الترابي كان اول الموافقين عليها. بوصفك عضوا قياديا في المؤتمر الوطني هل بامكان حزبكم الحفاظ على السلطة في ظل فتح التنافس مع الاخرين؟ ـ المؤتمر لا يرغب في احتكار السلطة لانه اذا اراد ذلك لما فتح الطريق امام التوالي للجميع ولوضع من التدابير ما يمكنه من احتكار السلطة في المستقبل نحن نتوقع منافسة ومشاركة واسعة وهذا شيء طبيعي لتحقيق مفهوم المشاركة السياسية لكل السودانيين طالما ان الجميع ملتزم بالدستور واللوائح والانضباط. من الملاحظ ان فتح باب التوالي قد اخرج احزابا وفصائل كانت متحالفة مع المؤتمر مثل جماعة غبوش. وجبهة مشار؟ ـ هذا صحيح جبهة مشار تعتقد ان لها قضية واذا ذابوا في المؤتمر ذابت القضية ولذلك من رأيهم الاحتفاظ بموقف مستقل وشخصية منفصلة على ان يظل التحالف مع المؤتمر قائما اما غبوش فقد عاوده الحنين لحزبه القديم الذي سبق ان انشأه وكسب باسمه مكاسب كثيرة وربما يريد ان يعيد مكاسبه ولكنه في الظاهر فان من الافضل ان يأتي هو وحزبه بدل ان يأتي هو وحده لأن موالاة المجموعات خير للحكومة من موالاة زعيم الحزب. هناك اصوات تطالب جبهة الانقاذ بالتخلي عن المناصب الدستورية طالما خرجت من المؤتمر؟ ـ جبهة الانقاذ منذ ان جاءت وقعت على الاتفاقية باعتبارها حزبا وقد وقعت على الاتفاقية بفصائلها الست على هذا الاساس وقد استحقت مناصبها بموجب التوقيع على الاتفاقية التي ابرمت بين الحكومة وحزبها (المؤتمر الوطني) و(الجبهة) ولذلك استحقت المناصب بموجب التوقيع وليس بموالاة المؤتمر الوطني ولذلك من الافضل ان تبقى الجبهة المتحدة الجنوبية برئاسة مشار كحزب يحكم الجنون ويتفاوض نيابة عنه ويبقى المؤتمر حزبا حاكما في الشمال ويتحاور معه لتحقيق مطالب الجنوبيين. ما تعليقك على موقف المعارضة بالخارج الرافض للتوالي السياسي وعزوف الاحزاب الكبيرة عن المشاركة والتسجيل؟ ـ اذا كان المقصود بهذه الاحزاب الكبيرة هي (الامة) ام (الاتحادي الديمقراطي) فإن الاحزاب التي سجلت لها نفس هذه المسميات وفي رأيي ان الشخصيات هي التي لم تأت وليس الاحزاب ومن ينتظر ينتظر شخصيات وليست احزابا وما الفرق مثلا ان يسجل حزب الامة جادين او الصادق المهدي, في تقديري ان الجميع سوف يسجل وما يحدث الآن مجرد مناورات سوف تنتهي لأن الاحزاب التي تم تسجيلها تحقق المطلوب, فمن كان انتماؤه اتحاديا يجد الحزب الاتحادي ومن كان انتماؤه حزب امة يجد ذلك مع اتاحة كل الفرص له لتقديم مقترحاته السياسية ورؤاه مع المؤسسين, وحتى ان لم يأت أولئك القادة الذين بالخارج وتركوا السياسة نهائيا فليس هذا امرا غريبا لان الكثيرين تركوا السياسة من قبل واستمرت الحياة بعدهم. ما تعليقك على الاحداث التي و قعت مؤخرا بمدينة الجنينة وقيل انها بوادر لحروب عرقية في دارفور؟ ـ الاحداث في الاساس حدثت كاحتكاك طبيعي بين الرعاة والمزارعين وسببها الاساسي اطلاق الرعاة لحيواناتهم لتقتات ما تبقى من حصاد الزراعة في نهاية كل موسم وهو تقليد معروف يسمى (الطلعة) يحدث في تاريخ محدد حيث يقوم كل مزارع بترحيل حصاده وترك باقي الزرع للبهائم وما حدث هذه المرة ان الرعاة استعجلوا الزمن المحدد وتقدموا الى المزارع بشكل مبكر وقد بدأت شكاوى واحتجاجات وقامت الولاية بتشكيل لجنة لارجاع الرعاة, لكن للاسف هذه اللجنة عندما دخلت احدى القرى تعرضت لهجوم مسلح اشترك فيه مسلحون من داخل القرية وقاموا بقتل كل المجموعة ولم ينج من القتل سوى السائق ثم ارتفعت بعد ذلك حدة المواجهات وقامت مجموعات اخرى بحرق القرية التي حدث فيها الاعتداء والهروب لقرى اخرى كامتداد للغضب وتم احراق اربع قرى اخرى, ومازال الجناة بعيدين عن يد السلطة ولم يتم القاء القبض عليهم؟ يرى الكثيرون ان احد اسباب هذه الاحداث هو فرض قيادات من الادارة الاهلية غير مرغوب فيها وما حدث ردود فعل وتعبير عن هذا الرفض؟ ــ نعم يوجد بعض هؤلاء حدث حولهم خلاف عند تعيينهم ورفضهم (المساليت) من سكان الجنينة باعتبارهم قيادات ليسوا من بني جلدتهم, وظلوا يرفضون أي ادارات عربية في ديارهم. هناك من يتحدث من أبناء مساليت المثقفين بأن لهم حقا ثابتا بموجب وثائق وصكوك موجودة تعطيهم الخيار بأن يطالبوا بالانفصال من السودان والانضمام لأي دولة متى شاءوا؟! ــ المعلوم ان المساليت هم آخر مجموعة قبلية انضمت للسودان بشكله الحالي سنة 1918 لكن لا يبرر ذلك أي حق لهم بعد الاستقلال وما حدث هو إشكال محلي, وإن كان أحد الأسباب إفرازات الحرب التشادية التي مازالت تحتفظ ببعض الجيوب المسلحة, ولا دخل للمعارضة السودانية في الحادث.