مدرسة النهضة الابتدائية, تقع في بلدة صغيرة أو.. كانت صغيرة, هي.. (الصورية) التي تبعد حوالي 60 كيلو مترا عن بغداد.البناية مازالت نفس البناية, والاسم نفس الاسم, مع فارق مقاومة الزمن لها فهي من مواليد الأربعينات, وربما مثل ذلك , ويتذكرها التلاميذ الذين تعلموا فيها, ومنهم الآن من هو مهندس أو طبيب او حامل درجة بروفيسور او صحفي او (رحمه الله) .. وبعض الذين لم يتوفاهم الله برحمته مازالوا يتذكرونها جيدا ويزورونها ايضا, لكنها أصبحت (اصغر) في نظرهم.. ربما لأن خطواتهم الصغيرة انذاك كانت تعدها شاسعة الابعاد, ولكنهم كانوا (تلاميذ حقيقيين). حتى الذين يأتون من القرى والأرياف المحيطة كانوا يتميزون عن غيرهم بالاناقة النسبية.. هكذا وصفها لي الدكتور المهندس خالد السلطاني, وقال انه طراز فريد من فن العمارة, لأن باحتها المسقفة التي تنتظم حولها الصفوف وغرفة المدير والمعلمين, تنحني الى اعلى درجة بسيطة, او لم تكن لها اعمدة ساندة في الوسط.. وآنذاك لم تكن البلاد تعرف السنوات (الكونكريتية المسلحة) , بينما كانت حدائق المدرسة متعة للرائي, اضافة الى ساحة خلفها لممارسة شتى الفنون الرياضية التي اخذنا نسمع عن شيوعها مؤخرا. وانتقل السلطاني من مدرسة النهضة الى المدرسة المتوسطة الملاصقة لها ثم الثانوية.. وبعدها ـ فجأة ـ الى موسكو, ليعود استاذا في جامعة بغداد, ويستقر به المطاف في جامعة آل البيت في الاردن.. اما لماذا اقترب البدء بالنهضة.. فلغرض في نفس يعقوب لا يلبث ان ينجلى.. قصاصات معلم لنترك حديث الابواب والشبابيك والحيطان.. على أهميته, لانه يحمل مئات الالاف من الصور والحيوات التي سجلت مفاخر علمية وثقافية باهرة. لنترك هذا الحديث الآن, لأن الكلمة تنزف لمجرد الذكرى.. ولنقرأ في قصاصات المعلم جواد علي: (هل كنت مربيا فاضلا ام مربيا فاشلا.. ؟ لقد سمحت لولدي ان يترك الدراسة ليبيع اللبلبي والشلغم المسلوق في الشتاء والمرطبات في الصيف.. فكيف أحث التلاميذ على السعي والاجتهاد ومواصلة الدراسة؟ السيد جواد علي معلم منذ اكثر من عشرين سنة.. مثال في الامانة والنزاهة والاستقامة, ولدر رصيد ثقافي جيد, لكن بلا رصيد مالي, لذلك يخنقه (الحصار) بقسوة, وراتبه لا يكفيه لشراء سجائر.. التجأ الى تدخين (اللف) اولا, ثم اقلع عن التدخين (احدى حسنات الحصار).. اما زوجته وابنه وبناته الثلاث, فليس يشبعهم دخان السجائر, هكذا سمح التربوي الفاضل بتسرب ولده الوحيد من الدراسة لكي يعينه في تيسير امور البيت. جدوى.. ولا جدوى.. ان ايجاد عمل في البلدات الصغيرة اكثر صعوبة منه في العاصمة والمدن الكبيرة الاخرى.. ومع ضنك العيش, تقف عند بوابات المدارس, قبيل بدء الدوام او انتهائه, سيارات فارهة, تقل من هم (اكثر تفوقا). قال احد الصغار: انا آتي الى المدرسة (للونسة) واتغيب عندما اريد, فالمعلمون يأتون لي الى البيت وسواء فهمت ام لم افمهم فانني احصل على درجة كاملة..! هذا