لا ندري منذ كم من السنين.. ونحن العراقيين نعرف ما لم نتعلمه من احد.. نعرف ان للمتنبي سوقا أو لنقل شارعا.. يتزاحم فيه الباعة والمثقفون وتعلو فيه خردوات بيع الكتب.. ونؤكد اننا كنا نذهب للشراء لا للبيع.طارىء ما جعل المعادلة تنقلب.. فبات المثقفون يبيعون مكتباتهم وكتبهم .. ونجد على احد الارصفة بين اكوام الكتب المتناثرة نسخة من مخطوطة أو كتاب ما للأديب الفلاني أو الكاتب الفلاني.. ولا تفعل شيئا سوى ان تضرب كفا بكف وتدمدم.. (انه الحصار اللعين) . و(المتنبي) الذي عمدت امانة بغداد الى اغلاقه قبل ايام, له تاريخ طويل وحافل.. تجده في صدور وعقول الباعة المخضرمين اكثر مما تجده في بطون الكتب.. ذلك ان قصصا وحياة بأكملها.. تجري على ارصفة هذا السوق أو الشارع. الذي يكمل مجموعة المقاهي وديوان الحكومة القديم و(السراي القديم) والقشلة.. ويقال ان نوري السعيد رحمه الله كان يتمشى من سراي الحكومة على قدمين الى سوق السراي الملتصق بالمتنبي ليشتري الكتب من (أبو عوف) .. وأبو عوف احد اقدم الكتبيين في الشارع العتيق. سيرة ... وذكريات صور كثيرة تمر امامك.. فبين مشهد عربة الطحين التي مرت من أمام السوق وعلى ظهرها بدر شاكر السياب يقوده المخبر الى المخفر, وبين رجال امانة بغداد الذين راحوا يركلون الكتب بأقدامهم لاغلاق السوق.. صلة وقرابة.. ولا أدري مثلما لا يدري كثيرون ما هي اسباب العداء الازلي بين موظفي الحكومة في الامانة وبين الكتب.. لقد كان احدهم يتمتع بنثر الكتب وتشريد الباعة مثلما كان المخبر يستمتع وهو يقود الشاعر الكبير السياب الى المخفر.. والى نفس المخفر اقتاد رجال الامانة باعة الكتب (الرصيفيين) لدفع غرامات مخالفة لم يعلموا ما هي.. لكن القصة تتضح بعد ان يعودوا الى السوق ويلملموا اشلاء كتبهم.. انها حرب القرطاسية والكتب.. * ماذا تقول.. القرطاسية والكتب.. ما يعني ذلك؟ دهشة اعترتني وأنا استمع الى تمتمة عباس الكعبي او من يسمونه بــ (عباس فرنسي) .. ولا تندهشوا فهو ليس فرنسيا لكنه خريج كلية الآداب ــ اللغة الفرنسية ــ ولديه مكتبة وترجمات.. قال لي: ــ ان ما رأيته اليوم من اغلاق السوق له علاقة بــ (الأياغات) ــ ويعني طبعا المال ــ فتجار القرطاسية الذين زحفوا على السوق وراحوا ينافسون باعة الكتب أو الكتبيين يدفعون للامانة اكثر لأن تجارتهم رائجة اما تجارة الكتاب فباتت كاسدة, وهكذا تجد ان الاغلاق حركة استفزاز من اصحاب رؤوس الاموال. * عجبي.. هل نحن في ساحة الحرب؟ ــ نعم لا تتعجبي, فالسوق, أية سوق هي ساحة حرب. * قل لي يا عباس شيئا عن السوق, تاريخه مثلا؟ ــ كان السوق في الاساس عبارة عن شارع للمطابع والمكتبات, مثل مطبعة المعارف المعروفة, مطبعة المتنبي, مطبعة الزهراء وكان صحابها جعفر الخليلي, ثم اقفلت هذه المطابع لأسباب كثيرة فتحول السوق الى سوق لبيع الكتب, ويجاوره سوق السراجين (حيث تصنع سروج الخيل والاحذية والجلود). وسمي فيما بعد بسوق السراي لقربه من سراي الحكومة, ومنذ بداية التسعينات غزا باعة القرطاسية سوق المتنبي واشتعلت الحرب التي لم تنطفيء بعد. * لماذا هذه الحرب؟ ــ لأن اهل القرطاسية وهم يمثلون الجانب السيء في السوق, اغنياء وأغبياء ما عدا محمد الطريحي, وهذا هو سبب العداء التاريخي بين أهل القرطاسية وأهل الكتب, فالقرطاسيون دخلاء على السوق, وهم يدفعون جيدا لأمانة بغداد لتغلق سوق الكتب, وسوق الكتب الحقيقية ليست المكتبات وانما على الارصفة. المهدي المنتظر وقف الباعة يتبادلون النظرات وينتظرون ان يمر نهار الجمعة الاسود هذا وألا يعود اعداء السوق مرة اخرى, احدهم قال لي وهو يهمس.. ــ قد يظهر المهدي اخيرا. * قلت ماذا تعني! ــ قال.. ان هناك مفاوضات مع الشرطة والأمانة لاعادة فتح السوق, * ولماذا لا يفتحونه! ــ قال لي: انهم اعداء الثقافة.. هل رأيت يوما موظفا يقرأ.. ان احدهم يتذمر من قراءة ورقة أو كتاب رسمي أو مذكرة وظيفية. * قلت: اليوم جمعة, وهو فرصة لكم لتذهبوا للجامعة او تعودا الى بيوتكم للراحة مثلا. قال باستنكار: ونفوت علينا مزاد ابو ربيع..؟ رمقني كأنني جرثومة يخشى ان تصيبه ويريد ان يقضي عليها, أوشك ان يطردني لولا ان هناك من صرخ.. افتحوا.. وفتح السوق مرة اخرى.. تجمع كثيرون حول ابوربيع.. وأبو ربيع او الشطري صاحب اشهر مزاد لبيع الكتب في السوق, صوته العالي الجهوري يأسرك منذ بداية الشارع فلا تقاوم انقيادك اليه, يبدأ ابوربيع منذ الساعة العاشرة صباح كل جمعة وقد ينتهي في الواحدة ظهرا, وأبو ربيع باع لمعظم الادباء مكتباتهم وكتبهم التي اسعفت ضائقة الحال أو ضيق ذات اليد. فالمثقفون بعد ان كانوا رواد شراء صاروا ضحايا ثقافاتهم وكتبهم. على الارض افترش مهندس بسطة وأمامه معروضاته المكتبية, لم اعرف انه مهندس لكن مضيفي عباس فرنسي قال لي انه مهندس وترك مهنته ليبيع الكتب. ورفض ان يخبرني باسمه لكنه قال: ــ بدأ الامر حين احسست بحاجتي للمال.. فالحصار لم يبق لدينا اية مدخرات, جئت لأبيع كتبي الى هذا السوق, دخلت, اندهشت فيه, اخذني أو لنقل شدهني ومن يومها لم اخرج منه. يقول عباس: في بداية التسعينات بدأت حركة احياء السوق, نشطت حركة البيع فيه ودخلت وجوه جديدة, حتى القراءة انطلقت من هذا السوق متخذة مسارا آخر في هذه الفترة اي منذ بدء الحصار. * سألته ماذا تعني بأن القراءة اتخذت مسارا آخر؟ ــ قال لي: لقد تخلى جمهور القراء عن الكثير من الكتاب الذين كنا نقرأ لهم, وبرزت حركتان عجيبتان: فاما الاولى فهي حركة استطيع ان اسميها بحركة المحافظين وهؤلاء يمثلهم رجال الدين والمؤمنون بالغيبيات والسحر والكتب الدينية, واما الثانية فتمثل مريدي كتب نزار قباني وغادة السمان وغيرهما مما يخاطب العاطفة, لقد شهد المتنبي اعلان موت سارتر وبعض الكتاب لأن احدا لم يعد يسأل عن كتبهم. * أي كتب رائجة اليوم؟ ــ بالدرجة الأولى وعلى رأس القائمة كتب الدكتور علي الوردي وهي تباع بأغلى الاثمان وأهمها (تاريخ العراق), وبالدرجة الثانية كتب عن تاريخ العراق غير كتب الوردي والكتب الدينية. وعلي الوردي توفي بصمت, نعته صحف واذاعات, لكنه رحل, انه اشهر مفكر عراقي ومتخصص في علم الاجتماع. كتب عنه جاك مونتان, وسلامة موسى في (مقالات ممنوعة) واعتبره موسى مفكرا تقدميا وهو يعد مدرسة في علم الاجتماع, كان الوردي رحمه الله رجل صدق, يقول كلمته ويمضي في مجتمع يفتقد الصدق, وأقصد المجتمع العالمي, وكان الوردي يحصل على عداء جميع الاطراف (المضادة) هو مكروه لديهم لأنه كان ينتقدهم, حلمه كان مجتمعا ديمقراطيا وهو أول