تسعى هذه الدراسة الى محاولة تقييم (الملف السياسي) لــ (البيان) , من خلال رصد وتحليل اهم الملامح التحريرية والاخراجية لــ (الملف السياسي) , فضلا عن الموضوعات التي تناولها ونوعية وجنسيات الكتاب والباحثين الذين انتجوا هذه الموضوعات . وتشمل الدراسة (33) عددا تغطي المرحلة الاخيرة من مراحل تطور (الملف السياسي) والتي تبدأ بالعدد 365 الصادر في 15 مايو 1998 حتى العدد 387 الصادر في 25 ديسمبر 1998. ويمكن القول بداية بان تجربة صحيفة (البيان) في اصدار ملف سياسي مستقل عن الجريدة هي تجربة رائدة في الصحافة العربية, خاصة وان تجربة (البيان) اتسمت بالاستمرارية والبحث عن الجديد والعمل في كل مرحلة على تطوير الملف وتحسينه, وعلى عكس تجارب صحف عربية اخرى اصدرت ملفات سياسية مستقلة او حتى داخل صفحاتها ثم سرعان ما انهت التجربة لاسباب صحفية او سياسية تتعلق بالهامش المتاح من حريات التعبير, او بقدرة الصحيفة ومصداقيتها على كسب قراء للملف وتجنيد كتاب جدد, وتوليد افكار جديدة. ونظرا لاهمية وتميز الملف السياسي لــ (البيان) , فان هذه الدراسة تتكون من خمسة اقسام, الاول يتناول الخصائص العامة المميزة لــ (الملف السياسي) , والثاني اسس التجديد والتطوير, والثالث ملامح التجديد على مستوى المضمون, والرابع ملامح التجديد على مستوى الشكل, ويختص القسم الخامس بتوضيح بعض نقاط الضعف في لــ (الملف السياسي) مع تقديم مجموعة من المقترحات الرامية لاحداث مزيد من التطوير والتجديد. اولا: الخصائص العامة للملف: الثابت ان صحيفة (البيان) نجحت بامتياز اولا في استحداث الملف السياسي واصداره بشكل مستقل عن صفحات جريدة (البيان) قبل ثماني سنوات تقريبا, وقد جاء هذا التطوير ليواكب تطورات وتحولات سياسية عميقة بالمنطقة. ومع مسلسل الاحداث وتداعياتها ظهرت الحاجة الى معالجات صحفية وبحثية متعمقة تشبع حاجات جديدة لقطاعات واسعة من القراء وتقدم المعلومة الموثقة والتحليل الموضوعي للقارئ.. هكذا جاء اصدار الملف السياسي لــ (البيان) كتعبير عن احتياجات جديدة لقراء (البيان) , وكمحاولة من مؤسسة (البيان) تقديم خدمة متميزة وجديدة لقرائها. ثانيا: نجحت مؤسسة (البيان) عبر تجربة الملحق السياسي في الموائمة بين احتياجات القراء للمعلومة والتحليل العميق للاحداث السياسية المحلية والعربية والدولية المتسارعة, وبين طرح قضايا واشكاليات متوارثة كقضايا الحدود والصراعات الاثنية وغيرها, بل وتطرق عدد من الملفات الى قضايا فكرية تتعلق بنظم الحكم وحقوق الانسان والنظام الدولي وغيرها, واللافت للانتباه ان (الملف السياسي) نجح في طرح ومناقشة هذه القضايا بجدية وموضوعية رغم حدود الهامش المتاح لحرية التعبير في الوطن العربي. ثالثا: ان جدة وجدية موضوعات (الملف السياسي) منذ تأسيسه وتناوله الموضوعي لقضايا ومشكلات عربية ودولية تبدو حساسة وعلى درجة كبيرة من التعقيد دعم من مصداقيته لدى قطاعات واسعة من الجمهور, كما شجع كثيراً من الكتاب ومن مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية على المساهمة في الكتابة للملف, الامر الذي حافظ على قوة الدفع لاستمرارية الملف وتطوره, فلا تخفى اهمية مساهمة كتاب وباحثين من اقطار عربية مختلفة ومن تخصصات متباينة, فالملف السياسي يقدم كل اسبوع موضوعا جديدا يعالج من زوايا مختلفة, الامر الذي يستدعي وجود كتاب وباحثين من تخصصات واهتمامات مختلفة, ولديهم القدرة على المتابعة والكتابة الاسبوعية باسلوب عملي ولغة موضوعية