النموذج (لابن التاجر او الارستقراطي)موجود, ولكنه ليس هو الشائع, فهناك دورات تقوية رسمية للتلاميذ والطلاب, الا ان هذا النموذج مثال اخر للتسرب من الدراسة. * يقول والده: المهم ان يحصل على شهادة, فهي من سمات الوجاهة, واذا لم يحصل عليها فلا بأس لانه في كل الاحوال لا يحتاجها..! اما الصبي حيدر الصفار, الطالب في مدرسة (المجد العربي) فله وجهة نظر اخرى: مدرستنا تفتقر الى الابواب وزجاج النوافذ, والمقاعد في تناقض مستمر ومع ذلك نواصل الدراسة ونجتهد من اجل الدرجات الاعلى, بل نحن نداوم حتى في ايام القصف.. لماذا؟ وماذا تريد ان تصبح في المستقبل؟ مهندس كمبيوتر. العلم.. للعلم لم يستطع عبود الشايجي ان يحجب استغرابه عن اسئلتي حول جدوى استمرار ابنائه في الدراسة, وهو يتعب ويشقى ليل نهار من اجل ذلك.. قال: بعضهم يرون ان التعليم غير ذي جدوى, فالاميون هم اسياد الموقف (المالي) الآن, واصحاب الشهادات العليا يعملون مجرد صناع لديهم.. هذا صحيح, صحيح جدا, ولكنني اركز على كلمة (الآن).. فمن يدري ماذا سيكون المستقبل؟ ومع ذلك, وحتى لو لم يمارسوا اختصاصاتهم في القابل من الايام او السنوات, يكفيهم ويكفيني انهم يصبحون مثقفين. وقد تعلم عبود الشايجي هذا المنطق من رواد المقهى الذي يديره, ويقول: كان الطلاب والتلاميذ يتجمعون للقراءة والدراسة في المقهى حتى انتصاف الليل اما الآن فانحسرت اعداد الذين يترددون عليها لهذا الغرض. لماذا؟ معظم الطلاب يمارسون العمل (أي عمل) بعد الدوام الرسمي, فهم يتعبون ويشقون مثلنا.. اقول.. لو لم يكن بلدنا ذا جذور ثقافية عريقة لما وجدنا أحدا الآن في المدارس او المعاهد أو الكليات. للصبر حدود ووجدنا في ساحة الطيران اطفالا وفتيانا, تكسو الدهون ثيابهم وجلودهم. قال ميكانيكي السيارات مصطاف العزاوي, مشيرا الى احد الصغار في ورشته: هذا ولدي. لماذا ادعه يذهب الى المدرسة, ويعاني من حرارة الصيف وبرد الشتاء القارس في بناية مهترئة, يشتري تلاميذها حتى الطباشير من جيوبهم؟ انه يحصل في اليوم الواحد هنا على اكثر مما يحصل عليه المعلم في شهر. ولكن العلم هو المستقبل. مجرد نكتة..! ولدي الصغير هذا يفهم في ميكانيك السيارات اكثر مما يفهم خريج اعدادية الصناعة, او الكلية.. نحن هنا, وفي الشيخ عمر, نستطيع ان نصنع كل شيء يتعلق بالسيارات.. بل نصنع سيارات كاملة, فالخبرة العملية اكثر ربحية واكثر فائدة. * سيفتقر الى الثقافة العامة؟ ـ انه يعرف القراءة والكتابة.. وهذا يكفي, واذا اراد (ثقافة عامة) يمكنه الحصول عليها, فالكثير من مثقفينا ليسوا من اصحاب الشهادات.. نادرة (الشيخ عمر) من اجل ديمومة الحياة والماكينات, يحورون هنا كل شيء.. وروى لنا (الفيترجي) مصطاف العزاوي هذه النادرة باعتبارها (ثقافة). ـ احد عمالنا اراد ان يشترك كلبه الملطلخ بالدهون في مسابقة للكلاب في لندن, ولكنهم لم يسمحوا للكلب الوسخ بالمشاركة, فقام بتنظيفه, وتمشيطه