قامت دولة اسرائيل الحديثة اسمياً على مبادئ دينية, واتخذت اسماً دينياً هو اسم سيدنا يعقوب عليه السلام, الذي يسميه القرآن بــ (اسرائيل) , ونبشت من الحفريات لغة (التوراة) العبرية التي بطل استخدامها لثلاثة آلاف عام , وأشاعت استخدامها وفرضت تعليمها على المهاجرين. لكن الدين لم يكن منهج حياة متكاملاً, ولا منهاج العمل السياسي, اذ شاعت المبادئ الديمقراطية العلمانية في الجهاز السياسي, لاسيما خلال سيادة حزب العمل, بتوجهاته الاشتراكية, خلال عقود التأسيس, والى حين نضج الدولة. جرى استخدام الدين كأداة للتعبئة, وتمييز الهوية, وحث الشتات على الهجرة لارض الميعاد.. ولم يكن الآباء المؤسسون يمانعون في استخدام الدين لأداء تلك الغايات, وكانوا يتنازلون احيانا للاستجابة لبعض مطالب زعماء الدين, كما فعل بن جوريون عندما اعطى الحاخامات حق تحديد من هو اليهودي من غير اليهودي, وبالتالي من هو الاسرائيلي من غير الاسرائيلي, باعتبار التطابق الكامل ما بين الهويتين. كان بن جوريون بعقلية انتهازية يعتقد ان نجم رجال الدين سرعان ما سينحبو مع تدافع امواج الهجرة من الدول الغربية التي فقد فيها الدين فعاليته, ولكن ما حدث على امتداد الزمن كان على عكس ذلك, اذ برهن يهود الشتات على انهم اكثر تديناً وتعصباً وتطرفاً من اليهود المؤسسين. كانت ثقة بن جوريون وقادة حزب الماباي الاخرين بان النظام السياسي الاسرائيلي سيستمر على نمط وجود الحزب الغالب, وانه ليس ثمة امل في وجود نظام تعدد احزاب حقيقي, ولا فرصة لتنامي قوة حزب اخر علماني, او ديني, لمناهضة حزب الماباي, مما ادى الى تساهل مع الحاخامات واعطائهم ذلك الحق الدستوري التأسيسي لتصنيف الناس الى يهود و(اغيار) , او اسرائيليين وأجانب.. لكن برهن تطور المجتمع الاسرائيلي على أن هيمنة حزب الماباي يمكن ان تهددها تحالفات قوى يمينية مثل تكتل الليكود, وأن الليكود يمكن ان يتخلى تدريجياً عن صفته العلمانية لصالح الاصوليين الدينيين المتطرفين, ممن يتخللونه او يضغطون عليه من الخارج. اثر الانتصارات والهزائم العسكرية للمفارقة فان النقلة الحاسمة في تطور النظام الحزبي الاسرائيلي, جاءت مع حرب يونيو 1967, التي خاضتها حكومة حزب الماباي ضد العرب. فقد اضطر زعيم الحزب, ورئيس الوزراء حينها ليفي اشكول, الى اعادة النظر في حكومته وادخال بعض العناصر اليسارية فيها مثل موشي دايان, الذي كان قد انشق في السابق عن حزب الماباي, وكذا بعض العناصر اليمينية مثل مناحيم بيجن. وقد حوّلت تلك الحرب موشي دايان الى بطل قومي, كما فتحت لبيجن مجال التقدم السياسي بعناصره الغوغائية المتعصبة في حزب (هيروت) , الذي سيصبح نواة تكتل (ليكود) فيما بعد وهكذا فبدلاً من ان تؤدي تلك الحرب الى توطيد سلطة حزب الماباي, فان نتائجها جاءت خصماً على وضعيته القيادية, التي كانت تجعله بمثابة الحزب الغالب وسط احزاب هامشية. وجاءت حرب اكتوبر 1973 لتدفع بطرف اليمين الراديكالي بقيادة مناحيم بيجن نحو السلطة, وليتقوى بالحركة العلمانية من أجل اسرائيل العظمى التي صاغها الجنرال أرييل شارون عقب انشقاقه عن حزب الماباي وباندماج الطرفين تم تكوين تكتل الليكود الذي جعل اجندته السياسية تدور حول مبدأ واحد, هو مبدأ اسرائيل العظمى, التي لا يمكن ان تعيد شبراً واحداً من الاراضي التي انتزعتها من العرب. وكان دخول شارون