خريطة الأحزاب السياسية في اسرائيل تختلف اختلافا بينا عنها في اي بلد بالعالم يأخذ فعلا او ظاهريا بنظام التعدد الحزبي, والانتخابات البرلمانية . فالأحزاب عادة تصنّف ما بين يمين ويسار ووسط, حسب طبقات اجتماعية تحكمها, ووفقا لتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية.. اما في اسرائيل فان تصنيف الحزب بأنه يساري او يميني او وسطي بين هذا وذاك انما يتم حسب موقفه من الصراع العربي الاسرائيلي بشكل عام.. ومن قضية (السلام) بشكل خاص والتي طرحت نفسها باعتبارها محور الحياة السياسية في اسرائيل على الأقل منذ مؤتمر مدريد.. فالحزب يوضع في خانة اليسار اذا كان أميل الى تقديم (تنازلات) في مقابل السلام.. او حسب المصطلحات المقررة في مؤتمر مدريد اذا كان مستعدا للقبول عمليا بمبدأ الارض في مقابل السلام.. والمقصود بكلمة (تنازلات) هنا ليس تنازلا عن حقوق.. وانما هو التنازل عن اجزاء كبيرة او صغيرة من الارض المغتصبة في 1967.. وعلى ضوء التطورات الاخيرة فإن هذا يعني على الأقل الالتزام باتفاقيات اوسلو التي تم توقيعها في عهد حكومة حزب العمل السابقة (بصرف النظر عن ان تلك الاتفاقيات في نظر الكثيرين من العرب مع الحد الادنى من طموحات الفلسطينيين) والاتفاق غير الموثق منذ ايام شيمون بيريز على الانسحاب من الجولان والجنوب اللبناني.. وبهذا المفهوم ــ الذاتي جدا ــ يصنف حزب العمل الاسرائيلي الذي يقوده حاليا ايهودا باراك في خانة اليسار. مع ان برنامجه المعلن لخوض المعركة الانتخابية التي سيتم حسمها في مايو المقبل لا ينطوي على أية فروق جوهرية عن منافسه الرئيسي ــ الليكود الحاكم بزعامة بنيامين نتانياهو, من ناحية التوجهات الاقتصادية والاجتماعية, حيث يشتركان معا في الالتزام بقوانين وقواعد السوق الحرة, والنظام الرأسمالي, والارتباط بالولايات المتحدة الامريكية كدولة كبرى لا يعني الارتباط الحميم بها الا التبعية والتنازل بشكل او آخر عن السيادة الوطنية. غير ان هذا لا ينفي وجود يسار حقيقي في اسرائيل, يعبر عنه في الحزبين الشيوعيين العربي والاسرائيلي, وهما من ناحية المبدأ يرفضان الصهيونية ويدعوان الى فك التبعية للولايات المتحدة الا ان هذا اليسار في الواقع محدود النفوذ. وان بدا في وقت من الاوقات قادرا على التحرك بقوة من خلال, او بالتضامن مع حركة السلام الان.. وفي فترة ما ساعدت جرائم حكومة الليكود على تصاعد نفوذ حركة السلام الان. ووصل هذا النفوذ الى قمته في عام 1982, ايام الغزو الاسرائيلي للبنان ومذابح صبرا وشاتيلا, حتى لقد شهدت مدينة تل ابيب مظاهرات ضخمة قيل ان عدد المشاركين فيها تجاوز 200 الف متظاهر (ويمكن ان نتخيل ثقل هذا الرقم اذا عرفنا ان عدد سكان تل ابيب كلهم لا يزيد كثيرا على 320 الف نسمة).. ولكن هذا النفوذ تراجع بعد ذلك فلم يظهر بمثل هذه القوة في مناسبات اخرى, وان كان قد اتاح لحزب ميرتيس بزعامة النائبة اليسارية شولاميت الوني ان يحصل في الانتخابات البرلمانية السابقة على نحو 10 بالمائة من أصوات الناخبين.. وبعض المحللين يميلون الى الاعتقاد