على مدى الأشهر الاربعة الماضية كانت أجهزة الأمن المصرية تستكمل التحقيقات حول قضية العائدون من ألبانيا التي بدأ القضاء العسكري محاكمة متهميها المائة وسبعة من أعضاء تنظيمات العنف في الداخل والخارج, منتصف شهر يناير الماضي . وفي أكثر من عشرين ألف ورقة من أوراق التحقيق أدلى المتهمون باعترافات تفصيلية حول طبيعة أنشطتهم لمناهضة النظام والقيام بأعمال عنف داخل مصر والتخطيط لتهديد استقرار الدولة, وفجرت اعترافات المتهمين مفاجآت عديدة حول تفاصيل الدور الذي يلعبه قادة جماعات العنف في المهجر, وحجم انشطة هذه الجماعات في الخارج والطموح السياسي الذي تسعى لتحقيقه من خلال أنشطتها المحظورة. البيان اطلعت على ملفات القضية وقرأت تفاصيل الاعترافات المثيرة للمتهمين خاصة هؤلاء الذين نجحت اجهزة الامن المصرية في اصطيادهم من أوكارهم في أوروبا وبعض البلدان الغربية. الخيط الأول لهذه القضية أمسكت به أجهزة الأمن المصرية من خلال القاء القبض على المتهم احمد ابراهيم النجار من ألبانيا التي هرب اليها عقب صدور حكم باعدامه في قضية خان الخليلي عام 1994, ومنذ القبض على النجار بدأت عناصر التنظيم في التساقط الواحد تلو الآخر حيث اعترف النجار على عدد كبير من شركائه, وأدلى بمعلومات تفصيلية حول الدعم الذي تلقاه من قيادات جماعة الجهاد الاسلامي وعلى رأسهم أيمن الظواهري وعادل عبدالمجيد وثروت صلاح شحاته في بريطانيا. الهروب من مصر ويحكي النجار في 134 صفحة من التحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا, قبل احالة القضية الى القضاء العسكري, أنه كان ينتمي لتنظيم الجهاد الذي أسسه عبود الزمر ومحمد عبدالسلام فرج وقام بعملية اغتيال الرئيس السادات عام 1981 خلال العرض العسكري في ذكرى احتفال مصر بنصر أكتوبر العظيم, ويضيف أن المحكمة العسكرية في ذلك الوقت حكمت عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات فقط وتم الافراج عنه في نهاية عام 1984, وخلال الفترة من تاريخ الافراج عنه وحتى الآن لم يتوقف النجار عن ممارسة انشطته التنظيمية المحظورة, وعمل بعد خروجه على احياء تنظيم الجهاد عام 1988 من خلال تجنيد بعض العناصر في منطقة ناهيا بمحافظة الجيزة الا ان اجهزة الامن المصرية ألقت القبض على مجموعته فيما عرف في ذلك الوقت باسم منظمة القصاص الاسلامي وعقب الافراج عنه حاول النجار تشكيل مجموعة تنظيمية أخرى للقيام بعمليات مسلحة والعمل على قلب نظام الحكم الا انه قرر الهروب من مصر نهائيا بعد ان كشفت اجهزة الامن المصرية اعضاء التنظيم المتطرف الذي تزعمه النجار والذي كان يخطط للاضرار بالاقتصاد المصري عبر تفجير حي خان الخليلي السياحي بمنطقة الأزهر الشريف. ويضيف النجار انه استطاع الدخول الى الاراضي اليمنية وأقام في مدينة صنعاء لفترة قصيرة كان خلالها على اتصال بالرجل الثاني في تنظيم خان الخليلي والذي كان مختفيا عن أعين أجهزة الأمن المصرية قبل القاء القبض عليه وهو المتهم يوسف الجندي والذي كان يقيم في منطقة كرداسة غرب القاهرة, وتواصلت الاتصالات بين النجار والجندي طوال فترة بقائه في صنعاء وحتى تم الكشف عن شخصية الجندي واحالته الى المحاكمة وصدور الحكم ضده بالأشغال الشاقة المؤبدة في القضية رقم 60 لسنة 1994 جنايات عسكرية. وخلال محاكمة التنظيم أصيب النجار بالفزع الشديد من ان يعترف يوسف الجندي على مكانه بالتفصيل ويكشف عن تفاصيل دوره في المنطقة الامر الذي يدفع الحكومة المصرية بتقديم طلب للسلطات اليمنية لتسليمه فقرر الهرب من صنعاء الى احدى العواصم الأوروبية ليطلب اللجوء السياسي على غرار ما فعله قادة التنظيم من قبل. الهروب من اليمن ويقول النجار في التحقيقات: كنت أعرف ان الحكومة اليمنية قد بدأت في التعاون الكامل من الناحية الأمنية مع السلطات المصرية ولذلك قررت الهرب من اليمن, وخلال ذلك فكرت في أن أحد قادة الجهاد الهاربين منذ فترة طويلة يمكنه مساعدتي في ذلك فقمت بالاتصال بالأخ عادل عبدالمجيد الحاصل على حق اللجوء السياسي في بريطانيا والمقيم في العاصمة لندن, وعادل يدير من هناك مكتبا اعلاميا باسم مكتب الدفاع عن الشعب المصري يهاجم من خلاله الحكومة المصرية عبر نشر المطبوعات والمنشورات المعادية للنظام, وعندما أبلغت عادل بالموقف قام بمساعدتي بارسال مبلغ 1500 دولار أمريكي لأتمكن من مغادرة اليمن, وبالفعل نجحت في ذلك عبر أوراق سفر مزورة ووصلت إلى ألبانيا. ومع وصول النجار إلى ألبانيا بدأت رحلة جديدة من العمل التنظيمي الذي يهدف الى اعادة احياء تنظيم الجهاد الذي تلقى ضربات مكثفة على أيدي الحكومة المصرية في كل مرة حاولت قيادته احياءه من جديد, وطبقا للاعترافات المسجلة للنجار في ملف التحقيقات فإنه عقب ذهابه إلى ألبانيا عمل مدرسا للغة العربية والدين في مدرسة تابعة لاحدى الجمعيات الخيرية الاسلامية واستطاع خلال أشهر قليلة ان يحظى بثقة المسؤولين بهذه الجمعية من المسلمين الألبان الذين أسندوا إليه مهمة ادارة الجمعية بالكامل, وتقول اعترافات المتهم انه خلال هذه الفترة بدأت الاتصالات تتجدد مرة أخرى مع قادة الجماعة في لندن ومع الدكتور أيمن الظواهري زعيم تنظيم الجهاد في الخارج, في حين كان الاتصال بكل من عادل عبد المجيد وثروت صلاح شحاته سهلا, ويضيف كانت المحادثات الهاتفية مع الدكتور الظواهري تتميز بصعوبة شديدة خاصة بعد أن انكشف مكان اقامته في جنيف في سويسرا وقرر الهرب إلى جهة أخرى غير معلومة حتى بالنسبة للنجار نفسه. ويقول المتهم في اعترافاته ان قادة الجماعة في المهجر لم يتراجعوا عن أفكارهم وما زالوا يعملون على تشكيل تنظيم مسلح على درجة عالية من التنظيم والتمويل والتخطيط والادارة لتحقيق أهدافهم في الاستيلاء على السلطة في مصر, ويرى النجار ان هذا الهدف ما زال يراودهم منذ فشل الانقلاب الذي دبره تنظيم الجهاد عام 1981 ونجحت الحكومة المصرية في ضرب التنظيم وتصفيته بالكامل, ويؤكد النجار في اعترافاته أمام نيابة أمن الدولة العليا ان الظواهري قد بويع من قبل أعضاء جماعة الجهاد في الخارج منذ عدة سنوات, وان عبود الزمر قائد الجماعة السابق ومؤسس تنظيم الجهاد الذي يقضي حاليا حكما بالسجن المؤبد في قضية اغتيال الرئيس السادات لم يعد هو القائد الفعلي للتنظيم وليس له أي ولاية تنظيمية, وتفسر هذه المعلومات سبب التضارب بين قيادات الجماعات في السجن وبين الهاربين في الخارج من مبادرات