يظل الدكتور حسين سليمان ابوصالح الذي تقلد حقائب الخارجية والاعلام والصحة في (حكومات) العهد الديمقراطي الاخير وفي الحكومة الحالية, محورا ومثالا لانعكاسات وتقلبات الاوضاع السياسية في السودان , ويعد الرجل الستيني الملتحي احد اكفأ الاطباء الاختصاصيين في جراحات المخ والاعصاب وربما انعكس ذلك في طبعه الذي يكتسيه هدوء غير عادي, وانطواء يدفعه إلى الهروب بعيدا عن الاضواء التي لا تنفك تلاحقه. كان ابوصالح احد قادة الانتفاضة الشعبية الشهيرة التي اندلعت في 6 ابريل ,1985 واطاحت بحكم الرئيس الاسبق جعفر نميري وتولى حقيبة وزارة الصحة في الفترة الانتقالية التي اعقبت الانتفاضة قبل ان يتولى حقيبة الاعلام, ثم وزارة الخارجية في فترة العهد الديمقراطي الذي اعقب الفترة الانتقالية. وعندما قاد الرئيس الحالي عمر البشير انقلابه الذي اطاح به العهد الديمقراطي عام 1989 كان ابوصالح قد حزم اغراضه في حقيبة صغيرة وقابعا امام منزله في انتظار اعتقاله وهو ما تم بالفعل حيث اودع السجن مع كافة السياسيين والمسؤولين من كل الاتجاهات السياسية, لكن الرجل الذي يعد احد مستشاري زعيم الاتحادي الديمقراطي (المعارض الان) محمد عثمان الميرغني تم تعيينه بعد اشهر من انقلاب البشير وزيرا للخارجية بينما كان الميرغني قابعا خلف اسوار السجن! لم يدم ابوصالح طويلا في هذا المنصب وانزوى مكتفيا بعضويته في المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) وطل للساحة السياسية مجددا عبر حملة قادها لتحقيق الوفاق بين الحكومة والمعارضة لكن الطرفين لم يغفرا له على ما يبدو محاولاته لـ (خلط الاوراق) , اذ قطع الحزب الاتحادي الديمقراطي (المعارض) علاقته به وتوترت علاقته بالحزب الحاكم فأعلن انسلاخه منه ومضى اكثر وفاجأ الساحة السياسية بالاعلان عن تشكيله حزبا جديدا يروج (لوحدة وادي النيل) ما يعني اندماجا بين مصر والسودان. وفي الحوار المطول الذي اجرته معه (البيان) يلقي ابوصالح اضواء ساطعة على الكثير من المحطات المثيرة التي تجاوزها خلال ترحاله المرهق ويكشف لأول مرة انه لم يقدم استقالته من منصب وزير الخارجية, كما اعلن في وقته من قبل الحكومة الحالية انما تمت اقالته لانه رفض سياسة (مشاكسة مصر) التي اتبعها النظام الحالي كما يقول. وإلى نص الحوار: تجربتي مع الانقاذ كنت احد قادة انتفاضة ابريل وتقلدت منصبا وزاريا في حكومتها ورغم انك احد كبار مستشاري محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي وعضو قيادي في هذا الحزب اصبحت وزيرا في حكومة تدعمها الجبهة الاسلامية وعضوا في اجهزتنا السياسية على اعلى المستويات فما هي ملابسات هذه التركيبة؟ ـ أولا انا دخلت الى حكومة الانتفاضة من خلال عملي ومعاهداتي النقابية ومن ثم دخلت الجمعية التأسيسية بعد ان حصلت على اكثر من ثلاثين الف صوت وهي من اعلى نسب الاصوات التي حصل عليها المرشحون في تلك الانتخابات وشاركت في الحزب الاتحادي الديمقراطي, وبعد قيام الانقاذ اخرت المشاركة فيها وجئتها بعد ان تقلدت من المناصب الوزارية حتى وصلت الى نائب رئيس مجلس الوزراء مما ينفي تماما انني شاركت في الانقاذ من منطلق رغبة