بسيطة. رابعا: تابع (الملف السياسي) الاحداث العربية والدولية بالرأي والتحليل من خلال رؤية فكرية وسياسية واضحة تلتزم بمصالح الشعوب العربية في المقام الاول, وفي مقدمتها تحرير الاراضي العربية والتضامن العربي, والسعي الجاد نحو التعاون العربي المشترك في كافة المجالات, وصولا الى تحقيق الوحدة العربية. لقد شكلت مصالح الشعوب العربية, وثوابت الامة العربية الاطار الجامع لكل الافكار والتصورات التي طرحت في (الملف السياسي) , من هنا فان اختلاف الاجتهادات والتصورات التي طرحت على صفحات الملف السياسي دارت كلها في اطار مصالح الشعوب العربية والثوابت الراسخة للامة. بعبارة اخرى سمح (الملف السياسي) باختلاف وتعدد وجهات النظر في تناول بعض القضايا والموضوعات, لكن مصالح الشعوب العربية ظلت في التحليل الاخير بمثابة الخط الفاصل الذي لم يسمح بتجاوزه او الخروج عليه, في هذا السياق التزام (الملف السياسي) بموقف واضح تجاه ازمة الخليج الثانية, وتجاه دعم ومساندة الشعب العراقي والدعوة الى انهاء معاناته, كذلك التزام (الملف السياسي) بالموقف العربي الشعبي من رفض التطبيع مع اسرائيل, ومواصلة الدعم غير المحدود للشعب الفلسطيني, والوقوف الى جانبه بالدعم المادي والنصح المعنوي في نضاله من اجل تأسيس واعلان دولته. والحقيقة ان الخصائص الاربع السابقة تتسم بالتداخل والتشابك الشديد, فلا يمكن تصور ظهور واستمرار (الملف السياسي) بدون دعم مؤسسة (البيان) وادراكها لاهمية الملف, وضرورة توفير اكبر قدر ممكن من حرية الراي والتعبير ازاء قضايا سياسية شائكة حتى تتدعم مصداقية الملف وبالتالي اقبال جمهور القراء واستمرارية مساهمة الكتاب والباحثين في الكتابة لــ (الملف السياسي) . ثانيا: اسس التجديد: بداية من مايو 1998 بدأ (الملف السياسي) مرحلة جديدة من حياته, دخل بها في طور جديد من التطور والنمو الذي يمثل احدى سنن الحياة, خاصة الحياة الصحفية في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات, فالصحافة المطبوعة في سباق مع وسائل الاتصال الجديدة, وفي تنافس لا يرحم مع ثقافة السرعة, وثقافة الصورة عبر تكنولوجيا البث الفضائي المباشر وشبكات المعلومات عبر الكمبيوتر. واذا كانت مؤسسة (البيان) قد سارعت بخوض هذا السباق, واحرزت ولاتزال نجاحات ملموسة فقد كان من الطبيعي ان تنقل ساحة المواجهة الى (الملف السياسي) , والمقصود بالمواجهة هنا ليس منافسة ملفات سياسية تصدرها صحف عربية اخرى لانه لا توجد تقريبا ملفات سياسية مماثلة للملف السياسي بل المواجهة المقصودة هي مع احتياجات ومتطلبات جديدة للجمهور, ومع تحديات جديدة تطرحها شبكات فضائية عربية ودولية تقدم الرأي والتحليل المواكب للاحداث بالصوت والصورة. اعتقد ان المنافسة المشروعة, وتأكيد مشروعية الصحافة المطبوعة, وتلبية احتياجات القارئ تمثل ثلاثة عوامل دفعت متخذ القرار في مؤسسة (البيان) نحو تطوير الملحق السياسي, ولا شك ان العوامل الاقتصادية قد غابت تماما عن الحسابات التي ادت الى تطوير الملف السياسي, فالقارئ المتابع لــ (البيان) الصحيفة يلاحظ بسهولة زيادة في المساحات المخصصة للاعلانات, مع زيادة في عدد صفحات الجريدة, بينما غابت الاعلانات عن الملف السياسي, اي انه خدمة ذات مواصفات خاصة, خدمة لا تهدف الى الربح, ولا تسعى الى زيادة المساحة الاعلانية او جذب المعلنين, بل تقديم خدمة متميزة لقارئ (البيان) , خدمة تتلخص في: هي باختصار معالجات عميقة ومتنوعة لحدث مهم او مشكلة