الذي يحسبه الناس متطرفا اصيلا في هذا التكتل بمثابة انتصار كبير له, لان شارون كان صاحب تجربة اشتراكية تقدمية, عندما كان كادراً ضليعاً في حزب الماباي, فاذا به ينسلخ عن كل ذلك دفعة واحدة ليغرس اقدامه في أقصى اليمين! فضل شارون ان ينخلع عن العسكرية ليعمل في السياسة وانخلع عن حزبه اليساري ليصوغ تكتلا يمينياً متشنجاً, وهكذا عاد شارون ليمارس العسكرية الفظة داخل نطاق العمل السياسي, ولان مناخ الشك في حكومة حزب العمل بقيادة مائير كان سائدا, فقد علا نجم شارون, كما علا نجم امبراطور الجهل والصلف مناحيم بيجن. وفاز الليكود في اول انتخابات بعد الحرب بــ 39 مقعداً في الكنيست, اي حوالي ثلث مقاعد البرلمان, وتعرض اسحاق رابين الذي ترشح لرئاسة الوزارة لمنافسة عنيفة انهت التقليد القديم الذي كان يحتم الوصول الى وفاق حزبي وقومي بشأن الشخص المرشح لمنصب رئيس الوزراء. هذه النقطة التنافسية هي التي قادت فيما بعد الى وصول قادة ليكود الى منصب رئيس الوزراء. ورغم ان معاناة السلطة ادت بالليكود الى التخلي عن بعض ثوابته, حيث اضطر مناحيم بيجن الى امضاء اتفاقيات كامب ديفيد, وارجاع شبه جزيرة سيناء لمصر, الا أن الحزب ظل يؤكد مع ذلك انه هو الحزب الوحيد الخليق بالحفاظ على الهوية الدينية لاسرائيل, وهي الهوية التي لا يؤتمن عليها حزب العمل, بايديولوجيته العلمانية الليبرالية اليسارية. واخذت امراض الشيخوخة المبكرة تدب في حزب العمل, ولم يجده ان يصعد الى زعامته اسحاق رابين الذي كان في سن الخمسين, وهي سن صغيرة مقارنة بسن الاباء المؤسسين للحزب والدولة الصهيونية, ولعله هو السبب الذي شجع الكثيرين من قيادات الحزب على منافسته او التمرد عليه ثم الانشقاق عن الحزب, حتى اصبحت حالة الشقاق هي الحالة الأصل في أداء حزب العمل. الانشعاب القومي المتفاقم عامل اخر اسهم في اضعاف حزب العمل وانعاش الليكود, هو عامل اليهود الشرقيين (السفارديم) الذين كانوا بحكم وضعهم الطبقي المتدني, يتعلقون بالشعارات الاشتراكية لحزب العمل, والأمل في أن يسدوا تدريجيا الفارق الطبقي الذي يفصل بينهم وما بين اليهود النازحين من شرق اوروبا (الاشكانيزم) , لاسيما في داخل حزب العمل نفسه الذي هيمنت على قيادته كوادر اليهود (الاشكانيزم) . ولكن تلك الفجوة الطبقية لم تسد, بل اتسعت, اما على اطار العمل السياسي فلم يجد اليهود الشرقيون مجالاً الا في اطار سياسات الحكم المحلي فقط بعيدا عن الكنيست وعن الاطار القومي. هنا اتجه الليكود الى استمالة هؤلاء بدغدغة مشاعرهم الطبقية والدينية معا, فاتجهوا للتصويت لمرشحيه في نزوح شبه جماعي من قواعدهم القديمة في حزب العمل, وكان مثيراً ان ثلثي ناخبي الليكود في الانتخابات اصبحوا يأتون من صفوف (السفارديم) , بينما يأتي ثلثا ناخبي حزب العمل من (الاشكانيزم) , وأصبح المجتمع الاسرائيلي في حالة انشعاب قومي متفاقم. اخذ الانشعاب القومي يغذي الانشعاب السياسي الحزبي, الذي يؤصل له قانون الانتخاب النسبي, الذي يجعل من الصعب على حزب واحد ان يكون اغلبية مريحة, طالما وجد حزب قوي اخر يناوئه, وطالما وجدت احزاب صغيرة تتكاثر على الهامش ويضمن لها القانون الانتخابي وجوداً في البرلمان. لقد انتهى عهد الحزب الغالب, وانساق النظام الحزبي الى نظام تعددي تنافسي بشكل واضح, زاد من حدة تنافسه قانون الانتخاب النسبي الذي صيغ اساساً لتحقيق نوع من الوفاق القومي, بتمكين كل حزب معقول الحجم من ان يكون له تمثيل في البرلمان, ولكن القانون ادى الى استعار التنافس بين الحزبين الكبيرين من أجل نيل الارجحية الأمر الذي قاد الى خلاف الحكمة التي صيغ القانون اساساً لتحقيقها. تأصيل العامل الديني هذا المناخ التصعيدي التنافسي ادى الى زيادة وزن الاحزاب الدينية, وزيادة اهميتها, وازدادت شعبيتها مع اتجاه حكومة حزب العمل بقيادة رابين ثم بيريز الى التفاوض مع العرب, واصبحت حركة (شاس) تزيد من التهاب الاصول الدينية للسفارديم, بينما اخذت حركة (تامي) تطرح موضوع الاصول العرقية المختلفة للسفارديم بشكل مزعج حتى اتهمت بإثارة فتنة قومية في البلاد. اما بنيامين نتانياهو الذي كان الكاسب الاكبر من حركة التمزق القومي في اسرائيل, فقد اخذ يصرح بان جميع القلاقل التي تواجهه انما ترجع الى حقد (الاشكانيزم) عليه, وعلى (السفارديم) , ويقول نتانياهو ان هؤلاء قد مردوا على طعم السلطة المغري, ودأبوا على تغيير هوية اسرائيل الدينية بما اجتلبوه معهم من القيم والافكار الغربية العلمانية. كان مثيراً ان يشن بنيامين نتانياهو, وهو نفسه من الاشكانيزم, حملة مثل هذه على أصوله العرقية, ولكنه طلباً لأصوات السفارديم ودعاة الهوس الديني جاد بمثل تلك التصريحات. لكن ها هي الدائرة تدور اخيراً على نتانياهو حيث تفوق عليه غريمه الحالي, ووزيره السابق اسحاق موردخاي في ركوب الموجة الدينية الصاعدة والالتصاق بهوى السفارديم, فهو من هذه الناحية الاخيرة يهودي عراقي كردي من صميم السفارديم, اما من الناحية الدينية التي لا تتطلب في اسرائيل الا الادعاء وإظهار التعصب, واجادة التمثيل فهو يتفوق على نتانياهو, بشهادة نتانياهو نفسه.. فعلى اثر قرار فصله المهين عبر خطاب تلفزيوني, قام موردخاي بتذكير الناخبين بجذوره الدينية, وتعصبه لقضايا اسرائيل الكبرى, وقراءته للتوراة, وقام بزيارة حائط المبكى, ثم اتجه لزيارة حاخام شرقي كبير, استلم منه التبريكات الدينية لمسعاه السياسي الجديد! وهكذا شق العامل الديني تكتل ليكود, مثلما شق تكتل ليكود باستخدامه للعامل الديني نظام الحزب الغالب. وبالطبع فليس من المرجح ان تصبح السياسة في اسرائيل دينية الطابع, ولا ان يعلو نجم الاحزاب الدينية الصرفة على الاحزاب العلمانية, فدعاة الدين هم دعاة سياسة في المقام الاول, ان اجندتهم السياسية اصيلة, تتعلق بضرورة انتزاع الاراضي العربية, اما اجندتهم الدينية فهي شكلية تتعلق بتحديد هوية من هو اليهودي الصحيح من اليهودي الزائف, واعطاء امتيازات للمدارس الدينية, واغلاق المتاجر في يوم السبت, ولا يوجد اي حزب ديني يطالب بتطبيق الشريعة اليهودية او ينادي بجعلها نظاما شاملا للحياة كما يفترض ان يطالب الخطاب السياسي لأي حزب ديني! الاحزاب الدينية الاسرائيلية هي أحزاب بالمعنى الشكلي فقط. اما في جوهرها فهي جماعات ضغط وزعزعة وازعاج, ومسيرتها الاخيرة, ليوم الاحد الماضي, كانت خير مثال لقدراتها في الضغط والزعزعة والارهاب الذي مارسته حتى على مؤسسة القضاء الأعلى المستقل.. هذا هو الدور السلبي الخطير الذي تحسن تلك الجماعات ان تمارسه في تغيير خريطة المجتمع السياسي الاسرائيلي, وبقدر ما يتنامى جمهورها بقدر ما تستطيع ان تخض المسرح السياسي او تقلبه رأساً على عقب. استاذ العلاقات الدولية ــ المسيسبي