الحسن الثاني وجه باستحداث وزارة لحقوق الانسان، استعدادات لتدريس هذا الحقل واستحداث تخصص له في الجامعات، ست سنوات توجت اهتمام عاهل المغرب الملك الحسن الثاني بحقوق الانسان بانشاء وزارة متخصصة تعنى بهذا الموضوع الذي بات موضع اهتمام العالم اجمع ... على اساسه تصنف المجتمعات بين متحضرة واستبدادية . هذه الوزارة عكست مرحلة التوافق الوطني التي سادت المغرب مؤخرا عبر تناوب الاجتهادات والرؤى على ادارة شؤون البلاد ما اعلن بشكل واضح انتهاء حقبة الصراعات والتناقضات الحادة والتجاذب السياسي التي خلفت ملفات شائكة في هذا الحقل تسعى الحكومة الحالية بتوجيهات العاهل المغربي لطيها نهائيا. وفي هذا الاطار يؤكد وزير حقوق الانسان في المغرب محمد اوجاد ان لاعودة مطلقا لحقبة الاعتقالات والتجاوزات. وتأتي الشهادات الدولية لتؤكد التقييمات الداخلية التي يعكسها التوافق الاجتماعي والسياسي في المغرب حيث يتزامن قرار منظمة العفو الدولية (أمنستي) عقد مؤتمرها المقبل في المغرب مع استعداد هذا البلد العربي لتدريس مادة حقوق الانسان في المدارس واستحداث تخصص جامعي يبحث في هذا الحقل كما يؤكده وزير حقوق الانسان المغربي في حواره التالي مع البيان. بعد دعوة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني في خطابه امام البرلمان في اكتوبر الماضي بطي ملف حقوق الانسان بلا ابطاء, هل يمكن القول ان هذا الملف قد طوي نهائيا؟ مباشرة, بعد انتهاء المهلة التي حددها جلالة الملك للحكومة ( ستة اشهر ) يمكننا ان نقول وبكل افتخار وبكل نزاهة فكرية ان المغرب سينهي قريبا الملفات العالقة في مجال حقوق الانسان, فنحن منكبون على دراسة التدابير والاجراءات الكفيلة ببلوغ هدف طي الملف في الموعد المحدد. وتمخضت الدورة الاخيرة للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان عن تشكيل لجنة تقنية مختصة مكونة من عدد من اعضاء المجلس للعمل على الملفات العالقة حتى يتمكن بلدنا من طيها نهائيا. ان هناك ديناميكية قوية في البلاد يرعاها صاحب الجلالة للوصول الى انهاء كلي لملفات حقوق الانسان, ونتمنى ان تكون حصيلة عمل اللجنة التي ستعرض على المجلس الاستشاري مقنعة لبلوغ هذه الغاية. مرحلة التوافق تقولون اننا على وشك انهاء ملفات الانسان العالقة, في حين لم يتم بعد الكشف عن مصائر بقية المختطفين؟ هذا من صميم عمل اللجنة التي ذكرتها, حيث ستنكب على دراسة كل حالة على حدة, لتحديد ماحدث وظروف الوفاة والحيثيات المرتبطة بها, وهذا في حد ذاته شيء مهم لان فتح هذا الملف ما كان له ان يتم لولا اجواء الاستقرار السياسي ولولا التوافق الوطني الواسع والتفاف كل مكونات الامة حول قائد البلاد. فكل هذه المعطيات منحت لبلادنا مناعة سياسية جعلتها تفتح وبالشجاعة اللازمة هذه الملفات, لانه كما تعرفون ترجع كثير من هذه الملفات الى مرحلة من التوتر والتجاذب السياسي, وهي مرحلة انتهت ولله الحمد, حيث تجاوزها المغرب بفضل التوافق الوطني وهو يبحث الآن في عدد من مخلفاتها وانه ليس من السهل القفز بسهولة على تلك السنوات الطويلة