مطروحة او اشكالية سياسية او فكرية. ومثل هذه المعالجات التي تتناول موضوعا واحدا او اشكالية واحدة هي اقرب ما تكون الى كتاب في ملف يصدر عن جريدة. واتصور ان الذين فكروا في استحداث الملف السياسي لــ (البيان) قبل ثماني سنوات لم يفكروا في مسألة كتاب في جريدة, ذلك المشروع الشهير الذي انجزته اليونسكو في عدة لغات منها العربية, لقد سبق الملف السياسي لــ (البيان) مشروع اليونسكو, بمعنى انه يدور حول نفس الفكرة الا وهي توفير الكتاب وترويجه على نطاق واحد, وجعل الكتاب يصل الى الجمهور عبر صحيفة الصباح التي اعتادها الناس وتعودوا على تصفحها, واعتادوا ــ وهذا هو الاهم ــ على ثمنها الزهيد. ولعل المتأمل للملف السياسي يدرك مدى الصلة بين فكرة كتاب في جريدة والملف, والذي يصدر في 16 صفحة من القطع النصفي (تابلويد) ليغطي موضوعا واحدا, والحقيقة ان ما جعلني اصف الملف بأنه كتاب هو معرفتي الوثيقة بعدد من المثقفين المصريين الذين يحتفظون بالملف السياسي كمرجع شامل لعدد من القضايا بالغة الاهمية. ومهما يكن من امر اسباب الاقدام على تطوير الملف السياسي في مايو 1998, فمن المؤكد ان الذين شرعوا في عملية التجديد والتطوير, انطلقوا من الخصائص الثابتة التي تميز الملف السياسي, ولم يقفزوا عليها, او يتجاوزوها بل اكدوا التزامهم بها, واعتزازهم بايجابيات الملف عبر مسيرة حياته, وهكذا جاء الملف السياسي في مرحلة التجديد كامتداد طبيعي, وتواصل خلاق للملف السياسي في مراحله السابقة. في هذا الاطار حافظ الملف بعد التجديد على اهم الخصائص المميزة له من ناحيتي الشكل والمضمون والتوجهات الاساسية الفكرية والسياسية, لكنه اضاف اليها افكارا ومضامين جديدة, بل طور في جوانب شكلية مهمة. ولقد حافظ الملف السياسي بعد التجديد واكد على خصوصيته واستقلاله عن المضمون المقدم من خلال صفحات (البيان) , كذلك حافظ الملف على الاصدار المستقل في قطع مختلف عن صفحات الجريدة الام (البيان) . ونجح الملف السياسي في مرحلة التجديد في الجمع بين المعلومة الصحيحة والتحليل الجاد, مع الحفاظ على حرية الفكر والتعبير وضمان تعددية الاراء والمدارس الفكرية, كل ذلك مع حرص كامل على الالتزام بالثوابت التي تحكم السياسة التحريرية لــ (البيان) وفي مقدمتها الدفاع عن المصالح الوطنية والقومية للشعوب العربية وحقها في التقدم والوحدة العربية. ان عملية تجديد الملف عندما حافظت واكدت على ايجابيات الملف وخصائصه المميزة ارست معالم منهج واع في التطوير والتجديد, منهج يقوم على احترام التقاليد المهنية داخل المؤسسات الصحفية, واحترام خبرات السابقين وتقدير ادوارهم, ووفق هذا المنهج ينبغي البدء من حيث انتهى اليه الاخرون من ايجابيات, وليس البدء من جديد, او نسف كل ما قدموه, لا لشيء سوى اثبات ان ثمة جديدا يحدث, بغض النظر عن هذا الجديد, وبغض النظر عن احترام تقاليد التواصل والاستمرارية داخل المؤسسة, ان منهج البدء من حيث بدأ الاخرون يتسم بالقصور والضعف وتبديد الجهود, وللاسف فقد تفشى هذا المنهج في كثير من المؤسسات العربية, واصبح علامة من علامات تخلف الاداء المهني والاداري, بل والسياسي احيانا. ثالثا: التجديد على مستوى المضمون: برزت مجموعة من المؤشرات التي تعكس تطورا حقيقيا في المضامين التي يتناولها (الملف السياسي) في مقدمتها: 1 ــ زيادة الاهتمام بالقضايا الوطنية (المحلية) والخليجية حيث خصصت ثلاثة اعداد بنسبة 3% من اعداد الملف التي خضعت للدراسة, ولم تأت هذه الزيادة على