عندما تكتب السيرة السياسية التفصيلية للملك حسين, سيكون ابرز ما فيها فصلان, هما اكثر ما يهم التاريخ من تراث الملك حسين.. الأول هو ما يتعلق بضياع القدس, وهذا فصل عاصف ليس من تاريخ الملك حسين وحسب, وانما من تاريخ العالم العربي والأمة الاسلامية بل وتاريخ الاديان, وما يسمى بصراع الحضارات .. اما الفصل الثاني وهو ما سنتابع بعض ملامحه في هذا المقال فهو التطور السياسي والدستوري والمؤسسي للأردن, فابرز انجازات الملك حسين هي حالة الاستقرار والتقدم السياسي الذي ترك عليه البلاد. واذا طرحنا عامل المثالية والرومانتيكية جانبا, وانفتحنا بعقل براجماتي على التحليل والتقويم, كان لابد ان نعترف بهذا الانجاز. لقد خاض الملك حسين صراعات سياسية لافحة لأكثر من عقدين من الزمان, وعاش ازمان البلبلة والقلقلة والمؤامرات التي استهدفته بما فيها محاولات الاغتيال الاثنتا عشرة, ولكنه تجاوز كل ذلك وطواه ليصل الى وفاق او شبه وفاق مع خصومه وليرسي نمطا سياسيا منفتحاً بقدر الامكان يمكن ان يتطور مع مرور الزمان. فن الممكن.. لا المستحيل لم يكن الملك حسين سياسياً حالماً ولا راديكالياً, وانما اتبع الاسلوب العملي الهادئ, الذي يوظف كل ما هو متاح لخدمة اغراض السياسة بلا تعلق بالمستحيل او غير المتاح, فوظف التقاليد, وولاء الجماهير, وكفاءته العسكرية, ومستشاريه, والقدرات الاقتصادية والعلمية لمواطنيه سواء من اصل اردني او فلسطيني, اضافة الى علاقاته الخارجية لخدمة اغراض الاستقرار والنمو والتطور. وبالطبع فلم يكن كل ذلك كافياً لانجاز كل الأهداف, بسبب فقدان بعض العوامل. ولكن الملك ركز بحكم السياسة كفن, على الممكن, لا على المستحيل.. وعلى قدر ما كانت تسمح الظروف كان يقود البلاد الى افق الانفتاح السياسي والتطور المؤسس المتدرج, وكان مذهلاً حيث انه عقب أزمة شعبية عنيفة, هي أزمة تظاهرات الخبز في ابريل 1989, قام بفتح مجال العمل السياسي للأحزاب, ولم يستثن من ذلك احداً حتى القوى التي اكتسحت أول انتخابات قامت على إثر ذلك.. كانت تظاهرات الخبز قد انفجرت احتجاجاً على رفع سعر الخبز, ولكن السياسة التي رفع على أساسها سعر الخبز, كانت سياسة اقتصادية اصولية تهدف الى تصحيح التشوهات التي تشوب السياسات الاقتصادية, وتمنع اي محاولة حقيقية للنهوض بالاقتصاد, فما دامت الاسعار اصطناعية ولا تعكس حقائق الاقتصاد البسيطة الاولى, فان اي محاولة للتخطيط الاقتصادي لابد ان تبوء بفشل ذريع.. من الصعب طبعا تفهيم الجماهير المطحونة هذا المنطق, ولكن لابد ان تفهمه يوماً ما, المهم تجاوز الملك تلك النقطة بدهاء اذ قام بعزل رئيس الوزراء مع وزرائه, وحمّلهم مسؤولية ذلك القرار. واتجه عوضا عن ذلك الى تحرير الوضع السياسي, اذ عجز عن تحرير الاقتصاد.. فربما يتم تحرير الاقتصاد من بعد مع توالي تحرير وتطوير الوضع السياسي, وانضاج الثقافة السياسية والاقتصادية للشعب. قناعة الملك الجديد كان لافتاً للنظر ان الملك الجديد عبدالله التقط تلك النقطة, فعبّر في أول مقابلة صحفية تجري معه, عن قناعته بأن أولى اولويات حكومته, ستكون معالجة الوضع الاقتصادي, وتطوير المؤسسات السياسية. وعلى عكس ما أبدى المراقبون الغربيون من انزعاج حاد على الوضع الاستراتيجي ومواقف السياسات الخارجية الاردنية, فان الملك الجديد ابدى قناعته بأن معالجة الوضع الداخلي هي همه الأول والأكبر. تدافع المراقبون الغربيون ليؤكدوا ان الوضع الأردني في خطر, وان الخطر عليه لا يأت من اسرائيل فقط, وان الغرب ينبغي ان يحذر, وان يضغط في سبيل ابقاء الاردن منطقة عازلة بين الدول العربية.. والى اخر ذلك الهراء الذي فاضت به وسائل الاعلام في الأسبوع الماضي, ولم ينفرد الا مراقب واحد خبير باوضاع الاردن هو السير جون موبلي السفير البريطاني السابق في الاردن والعراق, ليؤكد انه لا يوجد اي خطر ظاهر على الأردن لا من دولة راديكالية ولا محافظة, اما صحيفة (وول ستريت جورنال) التي وصفت الملك الجديد بأنه ورث عن ابيه الكاريزما, والكفاءة العسكرية, فقد شككت من طرف خفي في تملكه للحكمة السياسية والتسامح السياسي