وقف أعمال العنف التي أعلنها قادة السجن ورفضها بعض قادة المهجر. ويقول النجار ان البناء التنظيمي لجماعة الجهاد حالياً أصبح شديد التعقيد نظراً لأن عددا كبيرا من القيادات يعيش في الخارج, وكل من يعيش داخل مصر يحرص على عدم تعريض نفسه للمخاطر, وأضاف انه لا يعرف جميع أعضاء الجماعة ولا طبيعة المهام الموكلة اليهم, ولكنه يعرف ان المحامي الهارب في لندن ثروت صلاح شحاته هو المسؤول عن جناح الأمن داخل التنظيم من خلال تأمين العضوية وحماية المعلومات والوثائق والتعامل مع محاولات الاختراق, فيما يمكن تسميته بجهاز مخابرات الجماعة الذي يتولى عمليات التأمين والحفاظ على التنظيم وتطهيره, أما عادل عبد المجيد الهارب الى لندن ايضا فهو المسؤول عن الجناح الاجتماعي للتنظيم ورعاية اعضائه داخل وخارج مصر وتوفير الأموال اللازمة للاعضاء سواء في حالات الهروب خارج مصر أو في حالة الاحتياج للأموال لأغراض معينة داخل البلاد. تجمعات عنقودية وتقول الاعترافات ان الدكتور أيمن الظواهري, الذي يقيم حاليا في منطقة غير معلومة بالنسبة لشركائه في التنظيم, هو الذي يتولى القيادة ويرسل تكليفاته لاتباعه سواء عبر الاتصالات التليفونية أو الفاكس أو البريد الالكتروني, ويحرص الظواهري على بقاء التنظيم على صورة تجمعات عنقودية منفصلة, يتكون كل عنقود من عدد محدود من الأشخاص تحت قيادة أحد الموثوقين باخلاصهم للجماعة, وتقوم كل مجموعة بالتدريب على مهام محددة وصغيرة وفي حالة القيام بعمل كبير ومتكامل يقوم قائد التنظيم بتوزيع التكليفات على المجموعات المختلفة في سرية شديدة حتى تكتمل عناصر المهمة, والهدف من هذا التوزيع الدقيق للأدوار هو عدم الكشف عن جميع أعضاء التنظيم دفعة واحدة, ففي حالة انكشاف احدى المجموعات لن يستطيع أعضاؤها الادلاء بأية معلومات تفصيلية الا في حدود ما يعرفونه عن زملائهم في هذه المجموعة فقط. ولكن يبدو ان الظواهري حين وضع هذا التصور الأمني لم يكن يضع في حسبانه ان أحد أهم كوادره التنظيمية على الاطلاق هو الذي سيقع في الفخ ويدلي بتفاصيل كافة المجموعات, والمهام المكلفة بها كل مجموعة في جميع أنحاء الجمهورية, فقد كانت احدى مهام النجار حسب قرار الاتهام في القضية هو الاتصال باتباعه في مصر, والاشراف على عمل التنظيم في الداخل, وحين سقط في ايدي الأمن المصري وقعت معه كل كوادر التنظيم وأدلى باعترافات حول طبيعة الأدوار التي يلعبها التنظيم في الخارج. وكان لاعترافات النجار الفضل في أن تضع أجهزة الأمن المصرية يدها على عدد آخر من العناصر التنظيمية الهاربة المقيمة في ألبانيا وبعض بلدان أوروبا الشرقية, فقد كشف النجار عن قيادي آخر مقيم في ألبانيا هو المتهم أحمد عثمان اسماعيل, والمتهم عصام عبد التواب الذي كان يقيم في بلغاريا قبل القاء القبض عليه, كما كشف النجار عن جناح التنظيم في الولايات المتحدة الأمريكية, وكانت اعترافاته السبب وراء القاء القبض على خالد حسين اسماعيل, وعادل علوي اللذين يحملان الجنسية الأمريكية, كما كشفت أيضاً عن دور علي أبو السعود, وهو أمريكي من أصل مصري وما زال هاربا حتى الآن في بناء التنظيم ومساعدته بالأموال والخدمات الاعلامية المتعددة. شبكة