في السلطة وانما مشاركتي فيها كانت بدافع العمل من اجل لم الشمل وتوحيد الصف السوداني وكنت اعتقد ان الانقاذ ستعمل من اجل مشاركة الجميع فيها والشاهد انني ظللت ادعو الى الوحدة والوفاق الوطني وتحقيق السلام وانا أول من دعا الى ضرورة, احداث توازن سياسي بين كل القوى السياسية داخل الانقاذ ومازلت ادعو الى مبادئ الوفاق والوحدة والسلام. عملت مع الانقاذ في وقت كانت كل القوى السياسية متحفظة على العمل معها وحدث ما كان يتوقعه الكثيرون, بخروجك دون ان يحدث التغيير الذي كنت تحلم به؟ ـ تقييم تجربتي مع الانقاذ يحتاج الى كتاب كامل والحديث عنها يطول لذلك لا أود ان اخوض فيها الآن. لهذا اقالوني ماذا عن استقالتك من وزارة الخارجية والتي اثير حولها الكثير من الحديث؟ ــ يمكنك ان تكتب ولأول مرة انني غير راض عن الكيفية التي تم بها اعفائي من منصب وزير الخارجية ولم اكن سعيدا بها لأنها تمت بشكل (غريب) وذلك بعد ان ارسلت خطابا للفريق البشير رئيس الجمهورية اتحفظ فيه على توصيات اللجنة التي تم تشكيلها آنذاك لتقييم سير العلاقات المصرية السودانية وكانت اللجنة قد رأت الاستمرار في (المشاكسة) مع المصريين بينما كنت ارى ضرورة ان نصلح الحال بين الطرفين وننتقل بها الى مرحلة التحالف وهذا ليس رأيي وحدي وانما هو رأي كل السفراء في وزارة الخارجية والذين اعتدت ان استمع لرأيهم, وبعد ان اقتنع بوجهة نظرهم اتبناها كوزير وكان رأي كل سفرائنا في اوروبا والدول العربية ان المفتاح لاصلاح علاقتنا بالدول الاخرى هو اصلاح علاقتنا بمصر.. قمت بتحرير ذلك الخطاب لرئيس الجمهورية موضحا وجهة نظري هذه في شأن العلاقات المصرية السودانية ولكن كان رأيهم ان يتبنوا خطة اللجنة وبينما وانا في المجلس الوطني احضر اجتماعا تم اخطاري باعفائي من منصب وزير الخارجية. ولكنك عدت وعملت في المؤتمر الوطني؟ ــ بعد وزارة الخارجية ابتعدت تماما عن العمل السياسي ولمدة عام كامل كنت صامتا وحدث خلال تلك الفترة الاستقطاب الحاد بين المعارضة والحكومة وبدأ ابناء السودان في الاحتراب, واسسنا الهيئة الشعبية للحوار الوطني وعملنا الى طرح مبادرة الهيئة وتعثرت المبادرة لعدم التجاوب معها من الطرفين وشاركت في تلك الفترة في عدد من مبادرات الحوار الوطني مثل مبادرة فتح الرحمن البشير وعندما تم اختياري في هيئة شورى المؤتمر الوطني عن طريق الاستكمال لم ارفض لأني اعتبرتها منبرا يمكنه ان اوصل به آرائي ولم يكن هناك اتصالات خلال تلك الفترة مع أي جهة من الجهات وفي اجتماع هيئة الشورى الاخير تم انتخابي للمجلس القيادي للحزب الحاكم علما بانني لم احضر هذه الانتخابات والمجلس القيادي معلوم انه لم يعقد اجتماعا واحدا حتى الان. اسباب الانسلاخ ماهي الاسباب التي دعتك الى الانسلاخ من المؤتمر الوطني مؤخرا؟ ــ في العاشر من ديسمبر 1998م انعقد اجتماع هام جدا لهيئة شورى المؤتمر الوطني وتميز هذا الاجتماع بأنه حاول أحداث تعديلات في النظام الاساسي للمؤتمر وكانت المجموعة التي عرفت فيما بعد بمجموعة (العشرة) قد طالبت باصلاحات جوهرية في هياكل المؤتمر ووجدت مقترحاتهم هذه قبولاً كبيراً داخل هيئة الشورى وما طالبوا به وجد هذا التأيد لأنه كان منطقيا وتمثل في الدعوة الى العمل المؤسسي وتفعيل الشورى وتصحيح الوضع الشاذ الذي كان فيه رئيس المؤتمر (الفريق البشير) بعيدا عن المكتب القيادي الذي يعتبر المكتب السياسي للحزب الحاكم والذي مناط به البت في القضايا المهمة .. تمت الموافقة على هذه المقترحات وقام بموجبها مكتب جديد له المقدرة على الاجتماع يومياً وفي مدة أقصاها أسبوعان واختير له ثلاثون شخصا ولكن منذ تكريس هذا المكتب لم يعمل ولم يعقد اجتماعا واحدا حتى الآن قد يقال ان التأخير ناجم عن انتظار اكمال تسجيل المؤتمر كحزب, ولكن حقيقة الأمر ان بداية يناير وبداية تسجيل الأحزاب أظهرت ان الأهداف العليا للمؤتمر قد تبدلت فبدلا أن يكون المؤتمر الوطني كيانا للسودانيين جميعاً وأن يحيط بشؤون الحياة جميعها سياسية كانت أو اجتماعية وأن يعمل على تحقيق الوفاق الوطني بدلاً أن يتم ذلك تفاقم الأمر وصار المؤتمر الوطني في جانب والمعارضة في الجانب الآخر, تميزت المعارضة في موقفها الرافض للدستور والقانون وزد على ذلك بدأت مجموعة من المؤتمر الوطني تعمل بمفردها ودون مشورة أحد بمعنى أنه لم يتم أي نوع من المؤسسية في العمل ولا القيادة الجماعية التي تحدث عنها اجتماع هيئة الشورى بل أصبحت الوفود ترسل الى الخارج دون استشارة المؤتمر وتتخدث باسمه وتفاوض باسمه وهناك بعض الشخصيات ترفض مبادرات الحوار الخارجية مصرية كانت أو ليبية بأسم المؤتمر دون أن يكون هناك اجتماع واحد للجهاز القيادي ليضع رأياً موحداً في مثل هذه القضايا الحيوية والهامة وليس هذا فقط, بل أخذت هذه المجموعة في التحدث باسم المؤتمر دون تفويض من المكتب القيادي والمكتب القيادي مشلول تماماً حتى اليوم, زد على ذلك خروج قطاعات هامة من المؤتمر الوطني مثل الحزب القومي بقيادة الاب فليس عياش غبوش وقطاع من الجنوبيين بقيادة رياك مشار (حاكم الجنوب) وقطعاً كل هذا يصب في أضعاف المؤتمر الوطني ولكن المكتب القيادي مشلول تماما ولم يعقد اجتماعا لمناقشة هذا الأمر وهناك أمور أخرى لا أريد الخوض فيها مثل تكوين المجالس القيادية من ناحية توازن القوى السياسية داخله, كذلك خلال هذه الفترة القصيرة كان واضحا ان التوجه هو الاستمرار مع (الايجاد) وأنا أرى ان (الايجاد) عبارة عن (شرك) لأن معظم دول هذه المنظومة الآن في حالة حرب مع السودان ولا يستقيم عقلاً أن تكون مسؤولة عن ملف تحقيق السلام وفي ذات الوقت المجموعة التي تسمى أصدقاء لـ (ايجاد) هي المجموعة التي تؤجج نيران الحرب وتدعم التمرد وأمريكا هي التي تدعم دول الجوار وهم بدورهم يدعمون التمرد فكيف يستقيم أن يكون هؤلاء هم رسل السلام والمسؤولون عن السلام في السودان. وإذا نظرنا الى دخول (الايجاد) في قضية الجنوب نجده كان تفكيرا خاطئاً وغير مدروس والآن وصل الى ما وصل اليه من تدويل للقضية وتدخل سافر في الشأن السوداني. زد على ذلك الابتعاد عن الدول العربية دون مبرر مقنع بما فيها تصريحات البشير الأخيرة بعسلايه والتي كانت محبطة للغاية كل هذا كان كافيا لأن أصل الى قناعة بضرورة الاستقالة من المؤتمر الوطني. فلننتقل الى نقطة أخرى وهي ما ترتب على قانون التوالي