أحياناً ــ بل كثيراً ــ ما ننسى اننا جزء من الطبيعة تفعل في اشكال اجسادنا الخارجية الجسدية والداخلية النفسية تأثيراتها المختلفة, وننسى ايضاً اننا ككائنات سياسية نتاج مباشر للعوامل (الجيوسياسية) بعواملها المتعددة من تجاذبات قوى وتداخل اهداف وطموحات ومصالح وارصدة كامنة . وفي ظل التفوق او الانتصار المتواصل خطوة خطوة للانسان على عوائق الجغرافيا ــ المكان ــ عبر تكاثف الاتصال وتراكم (الترميز) في المعاملات بين الافراد والكيانات السياسية بدءاً من المقايضة وصولاً للبيع والشراء عبر شاشة الانترنت, نظن ـ من قبيل الخطأ ـ ان الجغرافيا السياسية اصبحت اقل فعلاً وتأثيراً على السلوك السياسي للأفراد والدول, ونظن ايضاً ــ من قبيل المبالغة والتهويل ــ ان الفواصل الثقافية بين الشعوب انزاحت تماماً امام اختراق (الرسائل الثقافية) لطبقات الاثير.. وفي أحيان كثيرة ايضاً ولأسباب مختلفة لا مجال لرصدها هنا نتوهم في انفسنا قدرات (عبقرية) خارقة فنتصور (البعض منا) وكأنهم خارج الشروط الحاكمة (للجغرافيا السياسية) وعلاقات الجدل بين قواها الضاغطة. في هذا السياق يطرح البعض (تساؤلهم) عن مستقبل الاردن بعد غياب العاهل الاردني الملك حسين مشوباً بقلق وخوف كبيرين من ان تحدث فوضى ما او خلل ما في استقرار المنطقة.. والحقيقة ان الاردن هو الاردن والمنطقة هي المنطقة .. التغيرات الاجتماعية الداخلية تسري وئيدة هادئة والتغيرات السياسية الحادة نادراً ما تحدث, والتداخلات المقبلة من خارج المنطقة عادة ما تعالج بحذر شديد, وكثيراً ما تلقى رفضاً صريحاً, واذا ما دخلت في آليات تنفيذ سرعان ما تقابل بمقاومة عنيفة تحبطها. من هنا يمكن القول ببساطة ــ ودون رجم بالغيب ــ ان (اردن الداخل) سيلتف في المدى المنظور حول (ملكه الجديد عبدالله بن الحسين) المتوج بالشرعية التاريخية لوالده, والذي سيضع نصب عينيه هدف السير على نهج الراحل ذي الحضور الطاغي على الساحة الاردنية الداخلية, وسيتوسم في كل صغيرة وكبيرة خطاه, اي ان روح الملك (حسين) او ماضيه سيظل حاكماً لاختيارات ولده ولتقبل الشعب الاردني لها الى ان يحدث مستجد كبير اكثر تعقيداً من سابقاته فيفرض اختلافا في المعالجة او رد الفعل الملكي بما يؤدي الى تغير نسبي في اسلوب ادارة البلاد.. وهو على اي الاحوال اضعف الاحتمالات المنظورة.. اما المنطقة فتحكم علاقة الاردن بها في ظل حضور الملك حسين وفي غيابه ــ او حضوره غير المباشر ــ معادلة بسيطة, يمكن صياغتها بعيداً عن (الاحكام القيمية او الايديولوجية الحادة) بتعبير (التوازن بين تجاذبات القوى الاقليمية والدولية) .. اقليمياً: سوريا والعراق ومصر ودول الخليج واسرائيل وايران وتركيا ودولياً: امريكا والاتحاد الاوروبي او الدول الاوروبية. وفي مقدمتها المعنيون مباشرة بالشرق الاوسط فرنسا وبريطانيا.. وعلى الهامش ــ او في القلب حسب تصور معين ــ الفلسطينيون بما لهم من بعد داخلي في معادلة السياسة الخارجية للأردن. ومن الملاحظ عبر سنوات طويلة ان الاردن الذي يقف جغرافيا في المنتصف, او عند (نقطة التماس) بين صراع اسرائيل مع القوى الاقليمية العربية اختار دائما (نقطة وسطا) بين اولويات تلك القوى واستمد من تناقض الاولويات لديها مصدر قوة خاصا في ظل غياب مصدر قوة ذاتية توفر له درجة اعلى من الاستقلالية او تجعله في لحظة ما طرفا كاملا في تنازع الاولويات. ومن الملاحظ ايضا ان القوى العربية والخارجية في لحظات التعاون والتنسيق القصوى القليلة نسبيا على مدار تاريخ الدولة العربية الحديثة قد راعت تلك الخصوصية او ذلك البعد في صياغة علاقتها بالاردن. او مطالبتها بالحياد عن معادلة توازنها ... في الوقت نفسه اختارت الاردن الانحياز الى (الاقوى عربيا) في لحظات سياسية معينة, او ما يمثل الابتعاد عن فلكه خطرا مباشرا, واضعة في الاعتبار دائما مدى تأثير معادلاتها الخارجية وتغييراتها في رد الفعل الشعبي, ومحطة حرب الخليج الثانية ثم تعديل الموقف