وتزيينه وشراء شهادة صحية له.. وفي السباق بلغ كلب الشيخ عمر خط النهاية قبل ان تصل بقية الكلاب المعتنى بها منتصف الشوط.. وعندما سأله الصحفيون عن اصل وفصل هذا الكلب السريع أخبرهم بالحقيقة (انه كلب عادي شددت له محرك ثعلب).. وشارع الشيخ عمر مشهور الميكانيكيين المختصين بتصليح السيارات.. وهذا بعض ما يعلمه اباء لابنائهم, بأن الخبرة العملية هي الافضل, وهم موقنون في قرارة انفسهم المكان الطبيعي للطفل والفتى هو المدرسة وليس الطين والدهون, ولكن ـ كما يقال ـ (ضيق الحال يدفع الى المحال)..! مشاكل .. ومفارقات ولكون لغة الارقام موجعة ومفجعة وجامدة, فان التبسط هو البلاغة. * تقول الباحثة الاجتماعية سعاد عمار السبيتي: ـ المدرسة هي الحصار, او هي صورة من صور الحصار, وفيها كل المتناقضات والمفارقات التي افررزها ويفرزها الحصار ومنها: * النقص في مستلزمات الدراسة والتدريس يؤدي الى ضعف المستوى العلمي. * النقص في عدد المعلمين والمدرسين يربك العملية التربوية. * المشاكل الاقتصادية والعائلية تتسبب في تشتيت ذهن التلميذ والطالب والتدريس. * نقصان عدد المدارس, وجعلها ازدواجية او ثلاثية يقلل من عدد ومستوى الحصص. * الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي يجعل الدراسة بالغة الصعوبة, ويرهق الاعصاب. * التفاوت في مستويات الدخل يؤدي الى مناقشات غير مشروعة. * انعدام وسائط النقل عبء كبير. * وفي جانب آخر نجد ان دخل عاملة التنظيف التي تبيع بعض السجائر والعلكة واشياء اخرى ربما ؟؟؟ المفرد بينها ـ يبلغ عدة اضعاف راتب المعلم او المدرسة او حتى مديرة المدرسة. كل ذلك يجعل الدراسة والتدريس امرا بالغ الصعوبة والمشقة, حتى يمكن ان نسميه (عملا بطوليا). الريف.. والمدينة وأمام هذا السيل من المشاكل والمعوقات والمفارقات يطرح السيد حميد كريم عليوي مدير مدرسة ذياب في ناحية يثرب بمحافظة صلاح الدين قضايا اخرى.. فالبرد هناك في الريف اكثر قسوة, لا سيما في مدارس بلا ابواب او نوافذ, ويفترش التلاميذ الارض لعدم وجود (الرحلات), في حين يقطعون في الذهاب والاياب كليو مترات عدة, في طرق موحلة او متربة.. ولكنهم على أي حال يتعلمون, ولكنهم ايضا عندما توجد فرص عمل ينقطعون عن الدراسة لمساعدة أهلهم. النهضة ـ بحاجة الى نهضة وعندما عدنا الى مدرسة (النهضة).. أية موسيقى عذبة كانت لهذا الاسم او هذه الكلمة.. النهضة ولقد نضهت بأجيال لاجيال, ولكن حالها الآن كمن يحبو بعد ان كبا, ويتطوع اهالي البلدة لاعادة الحياة لرمزهم التربوي.. ولتلك الحدائق التي لا تزال مترامية الاطراف بالنسبة لخطوات التلاميذ الصغار, وهكذا شأن العديد من البلدات.. ولكنه الحصار.. ومشكلات الحصار اللعينة.. جعلت النهضة بحاجة الى نهضة.. والنهضة بحاجة الى محركات اقوى لكي تمنع تأخرها على الاقل. تلاميذ في مدرسة عراقية بلا امكانيات يتركون المدرسة ليساعدوا ذويهم بأجرة آخر النهار