السياسي من انشقاقات في الكيانات السياسية العريقة الا ترى انه يدعم وجهة النظر القائلة ان الحكومة تسعى من خلاله لتفتيت هذه الكيانات؟! تحفظات على التوالي ــ لدي تحفظاتي على قانون التوالي السياسي ذكرتها من قبل وقلت فيها أرجو ألا يكون هذا القانون القصد منه ايذاء الأحزاب الكبيرة لأنه يعطي الحق في الاسم لمن يصل المسجد أولاً ونحن نعلم ان هناك من يرفضون القانون ويمكن ان تسبقهم أي مجموعة أخرى وتستولي على الاسم ويكون بذلك قد حدث عزل الاسم هذه اذا ما أخذت مع حق كل مائة فرد في تشكيل تنظيم سياسي .. والى جانب تحفظاتي السابقة ظهرت ملاحظات اخرى منها ان اعطاء التنظيمات الاجتماعية والثقافية حق الحديث في السياسة مع حرمان المستقلين من خوض الانتخابات ما لم ينضموا الى احزاب بالرغم من كل هذه التحفظات مازلت ارجو ان يشارك الجميع وبعدها يمكن ان يعدلوا ما يشاؤون سواء كان ذلك في الدستور او القانون وخاصة ان الدستور يدعو الى الوفاق والحرية السياسية وهذا يوجب على الحكومة دعوة المعارضة للجلوس والتحاور والوصول الى حل سياسي. اما فيما يتعلق بتفتيت الكيانات اقول انه اذا كان الكيان قوياً ومتماسكاً سيظل كذلك اذا وجد قانون او لم يوجد ولا يمكن ان يتم تفتيت كيان بكلمة او بقانون سواء كان القانون فاعلاً او غير فاعل الا اذا كانت هذه الكيانات فقدت قواعدها واصبحت هشة ماذا يمنع حزب الامة من ان يستفيد من تسجيل النور جادين وماذا يمنع الاتحادي الاستفادة من تسجيل الشريف الهندي ويقوما بعقد مؤتمراتهما في كافة القرى والمدن ويطرحا رؤاهم السياسية ولتكن هي معارضة كل ما هو موجود على الساحة السياسية الآن سواء كان ذلك قانون التوالي السياسي او الدستور وتكون معارضتهم هذه من منطلق قانوني واقول ان الذي حدث يعتبر دلالة على ان القناعة بالقديم لدى الشباب قد اهتزت والسودان الآن في معظمه يقدم على الشباب وهم الآن يبحثون عن البديل لان القوى التقليدية اصبحت لا تلبي طموحاتهم والعالم اليوم عالم متطور جداً والتكنولوجيا فيه عالية والمعلومة والعلم هما السلاح فلا يوجد تقدم او تطور او حياة الا بالعلم والمعلومة, هذا الجيل يمكن ان نسميه جيل المعلومات جيل يريد نظاماً جديداً وطرحاً جديداً لكن ما يبقي على مكتسباته وحياته وتطوره ورفاهيته فما عدت النظم والاساليب القديمة صالحة بالنسبة له هذه المفاهيم لا بد من ان تؤدي الى ظهور قوى سياسية جديدة تستطيع ان تواكب هذا الجديد. هل ما قلته ينطبق على الحزب الاتحادي الديمقراطي والذي كنت يوماً ما عضواً قيادياً فيه وكيف تنظر الى تلك الانشقاقات التي تحدث داخله؟ ــ هذا التفكك الذي حدث داخل الحزب الاتحادي قطعاً لا يرضي احداً ومازال املنا ان يتحد الحزب وقد سعيت انا في ذلك و لكن لم اوفق, وفي المرحلة الحالية يحتاج السودان ليس فقط الى جميع الناس في حزب واحد بل يحتاج الى وفاق وطني والاتحاديين كانوا قد مروا بتجربة عصيبة ابان الديمقراطية الثالثة نتمنى ان يستفيدوا منها ويعلمون ان الذي يحدث فيه ضرر وخطورة واضعاف للحزب الذي اليه ينتمون. هناك من يقول ان الذي يحدث الآن مخطط له قبل قيام (الانقاذ) وذكر البعض ان الشريف الهندي التقى الفريق البشير في احد المنازل بمدينة كوستى قبل 30 يونيو ما هو تعليقكم؟ ــ هذا حديث لا سند له ولا احب ان اعلق عليه لانه غير صحيح. الآن هناك حديث عن اتصالات يقودها التيجاني محمد ابراهيم مع محمد عثمان الميرغني كيف تنظر اليها وهل تعتقد انها تستثمر؟ ــ نحن نرجو ونأمل بل يجب ان تثمر هذه الاتصالات نحن نعتقد ان المخرج الوحيد لهذه البلاد يكمن في الوفاق ويأتي بالاتحاد ويأتي بحدوث لقاء ما بين الحكومة والمعارضة لانهاء الصراع وهذا النزاع القائم والذي وصل الى حد الاحتراب وهذا الاستقطاب, فيجب ان تلتقي ارادة الاتحاديين واراده السودانيين جميعاً واتمنى صادقاً ان يحدث تقارب بين كل القوى السياسية السودانية. بعد الانشقاقات العديدة التي حدثت في القوى السياسية العريقة هل ترى ان حرية التوالي يمكن ان تفضي الى ديمقراطية حقيقية؟ ــ طالما هناك تمزق هذا يعني ان البلاد عرضة لمزيد من الاحتراب ومزيد من التدخل الاجنبي ومزيد من التدويل للقضايا الداخلية والمتضرر في الخاتمة هو السودان لهذا لا ينبغي استمرار هذا التشتت وهذا التمزق ويتوجب على كل القوى الوطنية العمل على انهائه وبصورة فورية وينبغي على الناس ان يثوبوا الى رشدهم والى عقلهم ويتقوا الله في هذا الوطن وهذا المواطن وان يعملوا من اجل الالتقاء والوحدة وليس العكس الشقاق والتمزق والمهاترات. ولكن هناك من يرى ان هذه الانشقاقات تدبرها الحكومة؟ ــ هذا غير صحيح كيف يمكن ان تسعى الحكومة لتمزيق البلاد وهي تعلم ان تمزيق البلاد يعني زوالها اي انشقاق اي خلاف معناه المزيد من التدخل الاجنبي المزيد من الجواسيس المزيد من العملاء المزيد من الافتراق المزيد من الاضرار بالبلاد.. لماذا يضع السودانيون انفسهم تحت رحمة الغير. السودان الآن اصبح تحت وصاية (الايجاد) وتحت وصاية شركاء (الايجاد) لماذا لا يكون السودانيون اوصياء على انفسهم؟ عفواً دكتور كثيراً ما تنتقد الايجاد ونحن نعلم انك كنت وزيراً للخارجية عندما دخل ملف الجنوب الى منظمة الايجاد؟ (الايجاد) بوابة خطر الظروف التي دخلت فيها قضية الجنوب الى (الايجاد) كانت ظروف غير طبيعية فبعد ان فشلت الوساطة النيجيرية بقيادة بابنجيدا اثر التدخل الأمريكي وهى أفضل محاولة لحل قضية الجنوب تمت حتى الان.. بعد أنتهاء وساطة نيجيريا أصبح هناك خياران محل القضية هما ما يسمى بالسلام من الداخل أو خيار القوة ونحن في أديس أبابا لحضور اجتماع روتيني للايجاد علمنا بنبأ مقتل كل الذين كانوا يعملون في عملية السلام من الداخل في ساعة واحدة فقدنا أعظم الرجال.. كمال علي, أوقصيصه, أحمد الرضى, وغيرهم أثر تحطم الطائرة التي كانت تقلهم جاء هذا الخبر وكانت حينها العلاقات مع أثيوبيا وأريتريا جيدة وكان الرئيس دانيال آرب موى رئيساً للايجاد فمن غير دراسة ولا تفكير وتأثراً بالذي حدث رأى الناس أن تدخل الايجاد في القضية ولم يكن للايجاد وقتها أي درو سياسي لذلك ضاع عام كامل في البحث عن الالية المناسبة التي يمكن ان تدخل بها الايجاد في القضية وفي ذات العام حدث تطور خطير جداً وهو ان الايجاد كادت ان ترفع الأمر الى مجلس الأمن بذلنا جهداً جباراً حتى استطعنا