قبل الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1919) وما بعدها بسنتين لم يكن الاردن موجودا كدولة على الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط . ويمكن القول ان البداية ترجع الى اندلاع الثورة العربية ضد الاتراك في عام 1915, بقيادة الشريف حسين بن علي ــ الجد الاكبر للملك الراحل حسين بن طلال, وكان حينذاك واليا على الحجاز ولقبه الرسمي شريف مكة, فأعلن نفسه ملكا. ولم يجد صعوبة كبيرة في طرد الحامية التركية الصغيرة التي وقع معظمها في الأسر, ولم ينجح منها سوى عدد قليل فروا الى الشمال.. كانت الامبراطورية العثمانية حينذاك غارقة الى آذانها في الحرب الى جانب الالمان ضد التحالف البريطاني الفرنسي.. ووجدت بريطانيا الفرصة سانحة لتوجيه ضربة قاصمة لتركيا من ناحية الشرق, فقدمت مساعدات عسكرية واقتصادية لقوات الملك حسين بن علي التي كان يقودها اولاده.. وفي مقدمتهم فيصل الذي كان ضابطا بالجيش التركي وتمكن من الهرب والانضمام الى الثوار, وعبدالله الذي كان لايزال في صدر الشباب.. وبمساعدة البريطانيين.. الذين برز منهم في ذلك الحين اسم الكولونيل لورانس ــ تمكنت قوات الثورة العربية من إلحاق سلسلة من الهزائم بالفلول التركية التي أخذت تتقهقر نحو الشمال حتى وصلت الى تخوم دمشق وحماه.. وفي نفس الوقت كانت الحرب في اوروبا تدخل مرحلتها الأخيرة بانتصار حاسم للحلفاء وهزيمة اكثر حسما لألمانيا وتركيا, وحان وقت اقتسام الغنائم وتمزيق اوصال المهزومين.. وكان البريطانيون والفرنسيون قد اتفقوا قبل انتهاء الحرب, ووفقا لمعاهدة سرية سميت باسم (سايس بيكو) , وهما الدبلوماسيان اللذان وقعاها نيابة عن الدولتين ــ على تقسيم المنطقة التي اصبحت تسمى بعد ذلك باسم الهلال الخصيب: العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. فيما بين الدولتين: فيكون العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني, بينما يكون لبنان وسوريا من نصيب فرنسا.. وفيما بين المنطقتين, شرقي نهر الاردن, منطقة عازلة, لم تكن اكثر من صحراء جرداء تتجول فيها قبائل البدو: بني صخر في الشمال, والحويطات في الجنوب.. ولم يكن فيها مطمع لاي من الدولتين الكبيرتين.. كان هدف الملك حسين بن علي من الثورة التي قادها هو اقامة دولة عربية مستقلة كبرى تضم شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب. وقد وعده الانجليز بمساعدته على تحقيق هذا الهدف في مقابل استمرار حملته ضد الاتراك بعد طردهم من الحجاز. وقد وفى الرجل بالتزاماته, وفقد اكبر ابنائه الثلاثة في الحرب, وما من شك ان جزءا كبيرا من النصر الذي احرزه الحلفاء انما يرجع الفضل فيه الى الثورة العربية التي شغلت القوات التركية عن المساهمة بدور اكثر فاعلية في المعارك الدائرة بأوروبا. ولكن معاهدة فرساي التي وضعت خريطة العالم الجديد بعد هزيمة المانيا وتركيا وأقرت انتداب بريطانيا وفرنسا وفقا لمعاهدة سايس بيكو السرية تجاهلت تماما طموحات الثورة العربية, ونسى الانجليز وعدهم بتحقيقها عندما يتم لهم الانتصار.. وعندما اجتمع الملك حسين بن علي مع وزير الخارجية البريطاني حينذاك, لورد كيرزون ليطالبه بتنفيذ وعود (حكومته) قال له هذا بوضوح: (ان حكومة جلالة الملك لا يمكن ان تقبل بوجود دولة عربية موحدة بهذا الحجم في هذه المنطقة) .. اي ان عليه ان يكتفي بالحجاز.. وبعد مفاوضات مطولة, زاد من صعوبتها بالنسبة للملك حسين بن علي ان موقفه في الجزيرة كان قد راح يهتز بشدة نتيجة تقدم قوات بن سعود من الشرق في اتجاه مكة والمدينة. وافقت بريطانيا على ان ينصب الامير فيصل ملكا على سوريا, على أن تبقى سوريا مستقلة عن الحجاز.. ولعل الحسين بن علي لم يدرك حينذاك ان هذا الاتفاق لم يكن اكثر من حبر على ورق, لان بريطانيا كانت قد قررت ان تتخلى عنه نهائيا بعد ان استنزف قواه في محاربة الاتراك, ولم يعد باستطاعته الحيلولة دون تقدم ابن سعود, ومن ناحية اخرى فان سوريا كانت تحت الانتداب الفرنسي, ولم يكن بوسع فيصل ان يصبح ملكا عليها الا بعد موافقة الفرنسيين.. والذي حدث هو ان فرنسا لم توافق بل استخدمت القوة المسلحة لطرد فيصل من سوريا.. ومرة أخرى يجتمع حسين بن علي مع لورد كيرزون الذي كان بيده الحل المثالي.. الا وهو ان يتوج فيصل ملكا على العراق بدلا من سوريا.. ولم يكن بوسع الملك حسين بن علي سوى ان يرحب بهذا الحل, الا انه سأل وزير الخارجية البريطاني.. وماذا عن ولدي عبدالله؟ ان نصيبه في إلحاق الهزيمة بالاتراك لا يقل عن فيصل.. فرد لورد كيرزون الخريطة امامه, ونظر الى خط تقسيم مناطق النفوذ الذي يحمل بصمات سايس وبيكو. ثم وضع اصبعه على المنطقة العازلة بين مواضع الانتداب الفرنسي والبريطاني شرقي نهر الاردن.. وقال: هنا يستطيع عبدالله ان يكون اميرا على هذه المنطقة.. خصوصا وان قبائلها الرحل, بني صخر والحويطات, يدينون بالولاء للأسرة الهاشمية.. وهكذا كان مولد امارة شرق الاردن وعلى رأسها الامير عبدالله جد الملك حسين بن طلال الذي شيعه العرب جميعا الى مثواه الاخير منذ أيام.. واستمرت امارة شرق الاردن تحت الانتداب البريطاني نحو ربع قرن حتى انتهى عام 1946, فأصبحت مملكة, واصبح الامير عبدالله ملكا. وبعد عامين عقد معاهدة مع بريطانيا تعهدت بمقتضاها ان تقدم لمملكة شرق الاردن معونة مالية سنوية, ظلت لأعوام طويلة هي المصدر الرئيسي لموارد المملكة, وكان معظمها ينفق على بناء (الفيلق الاردني) .. وكان جيشا نظاميا جيد التدريب, وقوامه الاساسي من رجال العشائر الاشداء الموالين بقوة للملك الهاشمي.. وفي عام 1948, وبناء على قرار الجامعة العربية, دخل الاردن الى جوار مصر وسوريا والعراق الحرب ضد العصابات الاسرائيلية.. ولكن الحرب اسفرت عن تثبيت اقدام اسرائيل من ناحية, وضم الضفة الغربية الى شرق الاردن من ناحية اخرى, فاصبح اسم الدولة منذ ذلك الحين المملكة الاردنية الهاشمية. وكان هذا هو الانجاز الثاني المهم في حياة عبدالله بن الحسين.. منذ تولي العرش, أميرا ثم ملكا. اما الانجاز الاول فكان توحيد العشائر في وطن واحد, ما لبث ان اصبح دولة ذات سيادة وحدود معترف بها, ومضوا له في الجامعة العربية والمجتمع الدولي.. وعندما توفى عبدالله اغتيالا على باب المسجد الاقصى عام 1951, خلفه ابنه الملك طلال الذي لم يبق على العرش سوى عام وبعض عام, حيث ادت حالته الصحية الى تنحيته ليخلفه ولده الاكبر حسين.. وتبدأ الاردن منذ ذلك الحين مسيرة كبرى, حولت البلد الصحراوي الجدب الى دولة حديثة, كاملة المؤسسات, متنوعة الموارد, بنسبة أمية تقل عن 20 بالمائة, ومتوسط دخل سنوي يصل الى نحو 1400 دولار (أي أعلى من معظم الدخول العربية خارج الدول النفطية).. ومناخ ديمقراطي شهد في عام 1993 انتخابات تشريعية نظيفة على أساس التعددية الحزبية.. ويشهد التاريخ لفترة حكم الملك حسين التي استمرت 47 عاما انه استطاع ان يجتاز بسفينة الاردن سلسلة لا تنقطع من العواصف والانواء ربما كان اخطرها ضياع الضفة الغربية عام 1967 لصالح اسرائيل, وأزمة سبتمبر الاسود عام 1970 مع منظمة التحرير الفلسطينية والتي كادت تتحول الى حرب اهلية.. وصدامات لا حصر لها مع الجيران العرب.. واكثر من 12 محاولة اغتيال وقلب نظام حكم.. ولكن الملك حسين ــ الذي لم يسموه داهية العرب عبثا ــ كان يخرج من كل أزمة اقوى مما كان قبلها.. وأهم من هذا كله أنه لم يدع لاي من هذه الازمات ان تؤثر على مسيرة الأردن في سبيل التنمية ودعم الاستقرار والحفاظ على شعرة معاوية.. ويكفي أنه عندما انتقل الى رحمة الله منذ أيام, كانت علاقته بكل العرب ــ بما فيهم اعداء الامس الذين طالما تربصوا به الدوائر ــ قد استقامت واتخذت مسارا لا ثغرات فيه ولا ثارات... ولعلنا لمسنا ذلك في مشهد وداعه الاخير الذي لم يتخلف عنه احد من كل هؤلاء, حتى