أفلت الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من مأزق محاكمته بعد شهر من المداولات والتحقيقات تحت قبة الكونجرس وكرس كلينتون لقبه السياسي (الخارج دائما من المآزق) وعابر كل حواجز الفضائح وآخرها فضيحة مونيكا لوينسكي المتدربة السابقة في البيت الأبيض . واستبق البيت الأبيض إعلان نتائج التصويت النهائي, بنفي أي نية لدى كلينتون للانتقام من خصومه الجمهوريين الذين سعوا لتوظيف فضيحة مونيكا لتلطيخ سمعته والحد من قدره الرئاسي, فيما سبق التصويت انضمام عضوان جمهوريان لصف كلينتون وانشقاقهم عن حزبهم, هما النائبة أولومبيا ستون, والنائبة سوزان كولين التي أعلنت موقفها خلال جلسة المداولات المغلقة الأخيرة الليلة قبل الماضية, ليرتفع عدد المنشقين عن الجمهوريين الى خمسة نواب, وبالتالي فقدوا أغلبيتهم قبل التصويت, وتعادل الديمقراطيون معهم. وعززت هذه الخطوة إفلات كلينتون حتى من التصويت الرسمي على قرار التوبيخ واللوم. واستبق البيت الأبيض التصويت النهائي بنفي ماجاء في التقرير الذى نشرته صحيفة نيويورك تايمز أمس الأول عن أن كلينتون يعتزم الانتقام من الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب عن طريق العمل على هزيمة الحزب الجمهورى في انتخابات عام ألفين واستعادة الأغلبية الديمقراطية في المجلس, وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جو لوكهارت في تصريحات نقلتها شبكة سى ان ان الأمريكية أمس انه لا توجد استراتيجية أسوأ من تعقب الناس لمجرد كونهم من مديرى المحاكمة في مجلس النواب. وقد بدأت منظمة أنصار الطريقة الأمريكية الليبرالية حملة بملايين الدولارات ضد خصوم كلينتون من الجمهوريين تشمل اذاعة اعلانات من خلال شبكات التليفزيون الكبرى. وكان التقرير الذى نشرته صحيفة نيويورك تايمز جاء فيه أن كلينتون تعهد أمام مساعديه بالانتقام من مديرى المحاكمة من مجلس النواب الامر الذى أثار موجة انتقادات من جانب زعماء الحزب الجمهورى الذين قال أحدهم ان رئيس الولايات المتحدة هو أقوى رجل في العالم وسعيه للثأر الشخصى من مديرى المحاكمة عن طريق تدميرهم سياسيا يمثل ذروة غطرسة السلطة. ومع فقدان الجمهوريين لأغلبيتهم البسيطة بعد انشقاق خمسة نواب ما زال مديرو المحاكمة من مجلس النواب يصرون على أن النتيجة النهائية للمحاكمة لا تهم وعلى حد قول النائب جيسم روجان لا يهمنى عدد الأصوات المؤيدة في مجلس الشيوخ لأن التصويت في المجلس ليس حول كذب الأدلة أو صدقها فلقد قمت بواجبى وعرضنا قضية لم يفهمها الناس. وأشار المحلل السياسى لشبكة سى ان ان الى أن مديرى المحاكمة من مجلس النواب سيواجهون عقب انتهاء المحاكمة شكوكا من جانب المواطنين الأمريكيين الذين أصبحوا يرتابون في دوافع المحاكمة من الأساس باعتبارها عملا حزبيا ومضيعة للوقت. واختتمت (سى ان ان) تقريرها بالقول ان التاريخ وحده هو الذى سيقرر ما اذا كانت محاكمة كلينتون مضيعة للوقت غير أن الأمر الوحيد الموكد الأن هو أن الرئيس الأمريكي قد خرج من أصعب مأزق طوال فترتى رئاسته سالما. وقبيل ساعات من اختتام المحاكمة توقع النائب الجمهوري جيمس جيجوردس بألا يزيد عدد الاعضاء الجمهوريين الذين يحتمل أن يصوتوا بإدانة كلينتون بتهمة الحنث باليمين عن عشرين عضوا, بينما يحتمل أن ينشق ستة أو سبعة أعضاء على صفوف الحزب الجمهوري خلال التصويت على إدانة الرئيس الامريكي بتهمة عرقلة سير العدالة. وصرح تشافي للصحفيين لدى قراءته للبيان الذي أدلى به في جلسة المداولات المغلقة بشأن التهمتين اللتين ارتكبهما كلينتون وهما الحنث باليمين وعرقلة سير العدالة لاخفاء علاقته الجنسية مع مونيكا قائلا (إنني سأصوت بإسقاط التهمتين عن الرئيس) . وقال جيفوردس أن الأدلة المبنية على الظروف والملابسات التي تدعم الاتهام المنسوب