كما الراحل الحسين الذي كرس شرعيته دينيا وسياسيا ودستوريا عبر ذلك الدور الكبير المتوازن الذي لعبه على مدى سنوات حكمه السابقة , وبالاصل عبر امتداده الطبيعي لشرعية جده عبدالله بن الحسين الاول, فقد حظي العهد الجديد بقيادة عبدالله بن الحسين الثاني بالشرعية التاريخية - الوراثية امتدادا لأب عن جد أولا, وحظي بالشرعية الدستورية والشعبية على صعيد الاردن ثانيا, وحظي ثالثا بالشرعية السياسية العربية والدولية. فان كان يفهم من هذا الحشد العالمي وراء جنازة العصر للراحل الحسين بأن هذا الحضور المهيب المذهل الذي ضم كبار قادة وزعماء العالم بأسره جاء تكريما واجلالا للراحل, فانه يمكن ان يستشف منه في الوقت ذاته بأنه يمنح الشرعية العربية والاسلامية والدولية للعهد الجديد اولا, وانه يعكس حرصا من كافة الاطراف الاساسية على علاقات اقليمية او ثنائية ثانيا. اذن, نحن عمليا امام عهد جديد بقيادة عبدالله بن الحسين, يتمتع بشرعية واسعة محليا واقليميا وعربيا ودوليا, الامر الذي يتيح لهذا العهد ولهذا البلد بالتالي مواصلة لعب ذلك الدور المحوري الذي بناه وعززه وكرسه الحسين بن طلال. تحديات واستقطابات أمام العهد الجديد اذا كان الحسين الثاني قد عركته التحديات والاستقطابات الاقليمية والعربية والدولية وصقلته كقائد اعتبر الاكثر تمرسا على صعيد التكتيكات والنجاة والبقاء والاستمرارية, فماذا يفعل العهد الجديد بقيادة عبدالله بن الحسين الثاني (الذي يعتبر بالاجماع تقريبا بأنه طري العود قليل الخبرة والحنكة والتكتيك) امام التحديات والاستقطابات الكبيرة التي تواجهه في بداية طريقه...؟! خاصة وان هذه التحديات والاستقطابات الكبيرة منتشرة على كافة الاصعدة والجبهات الداخلية والخارجية...؟! أولا: التحديات الداخلية فمما لا شك فيه ان التحديات الداخلية امام العهد الجديد في الاردن تشكل العنوان الكبير الكبير, اذ على قدر ما تكون الجبهة الداخلية قوية متماسكة متحدة منصهرة في بوتقة صلبة, على قدر ما يستطيع العهد الجديد التصدي للتحديات والاستقطابات الخارجية المتعددة. والتحديات الداخلية الاردنية كبيرة وصعبة ومتعددة وتمتد الى المجال الاجتماعي, بالدرجة الاولى فيما يتعلق بقضية الديمقراطية والتعددية وحرية الانتخاب والرأي والتعبير, وتمتد كذلك الى المجال الاقتصادي حيث البطالة متزايدة والدخل متدن, وفرص العمل ضئيلة متضائلة, وحيث ان الاقتصاد الاردني فوق كل ذلك اقتصاد استهلاكي خدماتي اكثر من اي شيء آخر, وتمتد في الاطار ذاته الى العلاقة الجدلية القائمة بين الحكم والمعارضة في نطاق الديمقراطية..؟! ولعل هناك تحد آخر سياسي وطني حاسم يتعلق بالمعاهدة الاردنية - الاسرائيلية والعلاقات التطبيعية الجارية مع اسرائيل والتي تعارضها الاغلبية العظمى من شعب الاردن, كونها تجري في ظل تواصل الاحتلال واصرار حكومة الاحتلال على مواصلة الاحتلال والاغتصاب والاستيطان والتهويد والقمع والتنكيل وانتهاك الارض والحقوق العربية والقوانين الدولية برمتها...؟! كل هذه المشار اليها تحديات كبيرة بلا شك, وهي تحديات حقيقية وملموسة وليست وهمية وتفرض جملة من الاسئلة والتساؤلات الكبيرة التي يحتاج العهد الجديد او يتوجب عليه ان يرد عليها...؟! قبل رحيله كان الملك حسين قد طلب من ولي عهده اجراء مراجعة شاملة لكل ما يتعلق بالوضع الداخلي والعلاقات الداخلية في المجتمع الاردني, وخاصة على مستوى الديمقراطية والعلاقات الداخلية. تتوجه انظار كل الاردنيين من مؤيدين للسياسة الرسمية او معارضين لها, بكل التفاؤل للعهد الجديد, وللمراجعة الشاملة المنتظرة التي يؤمل ان تأتي لحساب توطيد وتطوير الممارسة الديمقراطية في هذا البلد. تحديات واستقطابات خارجية اما التحديات الخارجية التي يواجهها العهد الجديد فهي متعددة وصعبة ولها طابع اقليمي ودولي, وكل ذلك يندرج تحت العنوان الكبير المتفجر. هل يواصل العهد الجديد لعب الدور الاقليمي ذاته الذي ارساه وكرسه الراحل الملك الحسين..؟ ام ان هذا الدور سيشهد تغيرا معينا؟ وما هو اتجاه التغير المحتمل؟ ولعل السؤال يتعلق بعملية السلام والتوجهات السياسية الاردنية الجديدة, تجاه العملية وتجاه القضية الفلسطينية. من الاهمية بمكان بادىء ذي بدء الاشارة الى ان الهدف الاول للعهد الجديد هو التأكيد على الاستقرار السياسي والاستمرارية. ومما لا شك فيه ان العهد الجديد سيحترم كما اكد الملك عبدالله جميع المواثيق والمعاهدات, وسيلتزم بالمعاهدة وعملية السلام مع اسرائيل, وسيواصل العلاقات العربية الحميمة فهي الأساس بالنسبة للسياسة الاردنية. وعودة للتحديات الراهنة والمستقبلية امام العهد الجديد, فان أول ما يلفت الانظار هنا هو كما اشير اعلاه هذا الحضور العالمي المهيب في جنازة العصر, وهو حضور شمل الاصدقاء والخصوم على حد سواء, فحضر ممثلو القطب الاول بأعلى المستويات, وهو قطب الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل وحلفائهم من العرب والعالم, وحضر بالمقابل ممثلون عن القطب الآخر وخاصة من جهة العراق وسوريا وليبيا والسودان, وهي الدول العربية التي تعارض بتفاوت نسبي بينها القطب الاول, وحضر كذلك ممثلون عن دول اخرى من انحاء العالم وخاصة روسيا التي تطمح باستعادة دورها القطبي والاقليمي في المنطقة. فما الذي جمع بين كل هؤلاء الاقطاب, وبين كل هذه المتناقضات في قاطرة واحدة - جنازة العصر للراحل الملك الحسين...؟! بلا شك, فان الحضور الامريكي الاسرائيلي البريطاني - العربي المؤيد جاء لتكريس هذا الالتفاف والتأييد والدعم من قبل كل هذه الدول لمكانة دور الاردن الاقليمي, وخاصة على مستوى عملية السلام واستمراريتها, والعلاقات الدافئة مع اسرائيل, فضلا عن تعزيز الموقف الاردني تجاه النظام السياسي العراقي. وبالمقابل فان الحضور الآخر وخاصة السوري - العراقي جاء ليعكس تجاها آخر وتطلعات اخرى بالنسبة للدور الاقليمي والعربي الذي سيلعبه العهد الجديد في الاردن, فالعراق يطمح لفتح صفحة جديدة من العلاقات الاردنية - العراقية لا يناصب فيها الاردن العداء للعراق. وسوريا كذلك تطمح بصفحة جديدة من العلاقات والدور الاقليمي للاردن, وخاصة على مستوى العلاقات الاخوية بين الدولتين والشعبين اولا, ثم على مستوى عملية السلام والعلاقات التطبيعية مع اسرائيل, اذ لطالما اعتبرت سوريا المعاهدة الاردنية - الاسرائىلية بأنها احادية وفردية وجاءت على حساب السلام الشامل والعادل. وهناك من جهة اخرى التنافس الفلسطيني - الاسرائيلي على كسب تعاطف وتأييد الاردن, فالفلسطينيون يتطلعون كذلك الى دور اردني في عملية السلام ومفاوضات التسوية الدائمة حول القضايا الجوهرية المؤجلة يكون اكثر قربا وتأييدا لهم, في حين ان الاسرائيليين الذين يمارسون لعبة كبيرة للايقاع بين الاردن والفلسطينيين وسوريا, يسعون لدور اردني حيادي اذا لم يكن حميميا معهم, على حساب دعم الموقف الفلسطيني او السعودي او العربي بشكل عام. فما الذي ستكون عليه حقا السياسة الرسمية للعهد الجديد تجاه كل هذه التحديات والاستقطابات الكبيرة الصعبة - الداخلية والخارجية على حد سواء..؟! القراءة الاولى للسياسة الاردنية الرسمية تفيد بأن العهد الجديد سيواصل - على المدى المنظور على الاقل - الالتزام بالدور المعروف للاردن على مستوى عملية السلام والمعاهدة مع اسرائيل, غير انه من المرجح ان يتوجه نحو مزيد من الانفتاح والعلاقات البناءة مع الدول العربية الاخرى, وبشكل خاص مع سوريا التي حضر رئيسها الاسد بصورة مفاجئة غير متوقعة للمشاركة في جنازة العصر لفقيد الامة الحسين بن طلال. ومن الملموس ايضا ان تفتح صفحة جديدة من العلاقات الاردنية - الكويتية والخليجية بشكل عام, كما انعكس ذلك في المشاركة الكويتية والخليجية في الجنازة. عمان ــ البيان