أولئك الذين هاجموا اتفاق السلام الاردني الاسرائيلي لعام 1994.. كانوا في مقدمة المشيعين.. ومن المؤكد ان التاريخ سوف يتحدث كثيرا عن الانجاز الذي حققه الملك حسين بن طلال على مدى ما يقرب من خمسين عاما.. حتى جعل من دولة صحراوية جدباء صغيرة اقتصاديا وجغرافيا وسكانا, ومحاطة من جميع الجهات بقوى اكبر منها حجما واثقل وزنا.. جعل منها الدولة المحورية في الشرق الأوسط, وليتيح لشعبها ان ينعم بمستوى معيشة ومساحة من الحرية يحسده عليها كل الجيران.. وعلاقات طيبة ومتوازنة مع كل دول العالم على اختلاف مصالحها وتوجهاتها ونزواتها ونواياها.. ولم يكن ذلك مهمة سهلة بحال من الأحوال.. وانما كان ولايزال يحتاج الى قدرة غير عادية على اتقان الحسابات والتوازنات.. وهذا بالتحديد ما يجعل الكثيرين من أصدقاء الشعب الاردني يضعون ايديهم على قلوبهم تحسبا لما يمكن ان يطرأ مع غياب الملك حسين بشخصه عن الساحة.. فمن الصعب ان نتصور احدا مهما اوتى من قدرات وكفاءات يمكن ان يكون على نفس مستوى دهاء الملك الراحل الذي لم يكتسب خبرته من فراغ, وانما نمت معه وتعاظمت من خلال العديد والعديد من التجارب المتنوعة, والخطيرة في معظم الأحيان.. وقد يزيد من القلق ان التطورات الاخيرة عشية وفاة الملك حسين ابعدت عن الواجهة أخيه الحسن الذي رافقه في مسؤولية الحكم نحو 38 سنة ولابد انه اكتسب خلالها الكثير من خبرات الملك الفقيد.. بينما كان الوريث الشرعي الذي تولى العرش فيما يبدو بعيدا عن الممارسة اليومية لمهام السلطة ومشاكلها.. ولكن هناك عوامل عديدة ادعى الى التخفيف من هذا القلق.. منها ان الاردن ــ وبفضل بعد نظر الملك الراحل ــ قد أصبحت دولة مؤسسات بمعنى الكلمة.. وقد استكملت مؤسساتها منذ الانتخابات التشريعية النظيفة في عام 1993, فلم يعد بها ثغرات تسمح بتقلبات غير متوقعة في السياسة, او الاقتصاد, او العلاقات مع الدول الاخرى.. ومنها ان كل جيران الاردن بما فيهم اسرائيل قد وصلوا ايضا بفضل الملك حسين الى اوضاع مستقرة في علاقاتهم بالاردن عموما ــ وبالأسرة الحاكمة بنوع خاص, بحيث لم يعد في مصلحة اي منهم السعي لاي تغيير في هذه السياسة.. ومنها ان الجهات المشاركة في صنع القرار بالاردن لابد وانها تدرك حجم الفوائد التي عادت على البلاد نتيجة سياسات الملك الراحل.. ومن ثم فسوف تعمل حريصة على استمرارها.. ومنها ايضا ان سياسة الوفاق والمشاركة بين العشائر الذين ينتمون الى أصول بدوية والمدنيين الذين ينحدر عدد كبير منهم من أصول فلسطينية قد نجحت ــ رغم ذكريات سبتمبر الاسود في تخطي وتذويب اية فوارق بحيث اصبح الكل الان اردنيين فخورين بوطنهم.. وشركاء في طموحاتهم.. اذن, ليس هناك مبرر ذاتي, او موضوعي للقلق.. على الاقل في المنظور القريب.. حتى فيما يتصل باسرائيل ــ سواء بذاتها او باعتبارها رأس الرمح للسياسة الامريكية بالمنطقة ــ فقد حصلت على كل ما تبغيه من الاردن بفضل اتفاق السلام عام 1994 ــ من مصلحتها استقرار الوضع على ما هو عليه.. وليس لدى السعودية او مصر او العراق او سوريا اية اطماع اقليمية او خلافات حدودية مع الاردن.. كما ان منظمة التحرير الفلسطينية التي مازالت في حالة اشتباك مع الاطماع الاسرائيلية قد اقتنعت اخيرا بأنها تستطيع ان تستفيد كثيرا من تطبيع العلاقات مع الجار الاردني.. خلاصة القول انه بالرغم من ان الاردن بعد رحيل الحسين لن يكون ابدا مثلما كان في وجوده.. وان شبكة العلاقات في الشرق الاوسط لابد وأن تتخذ اشكالا جديدة بعد غياب الرجل الذي كان يمسك بالعديد من خيوطها الاساسية في يده.. فان الاقرب للمنطق هو ان سياسة الاردن في ظل الملك الشاب ستسير على نفس النهج الذي خطه والده.. شرط واحد لابد منه حتى لا تحدث اية مفاجآت.. ذلك هو أن تحافظ الأسرة الهاشمية على تماسكها, بل تلاحمها, فلا تترك أية ثغرة لمناورات او مغامرات.. ويقيننا ان هذا الشرط موجود.