التي خلفت تلك الملفات والملابسات التي رافقتها, لذلك فان من الضروري ان يتسم العمل على هذه الملفات بكثير من الرصانة والنزاهة الفكرية والتجرد لان الهدف هو تخليص البلاد مما تعكسه هذه الملفات, هذه المقاربة ارادها جلالة الملك ان تكون فوق كل الاعتبارات السياسية, لذلك فان المجلس الاستشاري ارادها جلال الملك ان تكون فوق كل الاعتبارات السياسية, لذلك فان المجلس الاستشاري لحقوق الانسان تمثل فيه كل الاحزاب السياسية والجمعيات غير الحكومية والنقابات وهيئات المحامين .. الخ, مما يؤكد ان كل مقومات الامة موجودة في هذا المجلس, وذلك لاعطاء معالجة ملفات حقوق الانسان بعدا وطنيا وتحقيق مصالحة وطنية. هناك رأي متداول بين المهتمين بحقوق الانسان في المغرب يقول بان هذا الملف شائك وليس بالمستطاع حله راهنا لعدم التوازن السياسي الذي يحتم فتح الملفات بشكل كامل ومصارحة الذات بالحقيقة؟ حينما نقول بان اختيار احترام حقوق الانسان لا رجعة فيه فمعنى ذلك انه لن يسمح ابدا ان يعتقل مواطن لانه عبر عن رأيه, اما طبيعة الحياة اليومية فهي تفرز منطقها الواقعي, ويجب على الانسان الا يكون ساذجا وحالما او مثاليا. فنظريا, لا يمكن اغفال ان صراعات الحياة اليومية السياسية لابد ان تنتج مشاكلها, ولكن يجب ان نقول بصوت واحد كمجتمع, ان ما حققناه في مجال حقوق الانسان يظل هو القاعدة الاساس, حيث اصبح للانسان في المغرب حقوق تراكمت منذ بزوغ الحركة الوطنية وتحققت منجزات كثيرة مثل قانون الحريات العامة لعام 1958. وبطبيعة الحال, فإن التطبيق لم يرق دائما الى ما هو مأمول لأن المراحل التي مررنا بها لم تسمح بالذهاب بعيدا في هذا المجال. أما الآن فقد وصلنا الى ديباجة في دستور المملكة يقر تمسك البلاد بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا. نحن نعيش في بلد حقق الآن نقلة التناوب السياسي وراكم الكثير من المنجزات السياسية والديمقراطية, ففي المغرب لا يمكن ان نسمح بحدوث التجاوزات أو عودة الاعتقالات, لذلك يجب ان نحقق تعبئة وطنية شاملة حول الانجازات كيفما كانت طبيعة الحكومات أو الاغلبيات أو المعارضات, حيث يجب ان يظل الاختيار الديمقراطي والتعددية في بلادنا هو الاساس. ان التغيير والاصلاح من ارادة صاحب الجلالة وهي ارادة استراتيجية, وتجربة حكومية التناوب ما زالت في بدايتها, ويجب ان يظل هذا المنحى الاصلاحي ثابتا بيقظة المواطن صاحب المصلحة الأولى في ان يتكرس هذا المنحى, وأن يظل كذلك مسنودا من طرف كل التشكيلات والنخب السياسية والجمعيات والمنظمات, لتسمو حقوق الانسان على كل المتغيرات السياسية, وتظل دائما من ثوابت الحياة في بلادنا. اننا نعتبر مرحلة الانتهاء من ملفات حقوق الانسان التي أثارت الكثير من النقاش والجدل هي البداية الفعلية للنهوض بحقوق الانسان وهذا الشق الثاني الهام من عملنا, ولقد بدأنا مع وزارة التربية الوطنية في انجاز المراحل الأخيرة من برنامج تجريبي لتدريس حقوق الانسان, والهدف هو انتاج مواطن الغد الراعي بحقوقه وبواجباته وهذه الحقوق تتغير الآن, ففي وقت ما كنا