قبل حوالي عشرين عاما شاركت بصفتي وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في اتخاذ القرار بقطع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وايران, وقد كان قرارا صعبا ومؤلما اتخذ ردا على مهاجمة سفارتنا في طهران واحتجاز دبلوماسيينا كرهائن , وبعد بضعة شهور قررت الاستقالة من منصبي على اثر اقتراح مهمة لانقاذ الرهائن, آملا ان يحدث ذلك تغييرا في السياسة المتبعة ازاء أزمة الرهائن. وفي السنوات اللاحقة كنت أراقب الأحداث وأحس دائما الاحباط والحزن عندما أرى ان العلاقات بين البلدين كانت تزداد عدائية حتى وصلت إلى حد تبادل الاتهامات والشتائم, ويبدو ان طهران لم تكن راغبة بأن تضع جانبا غضبها ازاء الدور الذي لعبته امريكا في انقلاب 1953 الذي تمخض عن اسقاط حكومة مصدق واعادة الشاه إلى السلطة, ومن جانبها فإن واشنطن لم تستطع بعد ان تتفهم جملة المعادلات التي يفرضها الواقع الجديد في ايران ما بعد الثورة. وقد كان ثمن المأزق المحرج الذي اعقب قطع العلاقات بين البلدين باهظا جدا, كنا دائما نقف ضد ايران طوال فترة حربها المدمرة مع العراق, وفي عام 1987 أسقط سلاح البحرية الأمريكية بطريق الخطأ طائرة مدنية ايرانية متسببا في خسائر فادحة في الأرواح. قمنا بتجميد أرصدة ايران وفرضنا عليها المزيد من العقوبات الاقتصادية القاسية ومنعنا رجال الأعمال الأمريكيين من القيام بأية صفقات أو استثمارات في ايران, كما وحاولنا تقليص حجم المداولات التجارية بين ايران والدول الأخرى. ان الحكومات الأمريكية المتوالية لم تتخذ هذه الاجراءات من فراغ أو عن سوء نية, اذ ان قراراتها كانت عبارة عن ردود أفعال ازاء التهديدات التي تمثلها ايران أو أعمال العنف التي ارتكبت باسمها, ولكنني اليوم اتطلع إلى المستقبل, وليس إلى الماضي, أريد ان أبين بعض الأفكار التي يتبناها الكثيرون في الولايات المتحدة وايران, ولكن لم يتح لها فرصة الظهور بشكل رسمي وذلك بسبب انعدام الثقة الذي يسيطر على أجواء العلاقات بين البلدين منذ سنوات. أعتقد انه آن الأوان ليستأنف البلدان العلاقات الدبلوماسية بينهما, وقد منح الرئيس خاتمي كلا من البلدين فرصة لتهدئة الجو المتوتر والعمل على تطوير العلاقات التي يسودها الفتور. وحالما يتم استئناف العلاقات الدبلوماسية حتى ولو كانت على نطاق أقل من مستوى تبادل السفراء, يمكن البدء بتبادل الخطابات حول قضايا عديدة, من بينها المخاوف التي تثيرها أمريكا حول الارهاب, ومسار عملية السلام ومواضع أخرى لها علاقة بأسلحة الدمار الشامل, وبذلك يمكن أيضا استئناف العلاقات التجارية بين البلدين في جو من الاحترام المتبادل والنوايا الحسنة. هذا النموذج من العلاقات لا يعتبر طبيعيا حسب العرف الدولي ولكنه كان يعد أمرا طبيعيا في العلاقات الأمريكية الايرانية خلال العقدين المنصرمين, فانعدام العلاقات الدبلوماسية يعتبر أمرا غير عادي وشاذ عن القاعدة بين الدول المتصارعة حتى أثناء الحروب. ولذلك فإن اقتراحي استئناف العلاقات الدبلوماسية ليس بالضرورة علاقات ودية, ولكن على الأقل علاقات دبلوماسية يعتبر توجها منطقيا ومباشرا وبعيدا عن التعقيد. وتنفيذ هذا الاقتراح الذي يصب في مصلحة كل من الشعبين, سيتطلب ارادة سياسية وجوا من الثقة وحسن النوايا واعتقد ان شعوب بلدينا العظيمين قادرة على مواجهة هذا التحدي, وأنا أناشد كلا من كلينتون والقائد الأعلى خامنئي وبقية القادة من كلا الجانبين ان يباشروا بأسرع ما يمكن باستئناف العلاقات الدبلوماسية. هنا في الولايات المتحدة انتقلت الراية من جيلي إلى جيل جديد من القادة, لذلك يتوجب علينا ان نذكرهم بالأهمية الاستراتيجية الكبيرة التي تتمتع بها ايران داخل وخارج المنطقة, وباسهاماتها الكبيرة في بناء الحضارة وحيوية ارثها الثقافي والديني وامكانياتها الاقتصادية الهائلة, وروح الكرم التي يتمتع بها شعبها. خلال العشرين سنة الماضية اتخذ نحو مليون ايراني من الولايات المتحدة موطنا لهم وابلوا بلاء حسنا في جميع مناحي ومجالات الحياة ولذلك يمكن اعتبارهم جسور اتصال طبيعية بين الشعبين الأمريكي والايراني. وتمر ايران بمرحلة انتقالية وقد ولد أكثر من نصف مواطنيها بعد تأزم علاقتها مع الولايات المتحدة وهم يطالبون بفرصة الاندماج الكامل مع المجتمع الدولي وبدأت أصداء مثل هذه الأصوات تصل بشكل متزايد إلى السلطات في طهران. وأشارت الحكومة الايرانية إلى أنها سترحب بأي مشاريع تجارية أمريكية وخصوصا في مجال النفط, ومن جانبهم ناشد رجال الأعمال الأمريكيون الادارة في واشنطن ان تسمح لهم بالدخول في صفقات واستثمارات تجارية مع ايران, أضف إلى ذلك ان البلدين تجمعهما اهتمامات مشتركة في مجال مكافحة المخدرات والمخاوف التي تثيرها حالة الاضطراب في افغانستان والعراق ومصلحتهما المشتركة في الحفاظ على الأمن والاستقرار في دول آسيا الوسطى. وباختصار لقد حان الوقت كي يستفيد المواطنون الأمريكيون والايرانيون من طاقاتهم الفكرية ونواياهم الطيبة في تعزيز العلاقات بين البلدين, الأمر الذي من شأنه ان يصب في مصلحة الطرفين في مجال الأمن والاستقرار ويعزز قدرتنا كأمريكيين على مواجهة تحديات القرن الجديد. خدمة (لوس أنجلوس تايمز) ــ خاص لـ (البيان) وزير الخارجية الأمريكي الأسبق