النسبي, وتوقعت بالتالي ان يضطر الى الاسراف في استخدام الجيش.. ولم يكن ذلك الا فرعا لتعامل الصحافة الغربية مع حكام العالم الثالث. وتوقعاتهم هذه لا تذكر فقط في سياق الحديث عن الملك عبدالله, الذي لا يعرفه المراقبون معرفة كافية حتى الان, وانما على سبيل التعميم الذميم, الجاهز السهل, الذي يتبرع به المحللون السياسيون والصحفيون الغربيون, لدمغ كل ما لا يعرفونه معرفة جيدة, او لا يريدون معرفته, او يعتقدون انه لا يستحق ان يعرف! انما الأصح في حالة الملك عبدالله ان يقال انه, بلا مانع قوي, فإنه سيتجه الى رعاية تراث ابيه الراحل, وتطوير ذلك التراث, اما المانع الاكبر الذي سيحول دون ذلك, فهو احتمال تفاقم النزاع السياسي, وسوء ادارة الاحزاب لذلك النزاع. ربما ظهرت بوادر شد وجذب في بداية عهد الملك الجديد, وذلك شأن طبيعي, بسبب تطلع البعض الى انتهاز الفرص, وتطلع آخرين الى التمكن اكثر في السلطة, لاسيما ان تعيينات كثيرة تمت في الأشهر الماضية, أجراها الأمير حسن, ولم تنل رضا الملك الراحل, وكادت ان تطال مؤسسة الجيش, وهو الأمر الذي أفزع الملك حسين, وأطار النوم من عينه للمرة الأولى في حياته كما قال.. وهنا ربما اتجه الملك الجديد الى معالجة امر تلك التعيينات, او ربما امضاها الى حين, وذلك حسبما يرى ويقدر. فربما يرى ان دواعي الاستقرار والانفتاح على مختلف وجوه النخبة السياسية تقتضي الابقاء على تلك التعيينات, وربما رأى ان من المصلحة اظهار هيبته, وإبداء قدرته الناجزة في اتخاذ القرار, بإبعاد تلك الوجوه. والاحتمال الأول ارجح وأفضل وأدعى الى تعزيز الاستقرار, وتدعيم قدرات الملك الجديد وقوته. فولاء اولئك الأشخاص سيتحول لصالح الملك بالتأكيد, ولن يبقى مع ولي العهد المعزول. هذا اذا افترضنا ان ثمة حساسيات او صراع مضمر بين الطرفين, وهو احتمال مرجوح. بل ربما اثبت الملك حنكته باتجاهه الى الاستفادة القصوى من الخبرات والافكار الثرية لعمه, تلك الخبرات والافكار التي ظل يراكمها منذ توليه منصب ولي العهد قبل اكثر من ثلاثة عقود. يعزز ذلك الاحتمال ان مجالات تركيز الأمير حسن كانت منصبة على شؤون الملف الاقتصادي, وقضايا المجتمع المدني التي تركها له اخوه, ليتولى التنظير لها مع مجموعات من الخبراء والعلماء السياسيين, بينما انفرد هو بتخطيط السياسة الخارجية والقضايا الاستراتيجية. ومشاكل الاردن الحقيقية الان ليست في علاقاته الخارجية, انما في شؤونه الاقتصادية والدستورية, والملك الجديد بتخصصه الاكاديمي في علم السياسة, ادرى بذلك, وهو حري بأن يوليها الرعاية الكبرى, والاعتبار الكامل, فتكون خير تعويض له عما يشير اليه اكثر المراقبين من حاجته الى الخبرة والتدريب. لم يعد الاردن في وضع مقلق ولا يحتاج الى ان يرهن نفسه لسياسات الدول الكبرى, التي تدري انها أشد حاجة الى دعم الاردن لمواقفها (اشار الى ذلك كيسنجر مؤخراً) , من حاجة الاردن الى دعمها له.. لا يحتاج الاردن الى دعم اولبرايت, ولا الى حفنة الدولارات الامريكية, اكثر من حاجته الى دعم اوضاعه السياسية الداخلية وتوطيد الاستقرار وتحرير اوضاع الاقتصاد. فقد انقضى الوقت الذي كان وجود الاردن نفسه موضع تهديد, انما اصبح الاردن مرجواً الان, لان يقدم نموذجا افضل للانفتاح والتعامل السياسي المتحضّر البعيد عن الغوغائية والعنف.. ودور النخبة السياسية في تحقيق ذلك دور كبير, ودور الشعب اكبر, والمناخ السياسي ملائم, والحكمة تكمن في التدرج, وتجنب الطفرة. ولتبقى سيرة الملك الراحل بكل اخطائها وايجابياتها نبراساً يهدي.. وكم كنا نتمنى ان لو ترك لنا سيرته الذاتية مكتوبة قبل وفاته, كما فعل ويفعل السياسيون التاريخيون الكبار من حجمه ووزنه.. واذ لم يفعل, فيا حبذا لو يتصدى لذلك الجهد مؤرخ مرموق, بقدرات ادبية تحريرية راقية, ومنهاج سياسي تحليلي دقيق, وليكتب تلك السيرة لا بغرض الدعاية الفجة, ولا النظر الأعور الى الأحداث وانما لتسجيل الأخطاء لتجنبها, والايجابيات لتمثلها وانضاجها وتأصيلها في مجتمع الأردن في هذا الطور من أطوار الارتقاء. استاذ العلاقات الدولية ــ المسيسبي