المستوى الكمي فقط, بل جاءت ايضا على المستوى الكيفي من حيث عمق التناول وشمول الرؤية. وكان الملف الاول عن عيد الجلوس.. زايد مسيرة النهضة والتضامن والوحدة, والثاني عن اتحاد الامارات والمستقبل, والثالث عن مجلس التعاون.. انجازات وتطلعات. وقد صدرت الملفات الثلاثة في طبعات خاصة من ناحية الشكل وعدد الصفحات, علاوة على المضمون. وبالنسبة لمضمون الملفات الثلاث فقد ناقشت قضايا مهمة وطرحت اشكاليات جديرة بالاهتمام مثل مستقبل مجلس التعاون الخليجي, والعقبات التي تقف في طريق المجلس, وفكرة تعديل النظام الاساس للمجلس, وامكانيات تطوير الصيغة الامنية. كذلك ناقش ملف اتحاد الامارات والمستقبل ــ عبر مجموعة من الندوات ــ مسيرة ومستقبل الاتحاد اهمية وابعاد دور العنصر البشري في دولة الامارات, وتحديات عصر العولمة التي تهدد البناء الاجتماعي والثقافة الوطنية في الامارات, وكذلك دور المرأة الاماراتية ــ الواقع والمستقبل. ولا يتسع المجال لتقديم قراءة تفصيلية متعمقة لموضوعات الملفات الثلاث, لكن يمكن القول بانها كانت اسهاما جادا وحقيقيا لم يقع في اطار الاحتفالية فقط, بل زاوج بين بهاء مناسبة عيد الجلوس, وعيد الاتحاد وبين تقديم اراء جادة تناولت بعض مشاكل الواقع واحتمالات المستقبل. 2 ــ العمق والتركيز في المضمون, فكل ملف اصبح مختصا بموضوع او قضية واحدة يناقشها من كافة الجوانب, وبالتالي تحقق قدر اكبر من الوحدة الموضوعية مقارنة باعداد الملف التي كانت تصدر قبل مايو 1998, أي قبل التجديد والتطوير, فالملف السياسي في مرحلة ما قبل التجديد كان يركز على حدث او قضية او موضوع ثم يعالج قضايا اخرى او يتناول موضوعات تبتعد قليلا او كثيرا عن الموضوع الرئيسي مثل البروفيل الشخصي لبعض السياسيين وعروض الكتب وغيرها. والواقع ان التركيز على موضوع او قضية واحدة مهمة بالغة الصعوبة في ظل تعدد وتنوع الكتاب والباحثين وانتمائهم لاكثر من قطر عربي, مما يخلق مشكلات في التنسيق, لكن يظل الحرص والعمل على تحقيق الوحدة الموضوعية للملف هدفاً مشروعاً, بل ومطلوباً للحفاظ على تميز الملف وخصوصيته, كملحق صحفي يتفوق على غيره من الملاحق الصحفية العربية, بل وملاحق اربع صحف امريكية كبرى هي الواشنطن بوست, والنيويورك تايمز, ولوس انجلوس تايمز, وكريستيان, ساينس مونيتور (انظر دراسة محمد وقيع الله, الملف السياسي للبيان 1998/8/14) ان الوحدة الموضوعية للملف السياسي مع تعدد زوايا المعالجة وتنوعها يحقق الثراء والشمول المعلوماتي والبحثي, كما يضمن للملف التفوق والتميز, ويمكنه من تقديم نوع متقدم من الصحافة يتجاوز ملاحق الصحف اليومية والاسبوعية ويقترب من المجلات المتخصصة والكتب والبحوث العلمية. 3 ــ زيادة التخصص في مجالات وموضوعات الملف السياسي ويوضح جدول رقم (1) ان القضايا الدولية شكلت 42,4% من اعداد الملف التي خضعت للدراسة, تليها القضايا العربية بنسبة 36,3%, فالقضايا الفكرية 12,1%, واخيرا القضايا المحلية. واذا نظرنا الى تقسيم موضوعات الملف بحسب مجالاتها سياسي ــ اقتصادي ــ اجتماعي ــ ثقافي نجد ان حوالي 93% من الموضوعات كانت ذات صفة سياسية, وهو ما يشير الى ان التنوع والتكامل في الموضوعات ظل في دائرة السياسية او بالاحرى دوائر السياسيات الوطنية والعربية والدولية, ومثل هذا المؤشر يدعم من حقيقة الهوية السياسية للملف, فقد اصبحت بصورة اكبر واكثر دقة مما سبق اسم على مسمى, وهو ملمح جديد في سياق التجديد والتطوير فعوضا عن تخصيص ملفات