ما من شك ان غياب الملك حسين, قد أحدث حالة من الجدل الحذر بين مجموع القوى الاقليمية, خاصة بعد التغييرات المفاجئة التي احدثها الملك حسين قبل وفاته بأيام بتسليمه ولاية العهد لنجله الاكبر(عبدالله) بدلاً من أخيه (الحسن) الذي يعد الرجل الثاني في صياغة السياسة الاردنية على الصعيدين الداخلي والخارجي. وقد اعتبر البعض ان هذه التعيينات تحمل دلالات سياسية كبيرة أثارت مخاوف شديدة عندهم فيما أعتبرها البعض الآخر ان هذه التغييرات مسألة داخلية متعلقة بوضع العائلة وحسب وأنها لا تخرج عن كونها قضايا اجرائية في أحقية الخلافة بين ذات البين. الا أن الشارع الاردني تلقى هذه الخطوة بالدهشة, فالبرغم من أن الاوساط السياسية الاردنية المناوئة لــ (ولي العهد) دأبت, مؤخراً, على توجيه النقد العلني لشخصه واتجاهاته. لكنهم يرون فيه الرجل القوي الحاضر في السياسة الاردنية منذ عام 1965 وأنه ضمانتهم الوحيدة لحفاظه على (خط الاردنة) ما يجعل اقصائه اخلالاً بالتوازن الدقيق في البلاد. لكن هذه المواقف لم تعف كل هذه الاطراف مجتمعة على الاتفاق غير المبرمج او المتفق عليه سلفاً, ان الاردن سيواجه استحقاقات سياسية كبرى ستكلفه ثمناً باهظاً. وقد تطال هذه الاستحقاقات مستقبله كبلد مستقر, ان كان لجهة الداخل المأزوم اقتصادياً واجتماعياً, ام لجهة الخارج الاسرائيلي المتربص والذي ينتظر اللحظة او الفرصة المواتية ليعيد الى الاذهان من جديد قضية (الوطن البديل) , أو (الخيار الاردني) لحل كل ازماته الداخلية بسبب بقاء الفلسطينيين على أرضهم, على حساب الاردن. وليعيد ما أمكن الرابط الاردني الذي وهن بسبب اتفاقات اوسلو مع الضفة الغربية, آخذاً الطرف الاسرائيلي بالحسبان, أن الملك الشاب سيصعب عليه التخلص كلياً من الطموحات التي ورثها حديثاً من والده الملك حسين فيما يخص الشأن (الاردني ــ الفلسطيني) . وأن ما قطعه رابين قبل مقتله للملك حسين بشأن الاماكن الاسلامية المقدسة بات ضرباً من الخيال, وقد انتهى مع انتهاء رابين نفسه, لأنه هو الاخر اصطدم بالمخططات الاسرائيلية الاستراتيجية.. وقد باتت الانظار الاسرائيلية تتوجه بشكل جاد باتجاه صياغة جديدة للجغرافيا الاردنية ـ الفلسطينية, بالتوافق الكامل مع التوجهات الامريكية. ولعل اتفاق (واي بلانتيشن) وما تلاه كان العلامة البارزة لجملة الاهداف التي تتوخاها اسرائيل باتجاه المملكة الاردنية. وليس مستغرباً القول أن التعنت الاسرائيلي الذي برز من قبل نتانياهو قبل توقيع الاتفاق مع الفلسطينيين, كان هدفه الاول والاخير منع قيام دولة فلسطينية مستقلة بجوار اسرائيل وأن سقف الحلول المطروحة يجب وبالضرورة أن تكون في اطار الكونفدرالية او الفدرالية مع الاردن, وأن القدس الموحدة عاصمة اسرائيل وعمان هي عاصمة الكونفدرالية. ولعل هذا التوجه او السيناريو الاسرائيلي ــ الامريكي, كما وصفه البعض سيحدث جملة من المتغيرات الدراماتيكية داخل الاردن وداخل الاراضي الفلسطينية المحتلة.. وقد كشفت هذا المخطط صحيفة (الواشنطن بوست) عندما اشارت الى أن سكان الاردن الاصليين هم بمثابة (الاقلية) , أي أنهم سيكونون الاقلية بالنسبة لاعداد الفلسطينيين, ومن الضروري أن يتقبلوا هذه النتائج لسيادة السلام في المنطقة. وقد جاءت اعادة الانتشار الذي امر بها نتانياهو بعد ان قبل رئيس السلطة الفلسطينية والملك حسين بهذه الشروط الصعبة, وأن وصف كلينتون للملك بأنه أشجع رجل سلام جاء من هذا المنطلق, أي التخلي عن كثير من صلاحيات الاسرة الحاكمة في الاردن لمصلحة الحل النهائي. والذي سيترتب عليه اعادة الارتباط بعد فك الارتباط الاداري والقانوني الذي حصل في الحادي والثلاثين من يوليو 1988. بالاضافة الى العودة لاستحضار القرارات السابقة ومنها قرار وحدة الضفتين الذي صادق عليه مجلس الامة الاردني باعتباره قراراً مصيرياً له أبعاده السياسية والدستورية سنة 1950. وهذا يتطلب استكمال عملية الربط بين الضفة الغربية وغزة والضفة الشرقية. واستكمال المشاريع الاستيطانية بأقصى سرعة ممكنة كخطوة أولى. اما الخطوة الثانية, احداث المزيد من الازمات الداخلية الاردنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والامنية المصطنعة والمسيطر عليها من الخارج, وخلق حالة من الفراغ السياسي, واستكمال ضرب الاتجاهات السياسية الشرق اردنية التي تنادي (بالاردنة) ومحاولة تقويض دور البيروقراط الاردني وفسح المجال امام البيروقراط الفلسطيني لشراكة اكبر في الحياة السياسية الاردنية. وعلى ما يبدو ان الحسن كان كبش الفداء لهذا التوجه الضاغط من قبل الولايات المتحدة وزيارة وزيرة الخارجية الامريكية ومباركة تولية الامير (عبدالله) حملت هذه التوجهات المكشوفة من قبل حكومتها ازاء الشأن الاردني الداخلي. وقد تساوق الكثير من الفلسطينيين مع هذه الخطوة وتحديداً البرجوازية الفلسطينية في كلا الضفتين, واعطاءها المشروعية باسم الاخوة ووحدة المصير والهدف بين الشعبين الفلسطيني والاردني. اما الخطوة الثالثة فستكون استثمار جملة الازمات الداخلية والخارجية, لاعلان مملكة دستورية تملك ولا تحكم أسوة ببعض دول العالم مثل بريطانيا والدانمارك والسويد وغيرها. وخلق او استحداث حكومة ترضي جميع الاطراف العربية واسرائيل, وستضم بين صفوفها عدد كبير من الشخصيات المعارضة, وذات اتجاهات ايديولوجية متنوعة, تكون قادرة على اقناع الشارع الاردني الفلسطيني على أنها الاقدر على الخروج من جملة الازمات الحادة التي تعصف بكلا الضفتين, وأنها الاكثر قوة على مواجهة الاستحقاقات والمخاطر الاسرائيلية المقبلة, الهادفة الى تفتيت مقدرات الشعبين, وأنه لا بديل عن وحدة الضفتين وغزة المربوطة برياً تحت أي تسمية او عنوان كحل يضمن وبشكل نهائي الخروج من دائرة الصراعات والمنافسات البينية. ويرسي اساس وحدوي. بذلك تكون اسرائيل قد منعت قيام دولة فلسطينية ولو لساعة, وأنها قد انتصرت في سلامها المزيف المنطلق اساساً من أنه لا توجد في نفس المنطقة الا دولتان فقط: اسرائيل والاردن وتمتد الاردن على أربعة اخماس المنطقة التي خصصتها في هيئة عصبة الامم, وطناً قومياً للعرب, اما الدولة الثانية, اسرائيل, فيبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة, سدسهم عرب, ولا تزيد مساحتها على خمس المنطقة التي خصصت لليهود حسب الانتداب.. وهناك ثمة حل موضوعي وعملي للنزاع بين الشعبين, يتمثل في اقامة دولتين: دولة يهودية لليهود المقيمين غرب النهر, ودولة عربية للشعب العربي الذي يقيم معظمه شرق النهر. وأنه بذلك تتحقق الطموحات الوطنية للعرب الفلسطينيين في أرض اسرائيل الانتدابية الموجودة حالياً تحت سيطرة العرب في دولة الاردن. وقد أكد على هذا المخطط الكاتب (اسرائيل هارييل) في صحيفة (هآرتس) قبل أيام, حيث قال: ان اسرائيل (يمكنها المساعدة على انشاء هذا الكيان او الحؤول دونه.. وبعد اثبات نواياه الصادقة, يمكن ان يشغل جزءاً من الاردن الحالي ويتصل بأراضي الضفة الغربية التي أعطيت لعرفات, وسيكون الكيان الفلسطيني اكبر من اسرائيل. عندها يمكن ان نضم الاجزاء المتبقية من الضفة الغربية التي ما تزال بأيدينا.. واذا ما سوقنا هذا المشروع بدلاً من تضييع جهودنا في سبيل تخليد مملكة مترنحة ستنهار لا محالة.. فسنخدم مصالحنا ومصالح جيراننا أيضاً ونخلق مناخاً يؤدي الى تسوية سلمية. لكن ثمة اوساط سياسية مطلعة فلسطينية وعربية تجمع على أن اسرائيل ستعمل كل ما بوسعها لاستحداث خلل أمني كبير في الاردن يصل حد الاحتراب, فيما بين ابنائه, ويزيد من أزماته الداخلية. كونها الطرف الاقوى المؤهل للدخول الى الاردن عسكرياً, والاستظلال بملحقات وادي عربة الامنية الموقعة بين الطرفين (الاردني ــ الاسرائيلي) , والتي تسمح بالتدخل بحجة الحفاظ على الامن لكلا الطرفين.. وان اسرائيل تسعى وبشكل جاد لخلق مناخ يسمح لها التدخل عسكرياً بهدف الوصول الى الحدود العراقية خاصة بعد أن تعذر على الولايات المتحدة اسقاط النظام العراقي. والالتفاف على سوريا سعيا لفرض شروطها واملاءاتها على كل الاطراف العربية. ومن خلال وجودها في الاردن ستقوم بعقد كونفدرالية مع الاردنيين كمقدمة للتنفيذ القسري للشرق أوسطية وتعميمها على المنطقة بالقوة والاخضاع. لكن السؤال الابرز هل سيضمحل الموقف العربي فعلاً ازاء كل هذه التطورات اذا ما حصلت؟ وهل سيكونون فريسة سهلة المنال لهذا الحد؟. كل هذه القضايا تبقى رهن التطورات التي قد تستجد على الساحة الاردنية ــ الفلسطينية. ومدى قدرة القوى الفاعلة على خلق آليات جديدة لمواجهة ما يخطط لهم. كاتب فلسطيني