الذين يعرفون بودابست يندهشون بجمالها الذي يفوق الوصف وبرصانة هذه المدينة التي يشطرها نهر الدانوب الواسع الى شطرين . ومن يعبر جسر السلاسل الذي يربط جزء (بودا) ( الاقطاع او الامتياز ) بجزء (بست) ( التجارة او البورجوازية او الطبقة العاملة), لايجد اي شيء يشير الى ان المدينة هي محور لعدد من الانشطة غير المشروعة, كتجارة المخدرات والسلاح وغسل الاموال. وتسيطر عصابات الجريمة المنظمة الآتية من روسيا على الاعمال غير المشروعة, لكن عصابات اخرى من اوكرانيا وتركيا وصربيا وحتى الصين تتقاسم حصصا من تلك الاعمال. ولاتنفي اجهزة الامن وجود هذه النشاطات لكنها تقول ان بودابست لاتختلف عن غيرها من المدن الاوروبية وتعترض اوساط اخرى على هذا التبرير مشيرة الى اجتماع ضم زعماء المافيا على مستوى رفيع عقد في بودابست في (سبتمبر الماضي) وكان السياسي الروسي (فلاديمير جيرينوفسكي) المعروف بآرائه اليمينية المتطرفة احد ضيوفه. والتقى (جيرينوفسكي) مع زعيم للمافيا يدعى (سيميون موجيليفيتش) ( 52 عاما) وغالبا ما تطلق عليه الشرطة في عدد من الدول لقب (عراب الجريمة في وسط اوروبا ومناطق اخرى من العالم) . ولد (موجيليفيتش) في اوكرانيا وبدأ مهنته في مجال الجريمة العالمية عندما غادر روسيا مع موجة من اليهود المهاجرين في السبعينات كما تفيد تقارير (مكتب التحقيقات الفيدرالي) في الولايات المتحدة. وبلغت مخالب (موجيليفيتش) اسواق العالم في مجال الدعارة وتهريب اليورانيوم والمخدرات والسلاح والكافيار والاعمال الفنية وغسل الاموال. هذا الزعيم الاجرامي الذي يتخذ من بودابست مقرا لاقامته الدائمة يعيش في فيلا داخل مجمع محصن مخبأ بين التلال ويطل على المدينة, ولم يظهر في اي صورة فوتوغرافية كما تقول الروايات المنسوجة حوله. وعلى رغم انه يحمل اجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة (لفوف) , فان هذا (العراب المثقف) لايخشى ان يلوث يديه. هو على استعداد لتعذيب وقتل اي شخص يعترض سبيله. اما الذين يرفضون حمايته وافكاره ودولاراته وحراسه الشخصيين (كلهم من الجنود الروس الذين حاربوا في افغانستان) فيطلق عليهم اسم (سفاحين غير معقولين) ويصبحون نقطة استهداف. حتى اصدقاؤه وكثير منهم يقبع في السجون في اكثر من دولة, يصفونه بانه (السفاح الاكثر خطورة على وجه الارض) . اجهزة الاستخبارات ولاسيما منها في الولايات المتحدة واسرائيل لديها كمية كبيرة من المعلومات عن امبراطوريته منذ العام 1992 وتكشف الوثائق المسربة الى وسائل الاعلام ان (موجيليفيتش) يسيطر على معظم التجارة في مطار (شيريميتوفو) في موسكو الذي يعتبر بالنسبة له مثل جنة تهريب. ويمتلك شركة طيران خاصة اشتراها من احدى جمهوريات آسيا الوسطى, وهذا الامر يساعده على الوصول الى الهيروين من (المثلث الذهبي) وهي منطقة جبلية على الحدود بين بورما وتايلاند ولاوس وتنتج معظم محاصيل العالم من الافيون الذي يستخرج منه الهيروين. ومن المفترض ان يكون (موجيليفيتش) قد اشترى, شرعيا, مجمل مصانع السلاح في المجر, الامر الذي تنفيه وزارة الدفاع المجرية, لكن منذ العام 1994 اجيز له بيع السلاح وشراؤه, وبلغ به الامر انه عرض اسلحته في معارض دولية, نصره الاول