بأن هذا التناقض في شعبية حركة السلام الان يرجع الى عامل ذاتي, هو تحولها من حركة فضفاضة غير مقيدة بالالتزامات الحزبية الى حزب محدد المعالم والضوابط, وكذلك الى عامل موضوعي هو عدم وضوح الموقف الفلسطيني ازاء العدوان العراقي ضد الكويت في حينه, وهو الامر الذي اثر سلبيا على الاتجاهات المتعاطفة بشكل او آخر مع الفلسطينيين والتي لم تجد سبيلا الى استمرار هذا التعاطف بعد الهجمات المتكررة على اهداف اسرائيلية مدنية.. (وهناك احتمال كبير لان تكون هذه الهجمات مدبرة بفعل اليمين الاسرائيلي وليست بفعل الفدائيين الفلسطينيين... غير ان هذا ليس هو موضوعنا الان).. كذلك يحتسب في خانة اليسار.. بالمفهوم الاسرائيلي ــ الحزب العربي الاسلامي, مع أنه وفقا للتقسيم العالمي يفترض فيه ان يكون حزبا يمينيا بحكم ايديولوجيته العقائدية. *** اما الجانب الاخر, اي اليمين الاسرائيلي فتتزعمه جبهة الليكود, التي يقودها الان بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الحالي.. وجبهة الليكود عبارة عن تحالف من عدة احزاب وجماعات وشخصيات اسرائيلية اجتمعت كلها في عام 1973 قبل حرب اكتوبر او يوم كيبور ــ على هدف واحد هو خوض الانتخابات في قائمة موحدة لانتزاع الاغلبية البرلمانية من حزب العمل, وبالتالي اسقاطه من السلطة التي احتكرها منذ عام 1948 بغير انقطاع.. وقد ضم هذا التحالف حزب حيروت ــ أقوى احزاب المعارضة بقيادة مناحم بيجن واسحاق شامير. والحزب الليبرالي ــ الذي سبق انه شكل مع حيروت تكتلا باسم حزب جاهال, وجبهة لالمام التي تكونت من ثلاثة احزاب هي (قائمة الدولة) و(الوسط الحر) و(حركة ارض اسرائيل) , ثم مجموعة شخصيات منشقة من حزب العمل سميت (مجموعة رافى) .. والتي تأسست وهي على علاقة وثيقة مع (بن جوريون) مؤسس اسرائيل والذي كان قد اعتزل السلطة من سنوات ليقيم باحدى المستوطنات بصحراء النقب.. ومع ان حكومة حزب العمل ما لبثت ان فقدت الكثير من شعبيتها باعتبارها المسؤولة عن هزيمة اسرائيل الثقيلة في حرب اكتوبر 1973, الا ان ازاحة العمل عن السلطة. بعد 25 سنة من احتكارها, وقبلها عشر سنوات اضافية كان هو صاحب الكلمة الأولى والاخيرة في (الوكالة اليهودية) التي كانت بمثابة حكومة ذاتية لليهود في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين ـ احتاجت الى نحو اربع سنوات اخرى. وبالفعل استلمت جبهة الليكود السلطة في عام 1977. ولاول مرة اصبح زعيمها, زعيم حيروت, وخليفة الارهابي جابونسكي مؤسس عصابة ارجون زفاي ليومي ــ ومنظم المذابح الارهابية لترويع الفلاحين الفلسطينيين وارغامهم على هجر حقولهم وقراهم ــ مناحيم بيجن على قمة السلطة.. ومنذ اليوم الاول لحكومة بيجن الليكودية اعلن التزامه بالأسس الخمسة التي قام عليها تحالف الليكود.. 1 ــ منع قيام دولة للفلسطينيين. 2 ــ المحافظة على وحدة القدس, عاصمة موحدة ابدية للدولة الاسرائيلية. 3 ــ عدم عودة اللاجئين. 4 ــ توفير ضمانات كاملة للمستوطنين. 