تناقش احداث او قضايا اقتصادية او اجتماعية صار الملف اكثر انطباقا مع صفته وكونه ملفا سياسيا, ولاشك في ايجابية هذا التغيير وان الموضوعات السياسية لم تخل من مداخل ومعالجات اقتصادية واجتماعية وثقافية لكن من منظور سياسي. كذلك فان الموضوعات ذات الطابع الفكري ارتبطت بموضوعات ومشكلات سياسية, ولم تكن مجرد افكار مجردة بل كانت نوعا من الفكر السياسي مثل الملف الذي خصص للايديولوجية الثالثة والذي يعتبر واحدا من اهم المراجع الذي صدرت عن الموضوع باللغة العربية, وكذلك ملف الغرب وتشويه الاسلام. 4 ــ التعدد والتنوع في اطار وحدة الموضوع وزيادة التخصص, حيث تعددت زوايا معالجة الملف الواحد وتنوعت, ساعد في ذلك مشاركة عدد من الباحثين والكتاب ينتمون لاكثر من بلد (18 قطرا) ويعملون في تخصصات علمية مختلفة ولديهم خبرات متباينة, ويوضح جدول رقم (2) جنسيات المساهمين في الملف السياسي بينما يوضح جدول رقم (3) تخصصاتهم وخبراتهم, وتبين من جدول جنسيات المساهمين في الملف او محرريه انتمائهم لــ (14) دولة عربية, ووجود نسبة منهم تعيش في المهجر سواء في اوروبا أو امريكا. وبالنسبة لتخصصات محرري الملف السياسي في مرحلة التجديد فقد تميزت بالتعدد والتنوع الكبير ما بين صحفي وكاتب صحفي واستاذ جامعي وباحث, ومركز او هيئة بحثية علاوة على سياسيين وخبراء عسكريين, وقد بلغت حوالي 26 تخصصا, ولاشك ان هذا التنوع قد ميز الملف السياسي منذ صدوره قبل ثماني سنوات, لكن الجديد في مرحلة التطوير هو زيادة عدد المحررين لدرجة ان بعض الكتاب او المحررين لا يتكرر اسمه اكثر من مرة خلال فترة الدراسة, كذلك فقد ارتفع عدد المتخصصين ارتفاعا ملحوظا, كما ارتفع نصيب مساهمة مكاتب (البيان) في القاهرة ودمشق وعمان. وبغض النظر عن نسب توزيع جنسيات محرري الملف وتخصصاتهم فان الملاحظة الايجابية هنا هي ان موضوع الملف اصبح المعيار الوحيد الذي يحدد تخصصات محرري الملف بغض النظر عن جنسياتهم, من هنا نجد ان الكتاب والباحثين الفلسطينيين يساهمون بنصيب كبير في تحرير العدد الخاص الذي صدر من الملف عن النكبة يا عرب, بينما ترتفع بدرجة ملحوظة مساهمة الكتاب والباحثين واساتذة الجامعات الاماراتيين في العددين الخاصين بعيد الجلوس واتحاد الامارات. خلاصة القول لا يوجد تمييز في اختيار جنسيات محرري الملف او تخصصاتهم, بل هناك معيار موضوعي هو نوعية الملف ذاته, والموضوعات والزوايا التي سيعالجها. وبمقدار موضوع الملف وعلاقته بتخصص الكاتب او المحرر او الباحث يسمح له بالمشاركة, يستثنى من ذلك بعض المحررين والكتاب الصحفيين العاملين في بعض مكاتب (البيان) , وكذلك مركز المعلومات للدراسات والبحوث حيث ترتفع مساهمات هؤلاء في موضوعات عديدة ومتنوعة, والحقيقة ان هذه المساهمات تكون احيانا اقل تخصصا وعمقا من مساهمات محرري الملف من الباحثين واساتذة الجامعات, الامر الذي قد يتطلب مراجعة شاملة لنوعية ومستوى هذه المساهمات. رابعا: تجديد الشكل: يصعب الفصل بين الشكل والمضمون في العمل الصحفي الا اننا قمنا بذلك بهدف الدراسة والتحليل, لكن من الناحيتين النظرية والعملية يتداخل الشكل مع المضمون ويتبادلان التأثير, من هنا فان التجديدات التي قمنا برصدها على مستوى المضمون لا يمكن تصور حدوثها وفاعليتها من دون تجديدات على مستوى الشكل دعمت من التجديد والتطوير في المضمون, في الوقت ذاته دعم التجديد في المضمون من التجديد في الشكل, وفيما يلي عرض لاهم عناصر التجديد على مستوى الشكل. 