الاردني بعدها, والتقارب النسبي مع النظام الناصري ثم التقارب مع الاختيار الساداتي ايضا خير شاهد ... استشراف مستقبل الاردن اذن يقتضي مراجعة لاولويات الاطراف الاقليمية عامة, وتجاه مسألة محورية هي صياغة العلاقة مع اسرائيل على وجه الخصوص. باعتبار ان القضية الفلسطينية اصبحت من واقع الامر ليست التسمية الاصوب (لموضوع الصراع) بين اسرائيل ومعها امريكا من جانب والقوى العربية الاقليمية من جانب آخر, وكلمات اخرى لم تعد (القضية الفلسطينية) الاولوية الاولى للقوى العربية - على مستوى الخطاب الرسمي على الاقل - بحكم الشروع في (اجراءات سلامية) رغم خلوها في حقيقة الامر من مضمون حقيقي لحل القضية الفلسطينية. يمكن القول, وبدرجة من الاختزال - ان الاولوية السورية واللبنانية استعادة الارض المحتلة بأقل قدر من التطبيع, والاولوية العراقية: استعادة السيادة على اراضيه وقبلها بقاء النظام ثم استعادة التأثير في النطاق العربي مع عدم التطبيع مع اسرائيل, والاولوية المصرية الاحتفاظ بدور اقليمي ومنع اسرائيل من المنافسة عليه والاحتفاظ بعلاقة معها تحجم عدوانيتها والاولوية الخليجية: صيانة الاستقرار الخليجي عبر علاقة متوازنة مع القوى الاساسية بالمنطقة وتظل اسرائيل في درجة تالية كمصدر خطر, الاولوية الاسرائىلية: انهاء حالة العداء معها عبر اتفاقات تعلى من مكاسبها وسيطرتها على (مساحة كبيرة من الارض) وتقلل الى اقصى حد من مكاسب الطرف الآخر, وتعاون اقتصادي واسع يضمن لها الازدهار مع الاحتفاظ بقوة ردع دائمة وتصفية قواعد (المقاومة الثقافية الشعبية) ان امكن عبر علاقات رسمية مع الدول العربية .. الاولوية الايرانية: دعم اطراف عربية - خاصة سوريا ولبنان - لاستعادة اراضيهما المحتلة, وامتلاك اسباب ردع مقابل لاسرائيل من جانب وتركيا من جانب آخر دون التورط مباشرة في مواجهة مع اسرائيل ودون قبولها في آن واحد كدولة طبيعية .. الاولوية التركية: علاقة استراتيجية مع اسرائيل باعتبار العلاقة مفتاحا جيدا لتحقيق مكاسب على مستوى المساومات التركية, الاوروبية والتركية الامريكية, اي تعظيم الدور الاقليمي لتركيا في المنطقة العربية, وفي آسيا من جانب آخر. في ظل هذا التصور لايحتمل ان يواجه الاردن صعوبة كبيرة في صياغة علاقاته بالقوى الاقليمية على ارضية صياغة تلك القوى لعلاقاتها او مواقفها من اسرائيل خاصة وان القوى الدولية, امريكا وفرنسا وبريطانيا لاتتعارض اولوياتها في المنطقة بشكل حاد مع اولويات القوى الاقليمية في العموم, وانما في بعض التفاصيل التي يمكن تسويتها بجهد محدود. الاختيار الاردني الواضح حاليا انه ليس معنيا بدرجة كبيرة بحلول للمشكلة الفلسطينية فمنظمة التحرير الفلسطينية او سلطة الحكم الذاتي تباشر بنفسها حل القضية عبر التفاوض (المرير) مع اسرائيل, وتحتفظ بشرعيتها في تمثيل الفلسطينيين والاحتمال الوحيد المطروح اذا ماتعقدت المرحلة النهائية اي لم تحسم قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات هو ماسمى في اوقات سابقة (الاختيار الاردني) اي الكونفدرالية الفلسطينية ـ الاردنية, وبوسع الاردن في وقت معين قادم ان يقوم بتلك الخطوة وان يلقى دعما واسعا من قوى دولية واقليمية عربية وغير عربية, باعتباره حلا نهائيا تفضله اسرائيل, بل وتحبذه بشروط معينة, ويمكن الترويج له باعتباره (أخف الضررين) وسيرفع في اتجاهه القناعة بأن (دولة فلسطينية) منزوعة السيادة, او بلا مفهوم حقيقي للدولة (اختيار سوداوي) لجميع الفلسطينيين ولايحقق الحد الادنى من طموحاتهم, الى جانب التعلق بأمل حماية الكونفدرالية لمقومات الشعب الفلسطيني من الاندثار. حتى تلك اللحظة التي يتحتم فيها على الاردن ان يواجه اختيار الكونفدرالية مع الفلسطينيين, لحل المشكلة او ازاحتها بعيدا عن اسرائيل لن يواجه الاردن صعوبة حقيقية تدفعه للتنازل عن اختياره التقليدي (لعبة التوازنات) والذي فرضته شروط الجغرافيا السياسية وشخصته قدرات الراحل الملك حسين.