من تنبأ بأن المجتمع العراقي سيواجه انهيارا اخلاقيا, ومن اشهر كتبه كتاب (وعاظ السلاطين) الذي اثار جدلا كثيرا منهم من هاجمه ومنهم من جادله ومنهم من عاداه ولكنهم جميعا اجمعوا على انه افضل مفكر وكتابه هذا هو الاشهر. المتنبي ... والنهر ما علاقتهما معا, كانت المراكز الحكومية وقصور الباشوات تقام على النهر ويجد المرء ان سراي الحكومة كان على النهر وربما نشأ سوق المتنبي صدفة قرب السراي, المنطقة كلها تزخر بالمراكز الادبية والحكومية والأثرية, وربما يعترض احد على ان المقاهي: حسن عجمي, البرلمان, الزهاوي, هي مقاه لشرب الشاي ولعب الطاولة والزهر لكن أحدا لا يستطيع ان ينفي أو ينكر ان هذه المقاهي شهدت فورات ادبية وثورات سياسية, كان الزهاوي يرتكن زاويته في مقهى الزهاوي وحوله مريدوه وتلاميذه وأصحابه بينما تجد الرصافي في البرلمان أو حسن عجمي والزهاوي او السياب, ازمنة تتقاطر وتطرق اوعية الشاي مثل ملعقة صغيرة تخلط السكر بالشاي, وتخلط الماضي بالحاضر, المتنبي اذن مركز ثقافي مهم, أليس كذلك يا عباس! ــ قال لي عباس: كان المتنبي ملتقى الادباء والمثقفين وحتى هذه اللحظة هو متنفسهم الوحيد. * حدثني عن بيع الكتب؟ ــ ظاهرة بيع المثقفين لكتبهم بدأت مع ظرف الحصار, فقد قل الاستيراد وضاقت المعيشة بالمثقف فباع مكتبته أو كتبه, لقد بيعت مكتبات شخصية كاملة ولا أريد ان اذكر اسماء لأن ذكرها يؤلم من قبل, كان العراقي يشتري ولا يبيع اما الآن فقد اصبحت الكتب حاجة كمالية, اصبح الناس لايبحثون عن المضمون بل عن الشكل, انتشر الكمبيوتر في الشارع, ومكاتب الكمبيوتر قضت على الطبع اليدوي, وكانت مظاهر زحف القرطاسية الفظيع, انا امثلهم بالارض والحذاء. * كيف؟ ــ نعم نحن السماء نحن الفكر انها رموز الم تسمعي برمز القبعة والحذاء؟ القبعة تمثل الفكر والحذاء يمثل الالتصاق بالارض, ان بائعي الكتب اغلبهم مثقفون اما الباقين فأشبه بالبقالين رغم ان بعضا منهم بدأ يتثقف فقد املت عليه المهنة القراءة. * كيف تفسر ازدياد الطلب على كتب الدين او التاريخ؟ ــ عندماتظهر الازمة او الازمات يبدأ الفرد بالبحث عن ذاته, فالانسان العراقي اليوم حائر يبحث عن ذاته, وأنا اشبهه بما ظهر في العصر الفيكتوري, مثلا الشاعر الباحث يجد نفسه في الدين وهو اشبه بالضائع, ولا استطيع ان اجزم انه يجد نفسه فعلا في كتب الدين لكنني متأكد من انه يبحث عن نفسه هناك, لأن الدين يمثل حالة من الاستقرار, فالفكر الديني ثابت اضافة الى ان الكتب الدينية لا تحتاج الى ثقافة ولذا يقرأها الانسان البسيط مثلما يقرأها المفكر مع اختلاف الرؤية. وهذه الكتب تضرب على وتر الانسان الحساس الآن, رغم ان هناك من هو ضد الكتب الدينية, وأشير الى ان كتب الشعوذة اصبحت اغلى من الكتب الدينية, وتجدين ان (شمس المعارف الكبرى) مثلا وهو كتاب في السحر اصبح يباع بــ 25 الف دينار, لقد ماتت الافكار العظيمة, تلاشت امام تيارات التهميش وانتهت الفلسفة, الانسان اليوم يعيش في عالم فردي, يعيش لذاته لا للآخرين, لا علاقة له بالمجموعة, فقد بدأ يترك الافكار ويتشبث بالأحاسيس التي كانت توسم بها المرأة, لقد اخذ الرجال على المرأة دائما احاسيسها وعدت نقطة ضعف لها اما اليوم فإن الرجال والنساء يتساوون في هذا الضعف. * أرى ان السوق اصبح مقياسا للحياة؟ ــ انه كذلك, فما عادت المقاهي مكانا يرتاده الادباء والمثقفون, فحسن عجمي اصبحت قهوة للمفلسين, الادباء المفلسون يرتادونها للاستدانة, والسوق صارت تضم كل الفئات, الطلبة يرتادون وذروة مشترياتهم بين الشهر العاشر والحادي عشر, ثم النساء والنشالين. * قلت النشالين...؟ ــ نعم. انهم يبحثون في العادة عن التجمعات والسوق يشهد تجمعات كثير ة خصوصا يوم الجمعة, وسأحدثك عما هو غريب, أو قد تعتقدينه غريبا, ان الاجانب مراسلون, شخصيات ممن يزورون العراق, يكون المتنبي احد اهدافهم, انهم يأتون الينا يسألون عن الشطري, والفلفلي يشترون كتبا عن تاريخ العراق, وهم بالتالي صيد مهم للنشالين. * عم يبحث الاجانب ايضا؟ ــ الانتيكات, الرسوم, اللوحات, كتب الاستشراق, اما العرب فقليلون ولا يهمهم التاريخ العراقي او العربي, تصوري انك اذا تحدثت الى اجنبي عن تاريخه لا يعرف ماذا يجيبك, وقد يكون جاهلا به لكنه يعرف عن تاريخك وتاريخي اكثر منا. * ماذا تعتقد السبب؟ ــ التخصص, انهم متخصصون, فالمتخصص بالكمبيوتر مثلا يهتم بحقله ولا يعود يبحث في علوم اخرى, اي انهم ليسوا موسوعيين, لقد سألت احدهم مرة عن (المس بيل) وهي من هي ذات الدور المهم في استقلال العراق, لم يعرفها, لا ادري لماذا نقلل نحن من اهمية انفسنا امامهم, نحن حضاريا افضل منهم رغم تقدمهم التقني, وفكريا ايضا نحن افضل منهم بكثير, واتحدى اي شخص منهم يستطيع او يتمكن من الصمود فكريا أو ثقافيا امام اصغر بائع في شارع المتنبي. شارع الثقافة العراقي شارع المتنبي, رمز اليه الادباء والمثقفون بأنه يمثل الثقافة العراقية وأعطوه أثمن أوقاتهم, لقد قال لي الشاعر ليث الصندوق انه ذات مرة عندما عاد من جبهة القتال لزيارة اسرته, اتجه قبل بيته للمتنبي يشم رائحة الكتب وينغمس بين امواج السابلة ليقضي نهاره دون ان ينتبه الى ان أهله بانتظاره, شهد هذا السوق رواج الكتب عندما كانت عجلات المطابع تدور, وبقي المثقف حينها اقوى من العملة والسوق, واليوم يشعر المثقف انه اصغر من التاجر, وربما لأول مرة ترفع المادة سيفها بوجه المثقف, لقد شاهدت اساتذة جامعات يبيعون بدلاتهم في سوق (الهرج) لا كتبهم فقط, والمشكلة ان في السوق من يقول لك ان هذا ابن فلان ويعدد الانساب, هؤلاء هم النسابة, اي الذين يعرفون في الانساب, اشهرهم ابو فاروق وابو عمار, وعندما تسألهم عن الفرد العراقي يقول لك احدهم: ــ عاد الفرد العراقي يبحث في العشائريات, لقد انمسحت شخصيته وانتمى لمجتمع قطيعي (نسبة للقطيع) انه منتم بالضرورة وليس بارادته احساسه بالغربة والاغتراب, حتى الطفل يحس بأنه لا ينتمي لعالمه, تجد عنده الرغبة في الانتقام, والانفعال حتى سعادته بدت مغتربة. أوشك العصر ان يرحل تاركا لخيوط الظلال ان تنسدل, ووسط سيل من البشر يموج كموج المياه, متلاطم, متناقض, يجري الى مستقر, يصب في دجلة بانسانية عجيبة, لكأن المتنبي رافد نهري, حتى شكله المقوس يوحي لك بأنه نهر, وسط سيل الامواج المتلاطم وخفوت الاصوات والمارة, تركته وانسللت مع امواجه الى مستقري وخلفي, المتنبي, نهر من التاريخ, الدموع, والأحلام المعبأة في زجاجات الحبر الاسود أو أوراق الماضي, لو كان رجلا لما تركته, لكنه سوق.