1 ــ استخدمت الالوان لاول مرة في طباعة واخراج كل صفحات الملف السياسي, مع تغيير لون الورق المستخدم في طباعة الملف, فبدلا من اللون المميز لصحيفة (البيان) استخدام للملف ورق ابيض عادي, وقد حمل هذا التغيير ايجابية واضحة تتمثل في الاستقلال الشكلي للملف عن الصحيفة الام (البيان) كذلك فان استخدام الالوان اتاح للقائمين على اخراج الملف استخدام امكانيات جمالية ووظيفية حققت له قدراً اكبر من الجاذبية والحركية, والابراز للموضوعات والصور المستخدمة فيه. ويمكن القول بان استخدام الالوان مع تغيير لون الورق قد فرضته احتياجات موضوعية تفرضها الصحف ووسائل الاعلام المنافسة من جهة, وطبيعة الملف السياسي واهدافه من جهة ثانية. 2 ــ توسع الملف السياسي في استخدام الصور علاوة على العديد من العناصر الاخراجية الجديدة التي ابرزت عناوينه في الصفحة الاولى, كما خففت من حدة الكتل والمساحات الجامدة التي كانت تحتلها الموضوعات في الاعداد التي صدرت قبل التجديد. والثابت ان الصور والعناصر الاخراجية قد اهتمت بابراز كل موضوع على حدة, مع زيادة المساحات البيضاء حول وداخل كل موضوع لخلق مناخ مريح للقارئ, يشجعه على مواصلة القراءة بدون ملل, وهكذا اختفت من اعداد الملف ظاهرة رص او تكديس الموضوعات جنبا الى جنب, واخراجها في شكل تقليدي جامد اقرب الى صفحات الكتب المدرسية. 3ــ اعيد النظر في تبويب واقسام الملف السياسي في مرحلة التجديد, فالغيت بعض الابواب والاقسام, وجرى الحفاظ على ابواب واقسام اخرى مع تطويرها, كما تقلصت الموضوعات والتقارير المطولة, واصبحت معظم المساهمات تدور ما بين 800 ــ 1000 كلمة فقط, وهو تطور ايجابي للغاية يتماشى مع روح العصر واحتياجات القارئ. واتسمت هذه المراجعة الشاملة بالنجاح الى حد كبير في تحقيق مزيد من الوحدة الموضوعية للملف السياسي, حيث اختفت الابواب والزوايا التي كانت تختلف عن عنوان الملف الرئيسي وموضوعاته الفرعية, فاختفى باب بروفيل, ومصطلحات سياسية, كما توقفت عروض الكتب كما اصبحت الموضوعات اكثر تركيزا, واختفت العبارات الانشائية والمطولات (صفحتان) التي يشك الباحث في قدرة القارئ على متابعتها والاهتمام بما تطرحه. في المقابل استمرت حكايات سياسية الصفحة الاخيرة مع ربط موضوعاتها في اغلب اعداد الملف بالعنوان الرئيسي الامر الذي حافظ على وحدة الموضوع, كذلك حافظ الملف بعد التجديد على باب وراء الاحداث ولكن بعد ربطه بالعنوان الرئيسي بحيث اصبح باب وراء الاحداث يغطي الجوانب الاخبارية والحديثة في القضية او الموضوع الذي يغطيه الملف. 4 ــ استحدث باب نافذة على العالم الذي اجتهد في متابعة الجوانب الحديثة واخر التطورات في موضوع الملف, اي أن الملف اصبح يتابع الموضوع الرئيسي من خلال المعلومات والتحليلات التي يقدمها الكتاب والباحثون في شكل تقارير ومقالات, بينما اختص وراء الاحداث, ونافذة على العالم بمتابعة الجوانب الاخبارية والحديثة المرتبطة بالموضوع. على ان التطوير الشيق في الملف السياسي تمثل في استحداث زاوية في اقصى يسار الصفحات الفردية 3, 5, 7, الخ من كل عدد, بمساحة عمود لتقديم معلومات او بيانات احصائية او اراء ترتبط بالموضوع وتخدم موضوعاته الفرعية. واعتقد بأهمية هذه الزوايا من عدة جوانب شكلية وموضوعية فهي بمثابة استراحة للقارئ تفيده من خلال تقديم شيئ جديد مغاير لما هو منشور, كذلك فانها تسمح باحداث تجديد وتغيير في شكل الصفحة. من جانب اخر فان بعض الكتاب والمحررين قد يكون لديه رأيا او فكرة مفيدة مرتبطة بالموضوع, ومن الافضل ان يقدمها بشكل مكثف ومختصر, نظرا لاعتبارات المساحة او لمحدودية الفكرة ذاتها. 