نتحدث عن الحقوق السياسية والمدنية ومن بعد طرحت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والآن يطرح الجيل الثالث لحقوق الانسان, الحق في الهوية وفي البيئة السليمة, وقد راجعنا في سبيل ذلك 120 مؤلفا مدرسيا بفضل خبراء مختصين لحذف بعض المفاهيم المعارضة لحقوق الانسان وفي نهاية هذه السنة سنعقد مؤتمرا تربويا, لأنه يجب ان يترك المجال لأهل العلم لاتخاذ القرار المناسب. كأن ندرج في نظامنا التعليمي ــ مثلا ــ مادة لحقوق الانسان أو ادراج ثقافة حقوق الانسان في كل المواد التي يتلقاها سواء أكان علميا أو ادبيا أو تقنيا. اذن هناك هذا المشروع الحضاري, واذا نجحنا في تحقيقه فسنكسب رهانا كبيرا بخصوص تغيير العقليات. تدريس حقوق الانسان ما هي الآفاق المستقبلية للتخصص في مادة حقوق الانسان؟ ــ التخصص سيتم استحداثه على مستوى الجامعات, وأذكر هنا انه يوجد بكلية الحقوق بالرباط كرسي للدراسات العليا في مجال حقوق الانسان. وهناك اتفاق مبدئي مع اليونسكو لانشاء كرسي جديد في جامعة وجدة (شمال شرق البلاد) للثقافة والتسامح والسلام. وفي مناهج كليات الحقوق. هناك تفكير في احداث تخصصات في مجال حقوق الانسان, وتقوية حضور هذه المادة في مختلف المناهج. أثيرت قضية تعويض ضحايا الاختفاء الذين أطلق سراحهم مؤخرا, هل تبدي الدولة استعدادا لحل المشكلة, خصوصا وأن هناك سابقة تعويض بعض ضحايا سجن تازمامارت؟ ــ من نتائج المبادرات الأخيرة التي تم الاعلان عنها لطي هذا الملف نهائيا اعتماد مبدأ التعويض عن الضرر, والآن تنجز دراسات للصيغ القانونية لهذا التعويض. يتبين من خلال التصريحات الرسمية ان قضيتي عبدالسلام ياسين (مرشد جماعة العدل والاحسان الاصولية المحظورة) وإبراهام السرفاتي (المعارض اليساري اليهودي) ستعرفان الطي النهائي قريبا, هل ثمة تاريخ محدد؟ ــ هناك ديناميكية عامة طموحها معالجة كل الملفات بدون استثناء, وفي اطار هذا المسار الجديد يجب ان يتم تعبئة الجميع, وأن يلتحق بهذه الديناميكية, وحينما أقول الجميع, فأعني بذلك كل النشطاء وكل الفاعلين في الحقل الحقوقي والسياسي بما يدعم القيم الدستورية والسياسية التي تتوافق حولها ارادة الامة, فهذه الديناميكية ليست في حاجة لعصافير تغرد خارج سرب التوافق الوطني. كيف تنظرون الى اعلان منظمة العفو الدولية عقد مؤتمرها المقبل بالمغرب؟ ــ حقق المغرب مكاسب وانجازات مهمة في مجال حقوق الانسان, والعالم يشهد الآن على ذلك. ومنظمة أمنستي (منظمة العفو الدولية) التي لا يمكن ان يتهمها أحد بمجاملة المغرب, أعلن أمينها العام أخيرا انه لا يوجد أفضل من المغرب (في شمال افريقيا والشرق الأوسط) لعقد مؤتمرها. كما ان مندوبة الأمم المتحدة السامية لحقوق الانسان وافقت على انشاء مركز التكوين والتوثيق الدولي في المغرب بالتعاون مع وزارتنا. ونحن نعتز بهذه الخطوات, وهي شهادات تملؤنا حماسا لنواصل المسيرة. وأنا أقول ان هذه ليست سوى البداية, بداية الديناميكية الجديدة في علاقاتنا مع الاعلام ومع الجمعيات والبرلمانات ومع الفاعلين, ونؤكد مرة أخرى على