في يوم السبت 6 فبراير 1999م وقعت احداث عنف مؤسفة في جامعة الخرطوم بين الطلاب المسيحيين وبعض الطلاب المنتمين للحركات الاسلامية المتشددة . والسبب في ذلك هو أن الطلاب المسيحيين اقاموا معرضا للكتاب المقدس فاعتبره بعض الاسلاميين استفزازاً لمشاعر المسلمين فقاموا بحرق المعرض. وتبع ذلك صراع دام بين الطرفين جرح فيه عدد من الطلاب. عقب الاحداث صدرت عدة بيانات كان اكثرها تطرفا بيان وقع عليه الشيخان: الدكتور عبد الحي يوسف والدكتور علاء الدين الامين الزاكي. وهنالك بيان تحت عنوان تجميع قوى المسلمين بجامعة الخرطوم. وبيان آخر باسم انصار السنة أدان العنف وحمل الدستور السوداني لعام 98 مسؤولية ما حدث, لأنه اباح حرية الدعوة لكل الديانات. أما بيان الطلاب الانصار وحزب الامة فقد كان معتدلا, ادان العنف, ودعا الاطراف المختلفة الى ضبط النفس واحلال الحوار محل العنف. واكد على أن الاسلام نهجه يقوم على التسامح والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. اذا استثنينا بياني حزب الامة وانصار السنة, فان البيانين الآخرين كتبا بلغة غلبت عليها العاطفة وتعاملت مع الموضوع على اساس: انه صراع بين مسلمين وكفار, ان مجتمعات الطلاب تغلب عليها الاثارة وتتعامل مع الاشياء دون النفاذ الى اعماقها بسبب طغيان العاطفة وقلة التجربة ولكن ماليس مفهوما هو ما ورد في البيان الذي وقع عليه الشيخان الجليلان الدكتور عبد الحي يوسف, والدكتور علاء الدين الامين. فقد جاء في ذلك البيان الاتي:- وعليه نوجه نصحنا الى: 1) ادارة الجامعة والقائمين على امرها: بأن يتقوا الله عز وجل وان يعلموا يقينا ان الله سائلهم على ما استرعاهم ولن ينفعهم ذلك اليوم منصب ولا سلطان. 2) طلاب الجامعة: واجب عليكم ان تغضبوا لله وان تأخذكم الحمية وأن تتعفر وجوهكم انتصاراً للدين وسخطا على الكافرين وان تحولوا دون هذا الباطل... 3) معشر النصارى: لا يغرنكم حلم الناس عليكم وسكوتهم عما تفعلون. واعلموا ان لهذا الدين ربا يحميه ورجالا يذودون عنه فاتقوا غضبة الحليم, واعلموا ان من تشاركونهم هذا الوطن انما اقروكم على دينكم بعدم اكراهكم على الدخول في الاسلام عملا بتعاليم دينهم ولو انكم تجاوزتم الحدود بنشر باطلكم ودعوة المسلمين الى كفركم فلن يسكتوا عنكم... انتهى وهكذا اطلت الفتنة الدينية برأسها في اعرق مؤسسات التعليم في السودان (جامعة الخرطوم) لقد عرف السودان خاليا من العنف الطائفي وذلك بسبب تسامح اهله. ولكن منذ مجيء نظام (الانقاذ) الى السلطة في 30 يونيو 1989م فرض على المجتمع السوداني خطابا اعلاميا متطرفا فرق كلمة المسلمين واستعدى غيرهم وأفرز حركات تكفيرية بلغت سبع مجموعات!! ان طرح الاسلام باسلوب لا يراعي ظروف السودان ولا خصوصية أوضاعه يضر ولا ينفع. انني في هذا المقال سأحاول معالجة علاقة الاسلام بالآخر بصورة تبعد السودان من الوقوع في الفتنة الدينية وتدعو الى التسامح والتعايش السلمي وذلك عبر النقاط الاتية: النقطة الاولى: هل توجد ثم علاقة بين رسالة الاسلام والرسالات السابقة؟ للاجابة عن ذلك اقول: ان رسالة الاسلام جاءت مكملة للرسالات السابقة متضمنة لاصولها: المتمثلة في التوحيد الخالص لله, والعدل بين الناس, والجزاء الاخروي على الاعمال. ومتميزة عليها بالختام والعموم والمرونة وصلاحية التطبيق في كل زمان ومكان. ان الاختلاف بين الرسالات هو اختلاف في التشريع والاحكام لا اختلاف في الدين فالدين واحد هو الاسلام قال تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه...) (سورة الشورى الآية 13) ولا يكتمل ايمان المسلم الا اذا آمن بكل الرسل السابقين. لقد وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاقة بينه وبين اخوته السابقين في ابلغ تعبير عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان مثلي ومثل الانبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فاحسنه واجمله الا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فانا اللبنة وانا خاتم النبيين) (صحيح البخاري) ان التصديق بالرسالات السابقة والاعتراف بالرسل ركن من اركان الايمان. ونحن نقرأ ان اتباع تلك الرسالات قد حرفوا دينهم وضلوا عن سواء السبيل ولكن مع ذلك تبقى اصول الرسالات محل اعتراف من الاسلام. النقطة الثانية: وضع الاسلام تشريعا محكما حدد فيه كيفية التعامل مع الآخر نهى فيه عن سب عبدة الأوثان, لأن ذلك سيدفعهم الى سب الله سبحانه وتعالى وقد ورد هذا النهي في الآية 108 من سورة الانعام. أما اليهود والنصارى فقد سماهم الاسلام أهل الكتاب ودعاهم القرآن الى الحوار. وأمر المسلمين ان يجادلوهم بالتي هي أحسن. كما أباح الإسلام للمسلمين أكل طعام أهل الكتاب والزواج من نسائهم وتبادل المنافع معهم. وتوجد خصوصية في التعامل مع النصارى لأنهم أرق أفئدة وأقل مكرا وأقرب مودة للمسلمين, وفيهم قسيسون ورهبان وهم لا يستكبرون. إن تاريخ الاسلام يؤكد حسن المعاملة مع أهل الكتاب بل كان الاسلام أرحم بهم في النظم السياسية التي أقامتها طوائف من بني جلدتهم. ولم يوجد في كل تاريخ الاسلام ما يشير الى ان المسلمين قد أكرهوا أهل الكتاب على الدخول في الاسلام أو أجبروهم على التخلي عن شعائرهم أو أكرهوهم على الخروج من ديارهم بسبب عقائدهم. وما حدث لطوائف اليهود في المدينة كان سببه عدم الوفاء بالعهد الذي وقعوه مع المسلمين. فبنو قينقاع اعتدوا على امرأة مسلمة وبنو النضير تآمروا وعزموا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبنو قريظة تواطؤوا مع العدو. أما النصوص المحكمة فتؤكد انه لا اكراه في الدين. وأن الناس أحرار في عقائدهم وأفكارهم. لأن مبدأ الحساب قائم على الحرية. والاكراه يسقط الحساب وعدوان على حرية الانسان وهو ينافي مقصد الشرع. هنا يطرأ تساؤل هل يجوز ان نسمح لليهود والنصارى وأصحاب الأفكار المخالفة للاسلام ان يدعوا الى باطلهم؟ والجواب على ذلك هو: اننا لا نقر بصحة ما ذهبوا اليه من عقائد ولكن لا يجوز لنا ان نمنعهم من ممارسة انشطتهم العقائدية والفكرية ما دام ديننا يرفض الاكراه. قال تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (سورة الكهف آية 29). والكفر قد يكون اعتقادا وقد يكون نشرا للعقائد الفاسدة. لقد ذكر الله سبحانه وتعالى مقدرات ابليس في أنه يأتي الناس من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم, وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق) . ومع هذه القدرات الهائلة التي يمتلكها الشيطان في سعيه لتقوية حزبه الا انه عندما سأل الله قائلا: (... رب فانظرني الى يوم يبعثون) أجابه الله لطلبه قائلا: (فإنك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم) (سورة ص), وعليه فما دام الله سبحانه وتعالى قد سمح لرأس الكفر ابليس ان يمارس نشاطه بحرية تامة, فإننا قياسا على ذلك لا حرج علينا اذا سمحنا لأصحاب العقائد المخالفة للاسلام ان يمارسوا نشاطهم بحرية وهم أقل كفرا من ابليس. والاسلام لا خوف عليه من أي معتقد أو فكر بل الاسلام قادر على دحض باطلهم وهزيمتهم في كل الميادين. إن مصلحة الاسلام اليوم تقتضي ان نلتزم بخيار التعايش والتنافس السلمي مع الآخر لأن عدد الداخلين في الاسلام أضعاف الذين يدخلون في الديانات الأخرى. وتكاد الردة من الاسلام تكون معدومة في عصرنا الحاضر. إن الاسلام يتمدد كلما وجد الحرية وكثير من قادة الحركات الاسلامية يقيمون الآن في الغرب ويجدون هناك الحرية والحماية في نشر افكارهم. إن كثيرا من المفاهيم التقليدية المتعلقة بمعاملة المسلمين لغيرهم كتبت في ظروف كان طابعها التآمر ضد المسلمين سواء الذي قام به اليهود في المدينة المنورة أو الذي قادته الحملة الصليبية ضد الاسلام. والفقهاء الذين كتبوا عن علاقة دولة الاسلام بالآخر لم يتوقعوا ان يأتي زمان تتغير فيه نظرة الآخرين للاسلام. ولم يفترضوا ان تقوم مؤسسات دولية وإقليمية يجلس فيها المسلم الى جانب الآخرين, ويوقع معهم على مواثيق لحفظ الأمن والسلام الدوليين. لقد ظهرت الدولة القطرية الحديثة التي جعلت الحقوق تكتسب على أساس المواطنة. وهذا حدث جديد لم يخطر على بال فقهائنا. فأية محاولة للرجوع الى اجتهادات السلف لمعالجة قضايا الحاضر سوف توقعنا في تناقض وعزلة عن عالمنا المعاصر. ان الاسلوب الصحيح هو ان نلتزم بقطعيات الوحي ونجتهد كما اجتهد سلفنا لمعالجة مشاكلنا. وقد وضع الامام المهدي قاعدة ذهبية في هذا المجال حينما قال (لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال) . النقطة الثالثة: ان معظم الأفكار المتطرفة والمقصية للآخر وفدت الينا من بيئات تختلف عن بيئتنا. وهي عبارة عن ردود فعل لممارسات سعت الى سلخ الاسلام من الحياة العامة واحلال مفاهيم علمانية محله. ان الاسلام في السودان له خصوصية. فالعرب المسلمون الذين دخلوا السودان لم يكونوا فاتحين ولا غازين. وانما دخلوه فارين من مطاردة النظام السياسي لهم أو باحثين عن الكلأ والعشب لانعامهم. وقد استقبلهم أهل السودان بالترحيب والاكرام واختلط الوافد بالمقيم عن طريق التزاوج والمصاهرة, وبدأ الاسلام ينتشر بين أهل السودان مراعيا لتقاليدهم وعاداتهم, ومتدرجا معهم. فلم يشعروا بغرابة تعاليمه. لانها قامت على الفطرة ودعت الى التسامح. ولما ظهرت الدولة الحديثة فان