5 ــ مسؤولية جيش الدفاع عن الامن بمعنى انه في جميع الحالات يجب ان تكون هناك قواعد عسكرية اسرائيلية على أية اراض يتم (التنازل) عنها وفقا لأية اتفاقيات للسلام.. الملفت للنظر ان زعيم الليكود الحالي ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو مازال يؤكد في مواقفه السياسية وتصريحاته العلنية تمسكه بهذه المبادئ الخمسة. وقبيل فوزه في آخر انتخابات جرت باسرائيل صرح ان الليكود لا يعتبر نفسه ملزما باتفاقية اوسلو في حالة وصوله للسلطة لان هذا كما قال (يتناقض مع الاساس الفكري النظري لتحالف الليكود.. *** على يمين الليكود توجد عدة احزاب, منها ثلاثة متحالفة معه في الحكومة الراهنة, وتصل في تطرفها الى حد المطالبة بتفريغ يهودا والسامرا ــ اي الضفة الغربية من الفلسطينيين تماما ــ واهمها حزبا شاس وتسوميت الممثلين في الحكومة واللذين يرفعان دائما راية التهديد بالانسحاب من الائتلاف الحكومي اذا فرط رئيسها في شبر واحد من الارض المغتصبة وقد وجهت قيادتها هذا الاتهام بالفعل الى نتانياهو عقب عودته من امريكا بعد توقيع اتفاق واي ريفر او واي بلانتيشن. وربما كان ذلك احد الاسباب التي دعت نتانياهو الى التبكير باجراء انتخابات جديدة.. فحددها في مايو المقبل.. ويبقى بعد ذلك الحديث عن آخر الاحزاب الاسرائيلية التي ظهرت الان على الساحة بعد الاعلان عن حل الكنيست الحالي واجراء انتخابات, الا وهو حزب الوسط الذي يتزعمه الجنرال موردخاي.. وقد كان موردخاي حتى وقت قريب وزيرا للدفاع في حكومة نتانياهو, وواحدا من الأعمدة الرئيسية في تحالف الليكود. وقد اخرج من الوزارة بطريقة اشبه الى المسرحيات المحبوكة. فقد اعلن فجأة انه بسبيل زيارة القاهرة لاجراء مباحثات مع المسؤولين المصريين واعلنت القاهرة عن استعدادها لاستقباله. فأذاع نتانياهو بيانا بتنحيته عن وزارة الدفاع بزعم انه يتصرف من تلقاء نفسه وانه لم يستشر الحزب او رئيس الوزراء بشأن زيارته المزمعة الى القاهرة.. وما ان خرج موردخاي من الوزارة حتى اعلن عن تشكيل حزب جديد باسم حزب الوسط, ضم الى جانبه عددا من الشخصيات الليكودية المتمردة ضد زعامة نتانياهو, وابرزهم الجنرال شاحاك الذي سبق ان اعلن عزمه على خوض معركة رئاسة الحكومة ضده في الانتخابات المقبلة, ثم تنازل عن هذا الطموح لموردخاي باعتبار هذا اكثر شعبية وأدعى للحصول على اصوات اكثر.. غير ان كثيرا من المحللين السياسيين المتخصصين في الشؤون الاسرائيلية يرجحون ان يكون خروج موردخاي وتشكيل حزب الوسط مجرد مناورة حزبية هدفها توجيه المتمردين ضد زعامة نتانياهو بعيدا عن حزب العمل المنافس حيث لا يوجد لهؤلاء اية فرصة للفوز بأغلبية تؤهلهم لتولي الوزارة.. وأيا كان الامر, فان اية نسبة يحصلون عليها من الاصوات فإنها قد تؤهلهم للعودة مرة اخرى لحظيرة الليكود والمشاركة في حكومته اذا نجحت الخطة وفشل حزب العمل للمرة الثانية في الحصول على الأغلبية.. غير ان الحديث عن الخريطة الحزبية في اسرائيل لا يكتمل دون ذكر الدور العربي في هذه الخريطة.. فالعرب يشكلون نحو 16 ــ 17 بالمائة من مجموع سكان اسرائيل وهذه النسبة تتيح لهم الفرصة لكي يكون لهم اكثر من عشرة