ان نحيل دون تصعيد القضية الى مجلس الأمن.. هذا يوضح لك أن طلب السودان بتدخل الايجاد في القضية لم يأت عن طريق دراسة وانما أتى لتلك الظروف آنفه الذكر وكان قراراً خاطئاً.. بعد ذلك جعلوا من أنفسهم حكماء وأوصياء على السودان وقاموا بصياغة اعلان المبادىء وبعد ذلك كان (أصدقاء ايجاد) وتحول الاصدقاء الى شركاء وأصبحت (الايجاد) سيطرة وهيمنه.. كذلك أمر المساعدات الانسانية والتي بموجبها نشاهد كل يوم وآخر وزيراً صاعداً وآخر هابطاً وكأن السودان سيظل بؤرة للمجاعة والتخلف لماذا لا يوقفون الحرب التي هى أساس المجاعة وأساس التخلف كيف يقومون بتأجيج نيران الحرب ويعملون على أغاثة المتضررين منها؟! أقول ان (الايحاد) فشل فشلاً ذريعاً في حل قضية الجنوب وأصبحت أداة للتدخل الاجنبي وينبغي على السودان ايقاف هذا القرار الخاطىء وعدم الاستمرار فيه. الان وبعد ان وصلت جميع المبادرات للتوفيق بين المعارضة والحكومة من الداخل الى طريق مسدود اتجهت أنظار معظم السودانيين الى المنابر الدولية لحل الاشكال القائم وخاصة منبر الايجاد؟ مقاطعاً.. غلط.. غلط لا يمكن لشخص عاقل ان يطلب المزيد من السيطرة والهيمنة الدولية. اذ كيف يرى أبو صالح السبيل لحل المشكلة الماثلة الان ما بين المعارضة بشقيها الشمالي والجنوبي والحكومة؟ ـ الحل في ان يجلس السودانيون مع بعضهم البعض وأن يصلوا الى ميثاق للعمل السياسي ولكن أي نوع من التدويل لا يصب في مصلحة البلاد أصلاً فاذا كان هناك حل يحفظ للسودان والسودانيين كرامتهم وعزهم يكون في جلوس الحكومة والمعارضة لمنضدة الحوار دون وصاية من أحد مع الحرص على عدم اعطاء الآخرين فرصة التدخل. الواجب على الحكومة والمعارضة أن ينهيا هذا الصراع سودانياً ولا بأس من دور عربي أن كان لابد منه.. ولكن أي تفكير في غير هذا الاتجاه سيكون غير وطني بالمره. المتابع للحركة السياسية بالبلاد يجد أن مواقف الحكومة والمعارضة متصلبه في نقاط محدده بمعنى ان الحكومة ترفض أي حوار مع جهة ترفض قانون التوالي والمعارضة أعلنت أنها لن تقبل به الا ترى ان البلاد قد تدخل في صراع أقوى وأعنف من الذي كان قبل الدستور وقانون التوالي السياسي؟ ـ قطعاً ستؤدي الى ذلك لأن أي حكومة تحترم نفسها لا يمكن أن تسمح لأي شخص ان يخرق قوانينها فهذا سيؤدي الى نزاع مزيد من الاحتراب ومزيد من الانهيار لذلك لابد من الأوبة الى الرشد. الاتحادي نسى اهدافه! عندما أعلنت انسلاخك من (المؤتمر الوطني) لماذا لم تنضم الى حزبك القديم (الاتحادي الديمقراطي)؟؟ ـ الحزب الاتحادي الديمقراطي أحد أهدافه الاستراتيجية منذ العام 1955م كان يتمثل في الاتحاد مع مصر وأنا مؤمن أن الوحده مع مصر هى مفتاح الحل لمشاكل السودان ووجدت أن الأخوة في مؤتمر وحدة وادي النيل يخاطبون هذه الاهداف لذلك قررت الانضمام اليهم واذا انتبه الاتحاديون الى أهدافهم الاستراتيجية وعملوا من أجلها قطعاً سيمد (مؤتمر وادي النيل) يده اليهم لأن المؤتمر ليس حزباً وانما هو تيار عريض ليس هدفه الصراع من أجل السلطة وانما هدفه هو تكوين تيار واسع يكون ضاغطا على الحكومتين المصرية والسودانية لتحقيق رغبات الشعبين وانا اقول ان