لكلينتون بعرقلة سير القضاء تنفيها أدلة أخرى من نفس النوع وتجعلها غير واضحة. واستشهد سبيكتر بقانون اسكتلندي يتيح للمحلفين ثلاثة خيارات : إدانة المدعى عليه بأنه إما مذنب أو غير مذنب أو بعدم وجود دليل إثبات. وقال إنه سيصوت (بعدم وجود دليل إثبات) إزاء التهمتين المنسوبتين. وتردد أن كلينتون في ظل المؤشرات بتبرئة ساحته يعكف حاليا على إعداد بيان جديد سيدلي به للشعب الامريكي في أعقاب تصويت مجلس الشيوخ. وأكد مسؤولون في البيت الابيض إنه لن يكون هناك تشفي بتبرئة كلينتون ولكن سيكون التركيز على القيام بالمهام التشريعية للرئيس. ومع ذلك نقلت تقارير إخبارية عن مصادر في الحكومة الامريكية أن الرئيس يشعر بالمرارة إزاء محاكمته بتهمة التقصير ويتعهد بالانتقام عن طريق مساعدة حزبه باستعادة الاغلبية في مجلس النواب التي كان قد خسرها في انتخابات عام 1994. وقد استمر الزخم في مجلس الشيوخ الليلة قبل الماضية لاحباط اقتراح للديمقراطيين يكتفي بتوبيخ كلينتون رسميا بعد المحاكمة. ودفع كثير من الجمهوريين بأن مسألة توبيخ كلينتون سيكون أمرا غير دستوري وسيوفر للديمقراطيين غطاء سياسيا لتبرئته. وقال العضو الديمقراطي جوزيف ليبيرمان أنه إذا لم يمكن إصدار قرار بالتوبيخ فقد يقوم المؤيدون بصياغة إعلان غير رسمي يدني تصرفات الرئيس الشخصية يتم جمع التوقيعات عليه وارساله للبيت الابيض. والجدير بالذكر أن قانونا لمجلس الشيوخ يعود تاريخه للقرن التاسع عشر يحظر عرض مداولات المجلس في أي محاكمة على الشعب, باستثناء التصويت الذي سيشاهده الشعب الامريكي علنا. وردا على فقدان الجمهوريين أغلبيتهم اطلق السيناتور بوب بينيت شتائمه خلال استراحة المداولات المغلقة, واعتبر كلينتون أكبر كذاب دخل البيت الأبيض. وفي سياق تطور المحاكمة ساهم التقرير الذي نشر على شبكة الانترنت بما يتضمنه من تفاصيل جنسية اضافة الى الافادات المبهمة لابرز مساعدي كلينتون في اعطاء صورة عن رئيس تعرضت سلطته للشبهات. لكن الرئيس رفض التفكير في الاستقالة طوال الازمة مدعوما بالرأي العام الذي ازعجته الفضائح, السمين منها والغث, المنسوبة الى عائلة كلينتون اضافة الى الاداء الاقتصادي الاستثنائي الذي قاوم الهزة المرعبة التي اصابت الاسواق الاسيوية. وبعد فترة تأنيب ضمير وتوبة علنية, اكد كلينتون تصميمه على مواصلة المعركة تجنبا لطرده من السلطة وبدا التركيز على (المشاكل الحقيقية) للمواطنين في حين كان خصومه من الجمهوريين ينددون بارتكابه اعمالا حقيرة في فضيحة لوينسكي. وجاءت الانتخابات التشريعية في الثالث من نوفمبر الماضي عندما خسر الجمهوريون ستة مقاعد في المجلس النيابي لتؤكد وجهة نظر الرئيس الامريكي. من جهتهم, التف الديموقراطيون حول الرئيس بعد ان ابدى عدد منهم تشددا حياله مبعدين بذلك اي احتمال لاقالته في مجلس الشيوخ حيث يجب الحصول على غالبية الثلثين من اجل التوصل الى ذلك. واظهر الرئيس الامريكي طوال حياته السياسية مهارة فائقة في التغلب على التيار رغم الشدة سواء كان ذلك في اولى خطواته السياسية في ولاية اركنسو حيث احتل منصب الحاكم بعد استبعاده منه او في حملة الانتخابات الرئاسية وخلال فترة ولايتيه. وكان كلينتون اطلق على نفسه لقب (الولد العائد ابدا) عام 1992 عندما كاد الكشف عن علاقته باحدى مغنيات الملاهي الليلية جنيفر فلاورز ان يطيح بتطلعاته الرئاسية. وحتى الجدل المتعلق بماضيه كطالب يساري لم يستطع النيل منه. وأحبطت الانتخابات التشريعية عام 1994 التي شهدت هزيمة الديمقراطيين آمال وعزيمة كلينتون لكنه صعد القمة مجددا بعد انقضاء عامين وانتخب اثر مواجهة قاسية مع الجمهوريين مؤكدا انتماءه أكثر فأكثر الى يمين الوسط. ومع ذلك يبقى كلينتون ثاني رئيس أمريكي يخضع لمحاكمة الكونجرس بعد اندرو جونسون عام 1868. ــالوكالات