نواب في الكنيست وليس خمسة فقط كما هم الان. وفي الانتخابات السابقة التي اسفرت عن فوز نتانياهو بأغلبية لا تزيد على واحد بالمائة كان يمكن ان يكونوا عاملا مؤثرا يغير من هذه النتيجة لولا ان اكثرهم امتنعوا عن التصويت فكان هذا الامتناع لصالح نتانياهو.. وهناك مساع كثيرة لكي تدخل الاحزاب العربية في تحالف انتخابي قبل مايو المقبل.. ولو نجحت هذه المساعي لكانت الاصوات العربية بمثابة رمانة الميزان التي تحسم النتيجة النهائية.. *** الى جانب هذه الاحزاب التي تحدثنا عنها هناك العديد من الأحزاب الهامشية التي يتكون معظمها بمناسبة الانتخابات ــ كلما هل موسم انتخابي ثم تنفض بعد المعركة فلا يبقى لها اثر, وتظل المنافسة الاساسية بين الحزبين الكبيرين, الليكود والعمل.. مع اننا عند التحليل النهائي لا نجد أية فوارق جذرية في الاهداف, وانما الفارق هو في اسلوب تحقيق هذه الاهداف. فحزب العمل لم يسفر عن اي موقف مخالف فيما يتصل بالقدس, او المستوطنات او عودة اللاجئين, او مسؤولية جيش الدفاع الاسرائيلي عن الامن حتى نهر الاردن, او قيام دولة فلسطينية.. واذا كانت بعض التصريحات الصادرة عن قيادته في الاسابيع الاخيرة تبدي بعض المرونة فيما يتصل بالقبول بالدولة الفلسطينية ــ ضمن شروط معينة ــ الا ان البرنامج الانتخابي للحزب لم يشر الى هذه القضية من قريب او بعيد. الاهداف الاستراتيجية واحدة عند العمل والليكود. وهي باختصار فرصة وجود اسرائيل باعتبارها القوة المهيمنة في منطقة الشرق الاوسط.. ولكن حزب العمل يرى ان هذا مستحيل بدون شرطين: الاول هو انهاء حالة العداء مع (الجيران العرب) واقامة سلام مقبول يضمن تطبيع العلاقات تماما مع الدول العربية. والثاني هو الاحتفاظ بالرضا الكامل من جانب الادارة الامريكية. اما الليكود, واتباعه فهم مقتنعون بأن القوة الذاتية لاسرائيل المصحوبة طبعا بالضعف الذاتي للعرب.. كفيلة بان تحقق الهدف الاستراتيجي المتفق عليه.. اما عن (الرضا الامريكي) فان هذا امر يمكن ان يتكفل به اللوبي الصهيوني واصدقاء اسرائيل الكثيرون في الولايات المتحدة.. ومن هذا المنطلق فان نتيجة الانتخابات المقبلة ايا كان شأنها فانها لن تؤثر كثيرا على جوهر القضية.. الا وهو الصراع العربي الاسرائيلي, فسوف يظل هذا الصراع قائما, حتى لو خمد حينا او أحيانا, طالما بقيت الطموحات الاسرائيلية سواء عن طريق اسرائيل الكبرى, او عن طريق الهيمنة المستندة الى المساندة الامريكية, حتى لو تم توقيع اي اتفاق للسلام.. والارجح ان الانتخابات المقبلة لن تؤدي الى فوز احد الحزبين الكبيرين بالاغلبية المطلوبة. وهنا لن يكون هناك سوى احد بديلين اما ان يشكل احدهما حكومة ائتلافية يضم اليها بعض الاحزاب الهامشية حتى تتحقق لها اغلبية برلمانية, ستكون ضعيفة في جميع الاحوال.. واما ان يشكل الحزبان, العمل والليكود حكومة ائتلافية منهما.. ويعتقد معظم المراقبين ان الولايات المتحدة ستدفع في هذا الاتجاه لانه اقرب طريق للتوصل الى اتفاق سلام يكفل للمصالح الامريكية في المنطقة قدرا من الاستقرار.. ولو الى حين..