الخلاف بين البلدين هو خلاف قادة لا خلاف شعوب لذلك لابد من العمل على ازالته .. ونحن عندما طرحنا مبادرة الهيئة الشعبية وبعد شعورنا ان هناك ازمة ثقة بين المعارضة والحكومة طالبنا بدور مصري لحل المشكلة واخيرا شعرت ان الامر ليس وجود دور مصري لتحقيق مصالحة وطنية وحسب وانما الامر يقتضي ان يكون هناك تيار ضاغط ومنبه للمعارضة والحكومة ولكنه انه لايمكن السير في هذا الطريق الخطر الذي يؤدي الى استلاب ارادة السودانيين ولعلهم جميعا يعلمون ذلك لان الصادق المهدي في احد احاديثه يقول (العسكريون يستلبون ارادة المدنيين ولكن التدويل يسلب ارادة الاثنين معا) ولكنه لم يفعل شيئا من شأنه ان يمنع هذا التدويل لذلك شعرت بضرورة هذا التيار ووجدت عددا كبيرا جدا من ابناء هذا الشعب ومفكريه يشاركونني فيه الرأى وهم كانوا يقفون موقفا لايقبلون تصرفات المعارضة ولا الحكومة ولعلك تدرك ان الشعب السوداني كله يريد الوفاق والمصالحة والسلام والاستقرار والنهضة وكله يرى انه كفى حربا واستنزافا وتمزقا وشتاتا لكن هذا لابد له من بروز تيار قوي وعنيف يدعو وينبه الناس للارتباط الوثيق لدرجة الاتحاد مع مصر تجاوزا لكل الخلافات وكل الصغائر ووحدة مجموعة تريد ان تؤسس لهذا العمل. التوتر مع مصر معلوم ان العلاقات المصرية السودانية المصرية تمر بازمة خلال هذه الفترة فكيف تنظرون الى نجاح تيار هذه اهدافه في ظل الظروف الراهنة؟ - مايحدث الآن هو امر عابر ونحن سنركز جهدنا في هدف واحد نريد ان نفعله هو الاتحاد مع مصر او الارتباط او الوحدة سمه ماشئت. ولكن الناظر الى العلاقة المصرية السودانية منذ فترة طويلة ليس في عهد الانقاذ فقط يجدها غير مستقرة باستثناء فترة الحكم المايوي؟ - نحن مقبلون على عهد ليس فيه مكان للكيانات الصغيرة المكان فيه للكيانات الكبيرة فقط ولا يستطيع ان يصارع فيه الا من اتخذ المنهج العلمي سبيلا نحن في عهد الانترنت عهد العولمة وثورة المعلومات عهد لا مجال فيه للعشوائية لذلك لابد من دعم هذا التيار الداعي للوحدة نحن نوجه الحديث لاهل السودان ومفكريه واهل مصر ومفكريها وللباحثين والدارسين في البلدين حتى يدعموا هذا الاتجاه بفكرهم واطروحاتهم لتحقيق مايبتغيه ابناء وادي النيل من وحدة في كافة المجالات سواء الامنية او الاقتصادية او التجارية على طريق علمي مدروس. يلاحظ ان مبادىء (مؤتمر وادي النيل) الذي تنوون تأسيسه هي ذات المبادىء التي يقوم عليها الحزب الاتحادي الديمقراطي - حزبكم القديم فهل ستكونون منافسون لهم؟ بالعكس ليس هناك رغبة في منافسة الاتحاديين فهم ان انتبهوا الى هدفهم الاستراتيجي وهو الاتحاد مع مصر, والذي لم يعملوا من اجل تحقيقه واهملوه منذ العام 1955م ان عادوا اليه سنمد لهم ايدينا ونعمل الى جانبهم وحتى المؤتمر الوطني الحاكم ان عاد الى اهدافه الاستراتيجية سنعمل على دعمه والعمل معه لاننا لانريده حزبا ينافس على انتخابات المحليات او مجالس (برلمانات) الولايات او انما نريده تيارا شعبيا ضاغطا على الجميع من اجل مصالح البلاد العليا والتي تكمن في التوحد داخليا ما بين المعارضة والحكومة والائتلاف خارجيا مع مصر. حوار ــ عثمان فضل الله