الارادة السياسية القوية لبلادنا من أجل معالجة هذا الملف, وهي الارادة التي عبر عنها الملك بكل جلاء, وهي ارادة تعترضها صعوبات, اذ ان قضايا حقوق الانسان ليست قضايا موجودة داخل جهاز كمبيوتر يكفي الضغط على زر لحلها. ففي الوقت الذي نبتهج لهذه الشهادات وللتفهم العميق, لما نقوم به من مجهودات, نزداد حماسا وإرادة لأن نواصل المسير, وان نتجاوب مع رأينا العام, وأن نكون عند حسن المنظمات العاملة في هذا المجال وعند حسن ظن الاعلام, وكافة المعنيين لحقوق الانسان. ثقافة الاستجابة هل لوزارتكم الكفاية المادية أو المعنوية لتقصي الخروقات والانتهاكات التي تتسبب بها وزارات أخرى كالعدل والداخلية؟ ــ العمل بهذه الوزارة هو عمل نضالي نظرا لضآلة الامكانيات المادية والبشرية, والأطر الموجودة تشعر بالمسؤولية في هذا المجال, فالملفات التي نباشرها بشكل يومي تتجاوب معنا بشأنها المصالح المعنية بشكل ايجابي, وعلاقتنا بمختلف الوزارات هي علاقات جيدة, خصوصا مع الداخلية والعدل. وبدأ منع الحصول على جوازات السفر يتقلص بشكل كبير, وفي هذا المجال, أعطى وزير الداخلية تعليماته للعمالة والولاة (المحافظين) بالرد كتابة على أي طلب للحصول على جواز, واذا اعتبر المعني بالأمر التبريرات غير مقنعة يمكنه اللجوء للقضاء الاداري قصد الطعن. الا ان المشكل الكبير الذي نعاني منه تنفيذ الاحكام, وتعلمون ان وزير العدل أعلن ان هناك اكثر من 100 الف حكم نهائي لم يعرف التنفيذ. كما أعلن مؤخرا عن استحداث مؤسسة قاضي التنفيذ, وأمر, في مرحلة انتقالية, رؤساء المحاكم بتكليف قاض لمساعدة الرئيس في عملية التنفيذ. حين يتظلم موظف او مواطن لوزارتنا, نتقدم بشكايته بشكل فوري لمساعدته في حل مشاكله قبل ان تصل الى القضاء, كما نتدخل لدى هيئات المجتمع المدني, فاذا توصلنا ــ مثلا ــ بتظلم ضد محام نتدخل لدى نقيب المحامين, ولنا مديرية مكلفة بمتابعة هذه الملفات بشكل يومي, واعلان المواطنين بالنتائج كذلك نتوصل بشكايات متزايدة تتعلق بتظلمات المهاجرين المغاربة من جراء التعسفات العنصرية التي يتعرضون لها, وقد بدأت تظهر ثقافة جديدة في الادارات, هي ثقافة التجاوب وثقافة الجواب كتابيا, ونحن نحرص على ان تكون الاجوبة كتابية لكي يكون للمواطن مستندا يمكن ان يقتنع به, ويمكن ان يرفع امره للقضاء في حال عدم اقتناعه به, ونحن نراهن على مشروع الاصلاح الحالي للعدل الذي يهدف الى عصرنة هذا القطاع وتأكيد استقلاليته فكلما تطور العدل وازدهر كان ضمانة لتكريس حقوق الانسان والديمقراطية. تعددية وحوار نلاحظ وجود عدة مؤسسات حكومية وغير حكومية في المغرب تعني بموضوع حقوق الانسان.. ما هي دلالات هذا التعدد؟ ــ هذا التعدد يعكس عمق اهتمام المغرب باشكالات وقضايا حقوق الانسان, ويجسد الانشغال القوي بها لدى جميع مكونات النخبة والمجتمع السياسي والمدني في بلادنا, فالمغرب يزخر بوجود عدد مهم من التنظيميات والهيئات والمنظمات غير الحكومية التي تعمل بجد ونشاط في مجال حقوق الانسان, منذ سنوات طويلة, سواء على صعيد المنظمات ذات الاهتمام العام بهذا المجال, او المنظمات ذات الاهتمامات القطاعية كحقوق الطفل وحقوق المرأة وغيرها. في بداية التسعينات تفضل الملك الحسن الثاني وانشأ مجلسا استشاريا لحقوق الانسان, يضم في عضويته كل الفعاليات السياسية والحزبية والثقافية وممثلين عن المنظمات الحقوقية وعن الاساتذة الجامعيين وعن العلماء, والمحامين والاطباء والقضاة, هذه التركيبة الواسعة تتيح فضاء الحوار والنقاش لبلورة مواقف وقناعات عامة في قضايا حقوق الانسان, ويقوم هذا المجلس في اجتماعاته برفع آراء استشارية الى الملك حول كافة القضايا المدرجة في جدول اعماله والمتعلقة بحقوق الانسان, وتمت الموافقة على كل الآراء الاستشارية المرفوعة اليه. وفي 1993 قرر الملك احداث وزارة مكلفة بحقوق الانسان ضمن تشكيلة الحكومة المغربية, كتجسيد قوي للارادة السياسية الصلبة والعميقة لمعالجة قضايا حقوق الانسان, ومع انطلاق ورش الاصلاح والتغيير, واسناد هذه المهمة الى فريق حكومة التناوب ابى جلالة الملك الا ان يحتفظ بالوزارة المكلفة بحقوق الانسان, في تعبير جديد عن استمرار الارادة السياسية في هذا المجال. واعلن الوزير الاول عبدالرحمن اليوسفي باسم الحكومة في البرنامج الذي تقوم به امام البرلمان عن اولوية الانشغال بحقوق الانسان في حكومة التناوب, ووضعها في صدارة الاهتمامات, حتى اصبح هذا الاهتمام من العلامات المضيئة في عمل الحكومة. اليوم, ونحن نخلد الذكرى الخمسينية للاعلان العالمي لحقوق الانسان, يمكن ان نقول ان المغرب قطع اشواطا بعيدة في مجال حقوق الانسان وحقق مكتسبات كبيرة على صعيد الاصلاحات الدستورية العميقة والكبرى التي شهدها الدستور المغربي, الذي اصبحت ديباجته تكرس دستوريا تمسك المغرب بحقوق الانسان كما هو متعارف عليها دوليا, هذا التنصيص جاء في ديباجة دستور 1992 وتم الاحتفاظ به اثناء التعديل الدستوري لسنة 1992, وجاءت الاصلاحات التي عرفتها التشريعات القانونية المغربية بغرض ملاءمة النصوص مع هذا التكريس الدستوري ومع المواثيق والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها بلادنا. بموازاة ذلك, اتخذ المغرب عددا من المبادرات التاريخية من اهمها العفو الملكي الشامل لسنة 1994 والعفو الملكي الاخير (1998), ما خلق وضعية انفراج جديد بالبلاد. ان طبيعة التطور السياسي لمجتمعنا فرضت الحضور السياسي لحقوق الانسان على حساب حقوق اخرى, لاولوية هذه الحقوق, فقد كان الاهتمام بالحقوق السياسية اقوى بكثير من الاهتمام بالحقوق الاجتماعية او الاقتصادية وحتى بالحقوق الثقافية التي مازال الاهتمام بها جنينيا وهامشيا في مجتمعنا. هموم الهجرة اظهرت وزارة حقوق الانسان انشغالا بقضايا المهاجرين المغاربة تمثل بندوة (الهجرة وحقوق الانسان) التي عقدت قبل اسابيع بطنجة, ماهو الافق الذي اتاحته هذه الندوة للتعامل مع هذا الموضوع, سيما وان ثمة تجاوزات كثيرة يتعرض لها المغاربة في المهجر الاوروبي؟ ــ تقوم ثقافة حقوق الانسان على مفهومين اساسيين: المفهوم الاول.. عمومية هذه الحقوق وانسانيتها وطابعها العالمي والمفهوم الثاني: عدم قابلية هذه الحقوق للتجزئة والملاحظة الاساسية التي نسجلها حول الخمسينية الاولى للاعلان لحقوق الانسان ان المجتمع الانساني اعطى الاولوية للحقوق المدنية والسياسية على حساب الحقوق الاجتماعية والاقتصادية, فكان هناك اهتمام قوي حققت من خلاله الانسانية مكاسب عدة, لصالح الانتصار للحقوق المدنية والسياسية. ولكن وقع تهميش كبير ومقصود للحقوق الاجتماعية والاقتصادية ان كان داخل كل دولة او على الصعيد الانساني الدولي, في اطار هذه الملاحظة العامة, عانت حقوق العمال المهاجرين من وضعية التهميش الاعلامي والسياسي, ويعد نقاش طويل فاق عشر سنوات, دعت المعاينة المؤسفة للاوضاع المذكورة هيئة الامم المتحدة الى بلورة الاتفاقية الدولية لحماية العمال المهاجرين وعائلاتهم, والمصادقة عليها في 1990, ولكن لحد الآن لم توقع على هذه الاتفاقية أية دولة مصنعة, ولم تصادق عليها سوى بعض الدول من ضمنها المغرب, اي الدول المصدرة لليد العاملة. وجاء (اعلان طنجة) الذي توج المناظرة الدولية الاخيرة التي نظمناها حول الهجرة وحقوق الانسان, من اجل تحفيز الدول المصنعة, خصوصا الدول الاوروبية وامريكا التي تستقبل اليد العاملة, على التوقيع على تلك المعاهدة. تصاعد موجات العنصرية والاكتساح المتزايد لليمين المتطرف في القارة الاوروبية, أديا الى تعاظم الخروق التي يعاني منها المهاجرون, كما الاوضاع الاقتصادية في بلدان الجنوب واغراء الاضواء في اوروبا صعد من موجات الهجرة السرية, هذه المعطيات تزامنت وتداخلت, وجاءت في ظل عولمة زاحفة, ترفع شعار: حرية التنقل امام البضائع وامام الرساميل, وتسد كل الابواب, في ضوء سياسة امنية متشددة وتشديد منح التأشيرة, امام تنقل الانسان, وكان لابد من وقفة من اجل مساءلة اوروبا ــ اساسا ــ حول الاوضاع المرتبطة بالهجرة وحقوق الانسان في اماكن وجود العمال, وما تؤدي اليه من تجاوزات وخروق لحقوق اولئك العمال, وما تفرزه الهجرة غير القانونية من اوضاع وحرصنا على ان نثير الانتباه الى ان هذا المهاجر (قانونيا كان او غير قانوني وكيفما كان شكل وصوله الى دول الاستقبال), يظل انسانا, تفرض المواثيق الدولية ان يحترم وان تصان كرامته. وهذه البحيرة الصغيرة التي نوجد نحن على ضفافها: حوض البحر الابيض المتوسط, شهدت اكبر الهجرات في العالم, وادت الى التلاقح الحضاري والثقافي والتاريخي, من هنا لاينبغي ان نتصور ان هذا الفعل التاريخي سيتوقف, فليس باستطاعة التأشيرات والحدود الامنية وقف هذا الزحف, ذلك ان التفاعل الانساني سيستمر, ويجب ان نبلور الصيغ القانونية من اجل معالجته, وبما ان الاسلوب الامني اثبت محدوديته, فمن مسؤولية الدول المصنعة ان تساهم في تنمية المناطق التي تصدر الهجرة, فهذه هي السبيل الامثل لبقاء المهاجرين الشباب في بلدانهم. ورغم كل ما يحدث هنا او هناك, فليس ثمة مبرر للاستمرار في تلك المسؤوليات غير اللائقة في التعامل مع موضوع الهجرة, خصوصا وان العالم يصر على ان يجعل شعاره للخمسينية المقبلة هو حقوق الانسان. وزير حقوق الانسان محمد اوجار مرحلة التناقضات السياسية باتت من الماضي