ألبانيا وتؤكد اعترافات المتهم أحمد عثمان اسماعيل, الذي ألقي القبض عليه في ألبانيا ايضا ان المجموعة التنظيمية التي أقامت في ألبانيا لأكثر من أربع سنوات لم تتلق تكليفات بالمشاركة في الحرب المندلعة بين ألبان كوسوفو والصرب, خاصة بعد تجربة المشاركة في حرب البوسنة والتي أدت للكشف عن عدد كبير من كوادر التنظيم, وقد كانت البوسنة ساحة مفتوحة لالقاء القبض على الكثير من الكوادر التنظيمية في جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية بعد أن حاولت هذه الكوادر تحويل البوسنة إلى أفغانستان أخرى في قلب أوروبا ونقل ظاهرة الأفغان العرب الى هناك, وكان أبرز القيادات التي تم القاء القبض عليها من هناك هو طلعت فؤاد قاسم المتحدث الرسمي السابق باسم الجماعة الإسلامية المحظورة في مصر, وقد ألقي القبض عليه في كرواتيا أثناء عبوره الى البوسنة في شهر أغسطس من عام 1995. كان الهدف من الهجرة, طبقا لمذكرة الأمن المصري المرفقة مع اعترافات المتهمين بين أوراق القضية, هو العمل على جمع الأموال اللازمة لتمويل الأنشطة الإرهابية, واستغلال ثغرات القوانين الأوروبية في ممارسة أعمال مناهضة للنظام المصري, وتوفير مناخ آمن لقادة التنظيم بحيث يسهل عليهم الاتصال بعناصرها داخل مصر لتدبير عمليات العنف المسلحة لتحقيق أهدافها التنظيمية. وتقول أوراق القضية ان المتهمين كانوا يخططون لزعزعة الاستقرار في مصر عبر تهديد مصالحها ومنشآتها في الخارج, كما كان الدور المنوط بالأعضاء في الداخل هو العمل على احياء التشكيلات التنظيمية لجماعة الجهاد تحت قيادة المتهم الهارب أيمن الظواهري, والاستعداد لتلقي التكليفات التنظيمية للتحرك نحو خطة انقلابية على نظام الحكم وتعطيل الدستور والقانون في البلاد. وتكشف أوراق القضية أيضاً عن تعاون يتم للمرة الأولى بين الجماعة الاسلامية التي تعتبر الدكتور عمر عبد الرحمن الأب الروحي لها, وبين جماعة الجهاد بزعامة أيمن الظواهري, ورغم ان الجماعتين كانتا على خلاف دائم منذ عملية اغتيال الرئيس السادات عام 1981 الا ان اعترافات العائدين من ألبانيا وعلى رأسهم أحمد النجار أكدت ان محمد شوقي الاسلامبولي أحد قيادات الجماعة الاسلامية والمقيم حالياً في أفغانستان تحت حماية الفصائل المسلحة قد تعاون مع هذا التنظيم وشارك في بعض الاتصالات التنظيمية لتقديم خدمات متعددة لكوادره في الخارج. وطبقا لمصادر أمنية رفيعة المستوى فإن هذه الاعترافات التي تقتصر في أغلبها على الجوانب التنظيمية والفكرية تمثل ادانة كاملة للمتهمين وقيادتهم في الخارج الأمر الذي يعرضهم لاحكام تتراوح بين الاعدام والسجن والمؤبد, وقالت المصادر ان أعضاء لجنة الدفاع عن المتهمين تحاول النفاذ الى قلب القضية لتعطيل الأحكام بادعاء ان أعضاء التنظيم لم يتورطوا في أعمال مسلحة بالفعل ضد الدولة والمجتمع, لكن النجاح الذي يحسب لأجهزة الأمن المصرية أنها كشفت هذا التنظيم وشرعت في محاكمة أعضائه قبل القيام بأي عمل يضر بالاستقرار في مصر, كما ان عدم وقوع أحداث عنف بالفعل لا ينفي تهمة الارهاب عن المتهمين الذين خططوا جيدا وحاولوا جمع شتاتهم في الداخل والخارج. القاهرة ــ مكتب البيان