من البديهي, في أي قراءة مستقبلية للتغيرات السياسية المحتملة في مكان ما وزمان ما, أن تحدد طبيعة التحديات التي يمكن أن يجابهها المتغير الجديد فالتحديات هي المحدد الأكبر للتوجهات . وفي حالة الاردن التي ودعت أحد أطول حكام العالم بقاء في سدة الحكم, لتستقبل على عرشها واحداً من أصغر حكام العالم سناً, فإن التحديات. في المديين القصير والمتوسط. يمكن تقسيمها الى عنصريها الواضحين: تحديات داخلية, وأخرى خارجية. ومن البديهي أيضاً أن هذين الحقلين ليسا منفصلين عن بعضهما البعض, فهما متداخلا التأثير ولو على مستوى التفاعلات المحدودة. لكن ما دام الحديث مركزا على تحديد التوقعات, فإن الأفضل هو المعالجة الكلية, فلنرصد التحديات, ومنها يمكن أن نستشف التوجهات المتوقعة تحديدا عن الاوضاع الداخلية في الأردن. يمكننا أن نرصد عدة قوى داخلية هي مناطق الاستقرار او عدم الاستقرار في الاردن, وفي مقدمة هذه القوى تأتي المؤسسة العسكرية, وترتيبها المتقدم في سلم الأولويات ناتج عن قناعة بأننا نتحدث في النهاية عن بلد من العالم الثالث برغم اي ملاحظات عن لمسات مؤسسية هنا او هناك, أو ملامح ديمقراطية ليست حاسمة حسماً نهائياً في توجهات الحكم. وبعد المؤسسة العسكرية تتوالى في سلم التحديات الداخلية امام ملك الاردن الجديد عبدالله بن الحسين: البدو, ثم فلسطينيو الاردن, فالمعارضة الاردنية. خاصة الحركة الاسلامية. وبعد ذلك تأتي الاسرة المالكة, واخيراً الحالة الاقتصادية الصعبة والهشة ايضا في الاردن. بالنسبة للمؤسسة العسكرية, فإن قضاء الملك عبدالله معظم عمره العملي بين صفوفها حتى وصل الى رتبة لواء وقائد للقوات الخاصة ذات الحساسية في تركيب الجيش الاردني, تقطع بولاء هذه المؤسسة للملك الجديد, ومن ثم فهي ليست فقط نفياً لعنصر متحد, بل هي مصدر دعم محتمل في مواجهة التحديات الأخرى, ومن ثم يمكننا أن نتوقع ارتفاعاً في اسهم المؤسسة العسكرية لدى الملك الجديد ومزيداً من الاعتماد عليها ولو من وراء ستار إعلامي ديمقراطي. أما عن البدو, فإن التركيبة القبلية والعشائرية وتراث هذه الفئة يشير الى استمرار ولاء بدو الاردن للملك الجديد كجزء من ولاء قديم للاسرة الهاشمية الحاكمة خاصة للملك حسين الذي وثق روابطه الانسانية بهذه الفئة وقادتها التقليديين. ويمكن ان نتوقع تبعاً لذلك ابرازاً لعلاقة القصر ببدو الاردن في المرحلة المقبلة من بدايات حكم الملك الجديد. وعن فلسطينيي الاردن فان طبيعة وجودهم في الاردن, وهو وجود حذر تفرضه المصالح ومحدودية البدائل وميراث الاخطاء كما في سبتمبر 1970, اضافة لعلاقة المصاهرة بين الملك عبدالله والفلسطينيين, فمن غير المتوقع ان يمثل الفلسطينيون في الاردن اي نوع من التحدي للحكم الجديد, ومن ثم يمكننا أن نتوقع ان يظل مستوى التفاعل بين القصر والفلسطينيين الاردنيين على ما كان عليه دون زيادة, عكس ما يمكن ان توحي به القراءة العاطفية لكون ملكة الاردن الجديدة هي فلسطينية الاصل. بعد ذلك نأتي الى اوضح التحديات, وان لم تكن اخطرها على المستوى الفعلي, وهي المعارضة من فصيل الاسلام السياسي, فأتباع التيار الاسلامي في الاردن يمكن ان نتوقع منهم انتقادات توجه بصوت مسموع الى الملك عبدالله نظراً لخلفيته الثقافية الغربية والتي تجلت في صعوبة تحدثه بلغة عربية مفوهة كان يتمتع بها والده. لكن هذا العنصر من التحدي تقلم أظافره سابق حنكة الملك حسين الذي اخرج نشاط هذا التيار الى النور فوضعهم تحت مظلة قانونية وجعل تحركاتهم واضحة وقابلة للاحتواء, لكن يمكننا ان نتوقع درجة من التنائي ازيد بين مؤسسات الملك الجديد وفعاليات ورموز تيار الاسلام السياسي خاصة مع غياب الامير حسن عن منصب ولاية العهد. وعن الأسرة الحاكمة في الاردن فإنها تشكل بالطبع تحديا كامناً. يمثله حنق الامير حسن على ازاحته بعد 34 عاماً في ولاية العهد. لكن ميزان القوى داخل الاسرة الهاشمية الحاكمة في الاردن يقلل من شأن هذا التحدي. على المديين القريب والمتوسط مستقبليا. فعاطفية افتقاد الملك الراحل يمكن ان تجمع افراد الاسرة حول الملك الجديد على اعتبار ان توليه الملك جاء تحقيقاً لرغبة الملك الراحل كما ان تولية الامير حمزة ولاية العهد هي تحقيق آخر لرغبة الملك حسين. نجىء اخيرا للوضع الاقتصادي الهش في الاردن كنوع من التحدي امام الملك الجديد, وهنا ايضا يمكن الحديث عن المديين القريب والمتوسط كزمن انتفاء لأي مأزق عاصف يمكن ان يواجه الملك عبدالله. فمن ناحية هناك حالة تأهب لدعم الملك الجديد, وابرز نماذجها الشيخ زايد رئيس دولة الامارات وتعاطفه الواضح مع الملك الراحل وبنيه, بل هناك حديث شبه واضح عن دعم اقتصادي كما ان ذهاب الملك حسين يمكن ان ييسر فتح صفحة جديدة مع الملك عبدالله. كادت تبدأ في اخريات ايام الحسين بين عناصر اقتصادية خليجية فاعلة كالكويت والمملكة العربية السعودية, وثمة تصريحات عن نفط كويتي وسعودي للاردن الآن. من ذلك كله يمكننا الا نتوقع اية تغيرات داخلية دراماتيكية في اردن الملك عبدالله بن الحسين, خاصة في المديين المشار اليهما. اما على المدى البعيد, فان خلفية الملك الثقافية وعاطفية الميراث الطبيعي, تشيران الى نوع من الانفتاح القادم على ثقافة الغرب, خاصة في ظل زحف العولمة كسيادة للمعرفة والتقنية الغربيتين, اضافة لان موازين القوى في المنطقة تفرض الغاء حدة الصدام الثقافي والاقتصادي مع الغرب, خاصة من كيان حساس كالاردن. والحديث عن التوجهات المحتملة للعهد الجديد, في المدى البعيد يمكن ان تكون بموازاة اضافات جديدة على الصورة توطد اركانها, كتراكم خبرة الملك عبدالله والتغيرات المتسارعة في (عولمة) الكوكب, ومن ثم فإن التغيرات البعيدة سيصحبها دعم من تغيرات مستقبلية محتملة.