ثمة حقيقة باتت معروفة عبر السنوات الماضية وهي ان اسرائيل تتركب من مجتمع فريد يشكل خلية عسكرية, وتشمل العسكرة جميع مجالات الحياة فالعمل العسكري هو الطابع العام الذي يجسد ايديولوجية اسرائيل منذ نشأتها وحتى الآن .. ولاتزال مقولة ديفيد بن جوريون مؤسس اول حكومة اسرائيلية عام 1948: (ان حاجة الامن والحاجة الى بناء شعب اسرائيل لن تتحقق الا اذا تحول الجيش الى مصنع للشباب المحارب وهذا الجيش قدر عليه ان يكون في حالة حرب دائمة مع العرب) , هي السمة الاساسية لاسرائيل التي يصفها الفيلسوف اليهودي ماركوز (ان اسرائيل قلعة عسكرية, اذ انه في المجتمع الاسرائيلي يستحيل التمييز بين مدني وعسكري ويستحيل العثور على حدود فاصلة بين النخبة العسكرية والنخبة السياسية لان افراد النخبتين يتبادلون الادوار ويقيمون التحالفات في الاحزاب وفي الكنيست وغيرها من المنظمات والمؤسسات. واسرائيل.. هذا التجمع العسكري في أصله وسلوكه وأغراضه, تقوده مؤسسة عسكرية, فالضباط الكبار لعبوا على الدوام دور القادة السياسيين وتبادلوا الادوار مثال اسحاق رابين, شمعون بيريز, ارييل شارون, عيزرا وايزمان... الخ.. ومنذ توصيات لجنة أجرانات التي تشكلت بعد حرب اكتوبر 1973 والتي حددت العلاقة بين الجيش والقيادة السياسية وصلاحيات كل منهما, واصدار الكنيست في يوليو 1975 قانونا اساسيا جديدا للجيش اكد مبدأ خضوعه لسلطة الحكومة على ان يكون وزير الدفاع هو المسؤول عنه في الحكومة وصلة الوصل, ورئيس الاركان هو المستوى القيادي الاعلى في الجيش.. فان صورة المجتمع الاسرائيلي لم تتغير وأصبح هرم القيادة يتشكل رأسه الاعلى من مجلس حرب برئاسة رئيس الحكومة وفي عضويته كبار ضباط الجيش, وهذا المجلس هو المخول باتخاذ قرارات الحرب والسلم وما يتعلق بهما. ان المؤسسة العسكرية الاسرائيلية تتشابك مع مجالات متعددة من النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل واضح سواء في مجال الاستيطان عبر تنظيم (كتائب الشبيبة المحاربة) التابع لهيئة الاركان والمتمركز في المستوطنات الحدودية, او في مجال الصناعات, وكذلك تولي عدد كبير من الضباط القادة العمل السياسي. ويميز هذا الوضع موشيه دايان الذي كان رئيسا للاركان ثم وزيرا للدفاع بقوله: (ان اسرائيل ليس لها سياسة خارجية وانما سياسة دفاعية فقط) ويعني ذلك انه عوضا من ان تكون الاستراتيجية الشاملة في خدمة تحقيق اهداف السياسة الخارجية كما هي الحال في معظم الدول, فان اسرائيل تضع سياستها الخارجية في خدمة استراتيجيتها الشاملة وفق مفهومها الامني. ويوجد في اسرائيل الان نحو (18) حزبا سياسيا (14) منها ممثلة في الكنيست منفردة او في اطار تحالفات وكتل, بالاضافة الى عدد من الحركات والمنظمات, ومعظم هذه الاحزاب قديمة تعود جذورها الى ايام الاستيطان الاولى في فلسطين حيث لعبت دورها في تنظيم المستوطنات اليهودية وتعبئتها عسكريا واقتصاديا قبل اعلان دولة اسرائيل, والسمة الاساسية لهذه الاحزاب, الادوار المتعددة التي تلعبها وهي ادوار تخرج عن النطاق السياسي المحض, وتمارس أنشطة استيطانية واجتماعية واقتصادية واسعة النطاق.. ووضع الاحزاب في ظاهره ديمقراطي يمنح نخبة من الزعامة السياسية احتكار عملية تقرير السياسات وخاصة تجاه مسألة توسيع رقعة الدولة قدر الامكان والموقف من المناطق المحتلة. معسكر اليمين الحاكم. ان الجهاز الحاكم في اسرائيل الان او ما يسمى معسكر اليمين بزعامة الليكود يضم اربعة احزاب هي: هتحيا, تسومت, موليدت, يعود بالاضافة الى الحزب المتطرف كاخ. وتكتل الليكود تأسس عام 1973 من حزبي حيروت وليبراليم وبادر الى تأسيسه الجنرال ارييل شارون بعد انسحابه من حزب العمل وانضمامه الى ليبراليم, وكان الحزب الاقوى أثناء التأسيس حزب حيروت بزعامة مناحم بيجن قائد عصابات شتيرن الشهيرة واسحاق شامير الابن الروحي لبيجن وهو زعيم عصابات هاجاناه المماثلة, وتمكن هذا التكتل من ازاحة حزب العمل عن الحكم عام 1977 واستلام السلطة لاول مرة بتاريخ اسرائيل بالتحالف مع الاحزاب الدينية حتى عام 1984. وفي هذه المدة تمكن من تركيز العمل على انشاء المستوطنات وتسليحها من خلال برنامج استيطاني واسع في الضفة الغربية والجولان وظل برنامج حزب الليكود على الدوام امنياً عسكرياً تحت شعار (حق الشعب اليهودي في ارض اسرائيل حق ازلي غير قابل للطعن فيه, وسيواصل الجيش الاسرائيلي المحافظة على الشريط الامني من أجل ضمان سلامة الجليل والجولان ويهودا والسامرة والقدس عاصمة ابدية غير قابلة لاي تقسيم) . وتكتل ليكود يشد اليه المتطرفين والاحزاب الدينية المتطرفة والتي تلتقي جميعاً على قاعدة الرفض لاية حقوق عربية في الارض والدولة المستقلة وللانسحاب من الجولان الذي يشكل حدود اسرائيل الامنية.. الخ وهذا الحشد الجنوني من المتطرفين بقيادة الليكود والذي سينافس على انتخابات الكنيست المقبلة حظوظه قوية باستلام السلطة مجددا بالنظر الى عقلية التطرف التي تسود الان المجتمع الاسرائيلي اكثر من اي وقت مضى. ولا يخفى عن البال قوة تأثير ارييل شارون ووزير الدفاع موشيه أرينز ورئيس لجنة الامن في الكنيست عوزي لانداو.. اضافة الى اعضاء في الكنيست هم الاكثر تطرفاً مثل تساحي هنكفي وليمور ليفنانت.. كل ذلك يعني ان نتانياهو وحزب الليكود قد أغلقا الطريق نهائيا امام اي احتمال لاقامة السلام في المنطقة. اما حزب الوسط الذي انشق عن الليكود فان زعامته تكفي مؤشرا على توجهه المقبل فقد اسس هذا الحزب استعدادا لخوض الانتخابات اسحاق مردخاي وزير الحرب والجنرال ايهود باراك والنقيب في سلاح المدرعات دان مريدور كاتب وصحفي سوري