5 ــ استحداث زاوية رسائل الملف, لنشر اراء وتعليقات القراء عن موضوعاته المختلفة, ومثل هذه الزاوية تعتبر نقلة كيفية بالغة الاهمية ينبغي تشجيعها لانها تنقل رد فعل الجمهور المتلقي لموضوعات الملف, اذ لا يخفى ان الصحافة الحديثة بل وكل وسائل الاعلام تتجه نحو مزيد من التفاعلية بين الوسيلة والمتلقي بحيث يشترك الاخير في العملية الاتصالية ويساهم في صياغة الرسائل الاعلامية, ومن المفترض خلال العشر سنوات المقبلة ان تسمح تكنولوجيا الاتصال واندماج الكمبيوتر مع وسائل الاتصال الجماهيري مع شبكات المعلومات بظهور التلفزيون التفاعلي بل والصحيفة الالكترونية التفاعلية, من هنا تبدو اهمية مبادرة الملف السياسي باستحداث زاوية رسائل الملف, ومن الضروري ايضا منح هذه الزاوية مساحة اكبر. 6 ــ ظهرت لاول مرة في تاريخ الملف السياسي ــ حسب علمي ــ هيئة تحرير مستقلة للاشراف على الملف, وقد نقلت هذه الهيئة كلمة الملف الى الصفحة الثانية. والمتابع لاعداد الملف في مرحلة التجديد يلحظ بسهولة وجود علاقة ارتباط بين الاعلان عن اسماء هذه الهيئة وعن عمليات التجديد والتطوير التي طرأت على الملف من ناحيتي الشكل والمضمون. ويبدو لي ان خبرات المشتركين في هذه الهيئة تتسم بالتنوع والتكامل فضلا عن القدرة على العمل الجماعي, ولعل ذلك ما يقدم تفسيرا لعوامل نجاح عملية تطوير الملف. بالاضافة الى قدرة العاملين في الاخراج الفني والتنفيذ على المشاركة والاستجابة لمتطلبات وآليات التطوير والتجديد. خامسا: تقييم عام ومقترحات للمستقبل: في ضوء الملاحظات السابقة على التجديد في مضمون وشكل الملف السياسي يمكن القول بان عملية التجديد اكدت تميزه في الصحافة العربية, ودعمت مكانته كأهم ملحق سياسي تصدره صحيفة عربية, وذلك عبر الاتجاه نحو مزيد من التخصص والعمق في تناول القضايا السياسية, مع تحقيق قدر اكبر من وحدة الموضوع, وفي الوقت نفسه الحرص على التنوع والتعدد, وقد واكب هذا التطور في المضمون وعكسه تطور بارز في الشكل في جوانب الاخراج والتبويب واستخدام الصور والرسوم. واعتقد ان التجديد في مضمون وشكل الملف لا يهدف الى اصدار مجلة سياسية عامة او مجلة سياسية متخصصة توجه للنخبة, كما ذهبت بعض الاراء, بل يهدف فقط الى اصدار ملف سياسي متخصص يخاطب قطاع مؤثر من جمهور قراء الصحف اليومية, ومثل هذه النوعية من الملفات الصحفية تنتمي الى ما يعرف بالصحافة المتقدمة او صحافة المستقبل التي تجمع بين تقاليد الصحافة اليومية المطبوعة في متابعة القضايا والاحداث الساخنة من كافة الجوانب, وتقاليد البحث العلمي والتقارير الاستراتيجية, بعبارة اخرى يجمع الملف بين مضامين واهتمامات كل من الصحف اليومية والبحث العلمي, وهذه الصيغة التأليفية رغم صعوبتها ومشاكلها الا انها ضرورية لمواجهة تحديات عصر العولمة, والمخاطر التي تهدد الصحافة المطبوعة في مواجهة وسائل الاتصال الاخرى وتقنيات البث المباشر وشبكات المعلومات. هكذا يحاول الملف السياسي تقديم جديد, واعتقد ان هذا الجديد اصعب من اصدار مجلة بل حتى اكثر صعوبة من تطوير الملف واصداره في شكل مجلة, لاننا وبصراحة شديدة لسنا في حاجة في الوطن العربي الى مجلة جديدة تكون على حساب الملحق او الملف الصحفي العربي الوحيد المتميز, بل في حاجة اكثر الى الابقاء على الملف السياسي مع تطويره المستمر, مع اصدار مجلة