في مثل هذا اليوم قبل عشر سنوات, كانت مراكش قد ضبطت ايقاعها على عواصم المغرب العربي, وأظهرت كل حماسها لتحتضن القمة التأسيسية الأولى لتجمع اقليمي ممتد بين الصحراء الافريقية الكبرى والبحر الابيض المتوسط عموديا , ومن المحيط الاطلسي الى الحدود الليبية ــ المصرية افقيا, وهو التجمع الذي كان حلم حركات التحرر المغاربية التي ناهضت بوحدة وبتنسيق, الاستعمار وحققت استقلال اقطارها, وظل حلم ابنائها لأربعة عقود. ففي 17 فبراير 1989 شهدت مراكش ميلاد (اتحاد المغرب العربي) الذي صاغ تفاصيل انبثاقه المؤسساتي كل من العاهل المغربي الملك الحسن الثاني والرؤساء الجزائري الشاذلي بن جديد والتونسي زين العابدين بن علي والموريتاني سيد أحمد ولد الطايع والليبي معمر القذافي, وعندما وقف القادة الخمسة في شرفة قصر البلدية بالمدينة العريقة, كانت صور واحالات وتطلعات مستقبلية ترافق ذلك المشهد التاريخي. كانت قمة مراكش التي تمر اليوم الذكرى العاشرة على انعقادها, نتاج محطتين اساسيتين, الاولى (لقاء طنجة) الذي انعقد في ابريل 1958 بين قادة الحركة الوطنية في المغرب والجزائر وتونس, اذ كانت الجزائر تعيش أوج نضالها التحرري ضد الاستعمار الفرنسي مدعومة من طرف جاريها غرباً وشرقاً, وأفضى اللقاء الى اصدار توصيات باقامة نظام فيدرالي مغاربي وانشاء جهاز نيابي وهيئة تنفيذية, وان ظل ذلك حبرا على ورق, فان الباب المغاربي انفتح على تعاون قطاعي ومؤسسات مشتركة تأثر عطاؤها بالتقلبات السياسية لدول المنطقة. أما المحطة الثانية, فكانت (لقاء زيرالدة) الذي انعقد يوم 10 يونيو 1988 على هامش القمة العربية بالجزائر, ووضع هذا اللقاء برنامج عمل وجدولاً زمنياً وشكل اللجنة المغاربية العليا التي انيط بها اعداد الظروف المادية والتنظيمية لتأسيس الاتحاد, من خلال عدد من اللجان انعقدت بالعواصم المغاربية الخمس. كان بيان (زيرالدة) مقتضباً, لكنه كان واعدا وله من القوة السياسية ما يعكس ارادة القادة الخمسة وقتها في الانخراط في ديناميكية جديدة: (اجتمع قادة دول المغرب العربي يوم الجمعة 25 شوال ,1397 الموافق لـ 10 يونيو 1988م وقرروا تكوين لجنة تضبط وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي, ويكون اول اجتماع لهذه اللجنة بمدينة الجزائر يوم 13 يوليو 1988) وذلك هو مضمون البيان. وبين (زيرالدة) ومراكش تكثفت اجتماعات اللجنة لتصيغ وثائقها التي تمت المصادقة عليها في القمة التأسيسية 17-15 فبراير ,1989 وابرزها اعلان مراكش ومعاهدة انشاء اتحاد المغرب العربي التي تتكون من 19 مادة وتنص على ان الاتحاد يهدف الى: ــ تمتين اواصر الاخوة التي تربط الدول الاعضاء وشعوبها بعضها ببعض. - تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتنا والدفاع عن حقوقها. - المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والانصاف. - نهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين. - العمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الاشخاص, وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال بينها. هذا فضلا عن اقرار تكوين مجلس رئاسة له وحده سلطة اتخاذ القرار, ومجلس لوزراء الخارجية, ولجان وزارية, وأمانة عامة, ومجلس شورى يتألف - بعد تعديلات - من ثلاثين عضوا عن كل دولة, وهيئة قضائية. عقد مجلس رئاسة اتحاد المغرب العربي ست دورات عادية اضافة الى قمة مراكش التأسيسية, والتقى وزراء الخارجية في سبع عشرة دورة عادية, ودورة استثنائية تم تخصيصها للنظر في قضية لوكربي, كما اجتمعت لجنة المتابعة في أربع وثلاثين دورة موزعة على دول الاتحاد, وبدا للجميع ان الآلة المغاربية تدور بانتظام, خصوصا وان اللجان الوزارية المتخصصة عملت بهمة على وضع الاطر القانونية والاتفاقيات التي تشكل قاعدة انطلاق نحو الاهداف التي سطرها ميثاق مراكش. ففي المجال الاقتصادي كان تكامل اقتصاديات الدول الأعضاء هدفا اساسيا, وفي هذا الاطار تم الاتفاق على قيام وحدة جمركية (دورة