يخطئ من يظن أن شيئا لن يتغير في الأردن بعد وفاة الحسين فالتحديات التي يواجهها العاهل الهاشمي الجديد لم يسبق لجده الأعلى عبدالله ولا لأبيه الحسين أن واجها مثلها, ولا جدال في أن هذه التحديات الجديدة سوف تفرض استجابات وخيارات قد تغير من دور الأردن على الصعيد الاقليمي ومن بنيته الداخلية أيضا . والحقيقة أن دول الجوار ستحاول مع الملك الجديد, أن تفرض تصوراتها المستجدة لدور الأردن في المنطقة كل بحسب مصالحه الخاصة وهو أمر طالما تفاداه العاهل السابق بمهارة فائقة عن طريق ما يمكن أن يوصف بسياسة دفع المتناقضات. فالعلاقات الحسنة غالبا مع العراق كانت بمثابة (المعادل) للسعودية وسوريا مثلما كانت الوشائج الوثيقة مع اسرائيل منذ 1959 العامل المكافئ للدور المصري. ويجسد مجلس التعاون العربي الذي انضمت اليه الاردن قبل أن يتقوض بسبب حرب الخليج واحدة من تجليات الحسين التكتيكية على هذا الدرب. إن المخاطر الخارجية التي تتهدد الدور الأردني تأتي على الدوام من الصراع العربي الاسرائيلي وتبعاته وهي ولاشك مخاطر متصاعدة في هذه الفترة الحاسمة ذلك ان اتفاق (واي بلانتيشن) قد تعطل فعليا وبات يسبب من مصادر التوتر ما يفوق أغراضه في تسوية أوضاع الفلسطينيين في الضفة وغزة, ومن المتوقع أن ينفجر الموقف في الأرض المحتلة, فيما بين السلطة الفلسطينية وحكومة تل أبيب سواء أعلن ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية أو لم يفعل ناهيك عن التفاعلات السلبية فيما بين سلطة عرفات وحركتي حماس والجهاد ولا مراء في أن مثل هذه الوقائع المرتقبة سوف تدفع بالأردن الى قلب الأحداث سواء قبل الملك عبدالله أن يرث دور الحسين كوسيط يهدئ الخواطر ويستمزج الحلول او عادت تل ابيب الى مقولاتها العتيقة الداعية لان يكون الاردن بمثابة (الوطن البديل) للفلسطينيين. ويزيد الامر تعقيدا ذلك التفاعل الذي يبديه الداخل الاردني تجاه تطورات الاحوال في الاراضي المحتلة, طالما كان الاردنيون من أصل فلسطيني يؤلفون حوالي نصف عدد السكان في المملكة. واذا كان الملك حسين قد استطاع بحكم علاقاته الحسنة مع تل ابيب ان يجنب مملكته الوليدة مصير (الوطن البديل) فان الامور قد لا تسير على نفس الوتيرة بالنسبة للملك عبدالله حيث احتدمت الصراعات في المنطقة وبات من الملح التوصل الى مخارج للأزمة التي تعاون على نسج حبكاتها كل من الصلف الصهيوني والانحياز الامريكي. ولعل الرئيس السوري حافظ الأسد بزيارته الأخيرة لعمان قد أراد أن يطوى صفحة الماضي مع الاردن لينبه العاهل الجديد الى ان ثمة طريقا جديدا يمكن أن يسلكه الاردن للحفاظ على كيانه غير سبيل اضعاف جيرانه في مواجهتهم مع اسرائيل. ويأمل الأسد في أن لا يزيد عبدالله بآرائه المعلنة بشأن علاقاته الحسنة مع المسؤولين الاسرائيليين من تعقيد الامور في وقت تسعى فيه تل ابيب للضغط على سوريا سواء في الجولان او في لبنان. اذ من المعروف ان السياسة الاردنية التقليدية منذ نشاط الحركة القومية العربية بمختلف احزابها كانت تقوم على (التحسس) تجاه الافكار التي تروج لاعتبار بادية الاردن بمثابة الامتداد الجنوبي لسوريا الكبرى او بلاد الشام وهو ما يفسر بصورة جزئية العلاقات الحميمة مع العراق حتى في أوج تناقض الأخير مع تحالفات الأردن على الصعيد الدولي. والذي