او مجلات اخرى جديدة. الملف السياسي لــ (البيان) بصورته الحالية يستحق الاشادة كما ان التحية واجبة لرئيس تحرير (البيان) وهيئة تحرير الملف على هذا الانجاز, لكن تبقى بعض الملاحظات التي يجب ان نتوقف عندها, مع تقديم بعض المقترحات لتطوير الملف امرا مطلوبا للحفاظ على تميزه وتفوقه. واول هذه الملاحظات محدودية موضوعات الملف التي عالجت قضايا ومشكلات اماراتية او خليجية, وتجدر الاشارة الى ان نسبة الموضوعات التي عالجت قضايا محلية بلغت 9%, مقابل 42,4% للقضايا الدولية, 36,3% للقضايا العربية, من هنا اقترح ضرورة زيادة الاهتمام بالقضايا المحلية والخليجية, وكذلك زيادة الاهتمام بالقضايا والموضوعات العربية, فليس من المعقول ان تتصدر القضايا الدولية ــ على اهميتها ــ الاولويات على حساب القضايا العربية والمحلية. الملاحظة الثانية: ضعف مشاركة الكتاب والباحثين واساتذة الجامعات الاماراتيين, والمغاربة. وبغض النظر عن الاعتبارات العملية التي تحول دون زيادة هذه المشاركة فمن المهم البحث في سبل زيادة مشاركة هؤلاء الكتاب والباحثين, والحرص على تنويع جنسيات وتخصصات الكتاب والباحثين من كافة اقطار الوطن العربي. الملاحظة الثانية: التكرار غير المقصود في بعض المعلومات والاراء ضمن موضوعات الملف السياسي الواحد, الامر الذي ربما يسبب قدرا من الملل للقارئ, واعتقد ان هذا التكرار ناتج طبيعي عن صعوبة اصدار ملف سياسي اسبوعي مكون من 16 صفحة في موضوع واحد, ويشارك في تحريره عدد من الكتاب والباحثين واساتذة الجامعات من عدة اقطار عربية. أي ان التكرار الذي يظهر في بعض اعداد الملف يدخل ضمن مشكلات التنسيق والادارة وهي مشكلات معقدة تتطلب بذل مزيد من الجهد في توزيع الموضوعات وزوايا المعالجة على المشاركين في تحرير الملف, مع بذل جهد اكبر في عملية المراجعة والتحرير في صورته النهائية. وهنا قد تثار اشكالية حدود تدخل القائم بالتحرير والمراجعة في المادة الواردة للملف من كتاب وباحثين يعيشون خارج دبي, ويصعب احيانا الاتصال بهم والتفاهم معا في ظل ضغط عنصر الزمن وضرورة الانتهاء من الملف وتقديمه للمطبعة في توقيت محدد. مثل هذه الاشكالية وغيرها تحتاج الى مناقشة وطرح حلول عملية وتحريرية تتوخى السرعة وعدم الوقوع في فخ التكرار. الملاحظة الرابعة: محدودية اهتمام الملف السياسي بنشر ندوات ومواجهات حوارية تخدم الموضوع, ومن جانب اخر فان بعض التحقيقات والحوارات التي تنشر تتسم بالسطحية وعدم الجدة, ولا تختلف كثيرا من حيث العمق والشمول عما يمكن نشره في أي صحيفة يومية, من هنا اقترح اعطاء مزيد من الاهتمام للندوات والمواجهات الحوارية, مع وضع معايير خاصة لنشر الحوارات والتحقيقات, بحيث تكون اكثر عمقا وتميزا. الملاحظة الخامسة: زيادة المساحة المخصصة لزاوية رسائل الملف, واقترح تخصيص صفحة كاملة لتعليقات القراء, فنشر هذه المساهمات تدعم من العلاقة بين الملف السياسي والقراء, كما تكشف لهيئة تحرير الملف عن ردود فعل وتعليقات ورغبات القراء, علاوة على ان زيادة وتعميق التواصل مع الجمهور المتلقي اصبح من حقائق عصر ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. الملاحظة السادسة: اقترح تجميع اعداد الملف السياسي التي تصدر كل عام, واصدارها في كتاب مستقل يصدر عن مؤسسة (البيان) , او اصدارها في سي. دي (C.D) بحيث يتوافر للقارئ او الباحث مرجع يغطي بالتحليل والرأي اهم القضايا والاحداث التي دارت خلال العام. استاذ الاعلام بجامعة عين شمس