الجزائر 1990) واقرار استراتيجية مغاربية للتنمية المشتركة (دورة ليبيا 1991) اضافة الى التعاون في مجالات الطاقة وربط الشبكة الكهربائية بين دول الاتحاد, ومد انبوب الغاز بين الجزائر واسبانيا عبر المغرب, وتجد هذه الاستراتيجية اسسها في ثماني اتفاقيات ذات طابع اقتصادي, وابرز مراحلها قيام منطقة مغاربية للتبادل الحر ثم وحدة جمركية, فسوق اقتصادية مشتركة, ووحدة اقتصادية مغاربية. اصدر مجلس الرئاسة في دورته السادسة في ابريل 1994 (اعلان تونس) بخصوص قيام منطقة للتبادل الحر, يحدد الترتيبات العملية لقيام هذه المنطقة, بحيث تشمل كل المنتجات ذات المنشأ المغاربي. وفي المستوى الثاني لهذه الاستراتيجية والمتمثل في انشاء الوحدة الجمركية, كان الهدف هو توحيد الضرائب ووضع تعرفة جمركية موحدة تجاه الخارج. واقر مجلس الرئاسة في الاطار الاقتصادي نفسه انشاء مصرف مغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية يرمي الى تقديم التمويلات اللازمة للمقاولات المغاربية, كما تم وضع اتفاقية مغاربية لتشجيع وضمان الاستثمار, وتم الاتفاق, بل والشروع في انجاز مشاريع مغاربية كبرى من ابرزها الطريق السيار المغاربي ومشروع ربط شبكة الطرقات الموريتانية ومشروع كابل الألياف البصرية للاتصالات الهاتفية. وفي مجال الأمن الغذائي توجه الجهد المغاربي نحو تنسيق السياسات الزراعية وتطوير التعاون في هذا الاطار, من خلال وضع مخطط واستراتيجية لتطوير العالم القروي باعتبار ان اغلبية سكان المنطقة تقطنه, وهكذا ابرمت ثلاث اتفاقيات هي الاتفاقية الخاصة بتبادل المنتجات الزراعية واتفاقية الحجر الزراعي واتفاقية الطب البيطري واعتماد طرائق موحدة بين الوزارات المعنية بالانتاج الزراعي والحيواني, وتم استحداث هيئتين متخصصتين في المجال الزراعي هما: الهيئة المغاربية للبحث والتكوين والارشاد الزراعي والهيئة المغاربية للحبوب. وباختصار استمرت ديناميكة الآلة المغاربية خمس سنوات, انصب العمل خلالها على توحيد القضاء المغاربي في مختلف المجالات, ليدخل الاتحاد في حالة من الجمود بعدما وجد نفسه مثقلا بمشاكل سياسية أبرزها المواقف المتناقضة المغربية ــ الجزائرية من قضية الصحراء. ففيما كانت الأنظار تتجه الى هذا الاطار المشترك بين الاقطار الخمسة لحل واحتواء وتذويب الخلافات التي تجزئ الجغرافيا وتتجاهل التاريخ, وجدت الرباط بأن الجزائر تسير عكس هذا الاتجاه في تعاملها مع ملف الصحراء الذي تعتبره الملف رقم (1) في لائحة أولوياتها. ومن المشاكل التي واجهت الاتحاد انفجار الوضع الداخلي بالجزائر الذي اتسع نطاقه منذ 1992 وتحول الى مواجهات مفتوحة بين السلطة الجزائرية بكل مكوناتها المدنية والعسكرية, وبين الآلاف من الارهابيين الذين انتشروا من عنابة الى مغنية ومن العاصمة الى آبار النفط, وتحولت مدن ومناطق عديدة الى ساحات حرب ومجازر فظيعة حصدت عشرات الآلاف من الأرواح, وغطت المعارك الشرسة على كل اهتمامات السلطة السياسية بالجزائر ليصبح هاجسها الاول والاخير هو استعادة السلم والاستقرار. وخيم ملف (لوكيربي) بظلاله كذلك على مسار اتحاد المغرب العربي وعلاقاته الدولية, فبالرغم من تأكيد الاتحاد, من خلال مجلس الرئاسة أو اجتماعات رؤساء دبلوماسيته, على المساندة الكاملة لليبيا والمطالبة برفع الحصار المفروض عليها من قبل لندن وواشنطن ومجلس الأمن, فان طرابلس لم تر في ذلك سوى تعبير سياسي ظل حبيس بيانات القمم المغاربية ولم يجد مفعوله العملي من أجل تجاوز هذا الحصار. كان الأمل معقودا في أن تتجمع الامكانيات البشرية والاقتصادية بالمنطقة لمواجهة الرهانات المغاربية, أولا من أجل تنمية البلدان الخمسة, وثانيا لمجابهة تحديات الاتحاد الأوروبي الذي يقع على مرمى حجر من الشواطئ المتوسطية, لكن هذا الأمل انطفأت جذوته بعدما تخندق كل قطر في حدوده, لايطل على القطر الآخر الا من خلال العلاقات التقليدية: اتفاقيات ثنائية وتعاون اقتصادي ما زال محدود الفاعلية. اعلان الاتحاد المغربي .. بارقة أمل تخبو