لا جدال فيه أن أي انحياز اردني تجاه الخطط الاسرائيلية الحالية سينظر اليه في دمشق بوصفه تهديدا للتوازن الحرج الذي تحرص عليه سوريا من أجل دعم مواقفها في جنوب لبنان من ناحية وفعاليتها في أي مفاوضات مستقبلية تتصل بالوضع في الجولان. وفيما بين التصورين الاسرائيلي, والسوري لدور الاردن تقع سلطة الملك الجديد الذي يحظى بدعم أولي ومباشر, اقتصاديا وسياسيا, من ادارة كلينتون ليس فقط للدور الاردني المحوري في الصراع العربي الاسرائيلي, ولكن أيضا لدوره الحيوي في المسألة العراقية. وهنا ايضا تقع عمان بين طرفي سندان, احدهما في واشنطن التي تأمل في ان تتخذ من الحدود الاردنية نقطة انطلاق لا لحصار العراق اقتصاديا ولكن لدعم عناصر المعارضة العراقية بغرض اسقاط نظام صدام حسين من الداخل وفق اخر التصورات الاطلسية المعلنة. خاصة مع معارضة كل الاطراف الاقليمية لتقسيم العراق, بما في ذلك ايران وتركيا, وهو ما قلل الى حد كبير من فرض (الخيار الكردي) ضمن الحلول المقترحة لاسقاط حكومة بغداد. وفي المقابل فان العراق يراهن على المصالح الاقتصادية المتبادلة مع الاردن والتي قامت وزادت اهميتها في ظل الحصار المفروض على العراق وأيضا على الهاجس الاردني تجاه سوريا, والى أبعد من ذلك فان بغداد ربما تريد ان تؤكد على ما فهمه الحسين سابقا من أن أهمية مملكته الصغيرة انما تكمن في استمرار المخاطر التي يجسدها (الكبار) في المنطقة, وان زوال احد هؤلاء الكبار لن يجر سوى الويلات على الاردن. وليس بخافٍ على ذوي الفطنة تلك البادرة التي اظهرتها السعودية للعاهل الجديد عندما اعربت, والملك الراحل لم يوسد التراب بعد, عن استعدادها لتأمين واردات الاردن من النفط, لعل ذلك يحرر عمان من الرابطة الواهية مع العراق. اما الملف المصري فلربما كان اقل الملفات ازعاجا للعاهل الاردني ذلك ان القاهرة لا ترغب بالفعل في اختفاء دور الاردن بالمنطقة وان كانت رغباتها تتعارض الى حد بعيد مع ما تطالب به اسرائيل من دفع للعلاقات مع الاردن وخاصة على صعيد التعاون الاقتصادي والتجاري والتخطيط الاقليمي. فمصر ترى في (الهرولة) السابقة للاردن خلال مؤتمرات التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط دعما لمحاولات السيطرة الصهيونية على الأسواق العربية لقاء ارباح زهيدة تحوزها الرأسمالية الأردنية, واضعافا للطموحات المصرية في المنطقة في ذات الوقت, وتهديدا أيضا لفلسفة (الارض مقابل السلام) والتي تربط بين حل او بالادق تسوية اوضاع الفلسطينيين في الضفة والقطاع واقرار الانسحاب من جنوب لبنان والجولان وبين تطبيع العلاقات مع تل ابيب. هذه الملفات التي جاء اصحابها (بقضهم وقضيضهم) الى وداع الملك الراحل هي أبرز هموم الحكم الجديد ولعل (ثقل) الوفد الاسرائيلي الذي يكاد يعادل ثقل الوفد المصري (رئيس الدولة ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان في الدولتين) يعطي مؤشرا عن حجم الضغوط التي يتعرض لها عبدالله بن الحسين وهو يتأهب للجلوس على كرسي العرش. ويزيد من فداحة العبء أن الخيارات المتاحة ليست بمنجاة من حسابات داخلية دقيقة يمليها (الوضع الدقيق) للملك عبدالله داخل الأسرة الهاشمية وكذلك الأوضاع المستجدة على الساحة السياسية في الأردن وهو ما يستحق بمفرده حديثا كله شجون وشؤون.