غالبية اهل السودان مسلمين دينا وعربا ولسانا وثقافة. وتجري في دمائهم نسبة من الدم العربي, والاقلية تدين بديانات افريقية ومسيحية ـ ولو استمرت معاملة المسلمين باسلوبها المتدرج ونهجها المتسامح لصار كل السودانيين مسلمين وقد تنبأ بذلك غردون باشا الحاكم البريطاني السابق للسودان في مذكراته. ولكن منذ دخول الحركات الاسلامية الحديثة للسودان نقلت معها اساليب خطاب اسلامي غريبة على أهل السودان وعندما وصل نظام الانقاذ الى السلطة استخدم خطابا اسلاميا ليستعدي به اصحاب الاديان الاخرى. بل وصف كل نهج متسامح مع غير المسلمين بأنه موالاة لاعداء الاسلام ورضا بملة اليهود والنصارى!! وأمام الخطاب الانقاذي المتحمس بدون وعي تخلى كثير من دعاة الاسلام عن خطابهم المتسامح حتى لا يوصموا بموالاه اعداء الاسلام, وحل التطرف محل الاعتدال, لقد ادخل خطاب الانقاذ الرعب في قلوب غير المسلمين من أهل السودان ودفعهم الى الانتصار بالمنظمات الكنسية, وخرجوا من معابدهم للتبشير بعقائدهم في الاماكن العامة والمؤسسات التعليمية حتى لا ينفرد بالساحة خطاب ديني واحد. لقد استقبل المسيحيون البابا عندما زار السودان استقبالا لم يشهد السودان له مثيلا, وقد تناسوا خلافاتهم الطائفية بل دعوا الى تكوين الحزب المسيحي. ان التطرف يولد تطرفا مماثلا له في المقدار مضاداً له في الاتجاه. لقد ظهر في السودان لأول مرة مصطلح الاضطهاد الديني بصورة ازعجت النظام ولكي ينفي عنه التهمة قدم تنازلات جلبت له عداوات جديدة من الجماعات المتطرقة التي كانت افرازاً طبيعيا لخطابه المتحمس بلا وعي, بل وجد عداء من بعض انصاره الذين شحن اذهانهم بمفاهيم خاطئة في كيفية التعامل مع الآخر. ان هجوم مجموعة الخليفي على مسجد انصار السنة وحادثة كيلو 10 بود مدني وتعدد حركات التكفير في السودان وحوادث جامعة الخرطوم الاخيرة كلها من نتائج خطاب نظام الانقاذ وممارساته التي فرقت كلمة المسلمين ووحدت غيرهم ودفعتهم دفعا الى المطالبة بابعاد الاسلام عن الدولة. بعد ان اقنعت حركة الصحوة الاسلامية قادتهم بان الاقليات الدينية في ظل نظام الاسلام سيجدون حقوقا أكبر مما يجدون في ظل الدولة العلمانية, ونتيجة لذلك وقع (وليم دينج) اول زعيم للمتمردين على مشروع وثيقة دستور 1967 الاسلامي. ولكن تجربة الانقاذ عطلت مسيرة الاسلام في السودان وحولته الى شعارات خالية من المضمون واضعفت الثقة في الطرح الاسلامي وخلقت مشاكل جديدة اكثر تعقيداً ستكون عائقا للمد الاسلامي. لقد تبدد امل المسلمين بعد ان راهنوا على السودان البلد المتسامح المتعدد الاديان والاعراق والثقافات بان يقيم نظاما اسلاميا عصريا يلبي مطالب الاغلبية المسلمة ويحافظ على حقوق الاقليات ليكون قدوة للمسلمين ولكن الحصاد جاء هشيما تذروه الرياح, ونحن نتساءل هل هناك حلف غير مكتوب بين نظام (الانقاذ) واعداء الاسلام للقيام بهذه التجربة الحمقاء لاعطاء الحجة العملية لتثبت ان الاسلام لا يصلح لهذا العصر, كما يدعي أعداء الاسلام؟! الله أعلم ولكن سيظل السؤال قائما. الأمين العام لهيئة شؤون الانصار بالسودان*