حقق له بضعة ملايين من الدولارات وجاء نتيجة صفقة بين ايران والمانيا الشرقية شملت صواريخ ارض - جو ودبابات. وسرت شائعات ان عصابته ابرمت صفقة مع المافيا الايطالية لتهريب نفايات سامة وغيرها من المواد المشعة من بعض دول الاتحاد السوفييتي السابق. وتتحدث مصادر مخابراتية عنه انه عقد اتفاقا مع احدى اكثر العائلات الروسية شهرة في عالم الجريمة وهي عائلة (سولنتسيفسكايا) التي تتخذ من سويسرا مقرا لاعمالها. فتلك العصابة تمكنت بمساعدة (موجيليفيتش) من اقامة سوق سوداء للمجوهرات. وليست الاعمال التي تديرها عصابة (سولنتسيفسكايا) في كل من موسكو وبودابست سوى واجهة لتهريب الاعمال الفنية المسروقة من مجموعات يمتلكها افراد او هواة التحف والنوادر او من الكنائس والمعابد في وسط اوروبا. وشرقها. وقد بيعت فيما يبدو بعض التحف مثل بيض (فابرجيه) والايقونات والكتب والمخطوطات الدينية التي لاتقدر بثمن في معرض في لندن. اتاح زواج (موجيليفيتش) من امرأة مجرية الحصول على اذن عمل في المجر عام 1992 مكنه من افتتاح اول ناد ليلي سماه (بلاك اند وايت) . وبات يطلق هذا الاسم اليوم على شبكة نواد ليلية منتشرة في اوروبا الوسطى. ويصنف النادي في سجلات الـ (اف بي آي) على انه من اكثر الاماكن نشاطا في مجال الدعارة غير المشروعة في العالم. وما كانت امبراطورية (موجيليفيتش) لتنمو وتزدهر لولا المساعدة السرية التي تلقاها من شرطة وسياسيين فاسدين. ولابد ايضا انه استفاد من سخاء عدد من المصارف الغربية. وتعتقد دوائر (اف بي آي) ان اعضاء كانوا سابقا نافذين في جهاز الاستخبارات السوفييتي (كي جي بي) يساعدون (موجيليفيتش) خصوصا انهم موجودون في الاجهزة القضائية في موسكو. وهذا النوع من الرشوة امتد ايضا الى نيويورك وميامي ولوس انجلوس اما في المجر فيؤكد مجرمون تم اصلاحهم ان (شرطيا من اصل اثنين مصاب بالفاسد) . وتنفي وزارة الداخلية الاتهامات الخارجية التي تقول ان (الشرطة المجرية تبقي (موجيليفيتش) على اطلاع على معلوماتها ولاسيما فيما يتعلق بالهجومات المقررة على عصابته لكن (موجيليفيتش) يبدو في منأى عن يد العدالة في المجر تاركا خصومه يفتشون بمخالبهم عن الفتات التي يسقطها وراءه على رغم انه شديد الحذر حيال معاداة العصابات الصينية. ولا شك ابدا في ان (موجيليفيتش) منغمس في غسل الاموال غير المشروعة على مستوى عالمي, وفي مقابل غسل كميات من المال,يحصل الاف المواطنين الروس سنويا علي عطل مجانية يقضونها في اماكن حارة من العالم ويعمدون الى شراء البضائع الفاخرة ويفتحون حسابات مصرفية باموال المافيا. وعندما يهلل مجلس السياحة المجري للعدد المتنامي من السياح الروس في بودابست (في النصف الاول من العام 1997 ارتفع عدد السياح بنسبة 71 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام 1996) يمكن التساؤل عن عدد السياح الذين يفدون بحسن نية الى المجر. رئيس الوزراء (فكتور اوربان) الذي يمارس مهماته منذ 1997 حول معركته مع الجريمة المنظمة الى معركة شخصية وقد تلقي عددا من التهديدات ولديه ثلاثة ابناء. ولابد لاي شخص هنا من ان يدفع الثمن ان هو تجرأ على معاداة المافيا. لكن, على رغم ان رئيس الوزراء (اوربان) يبقي حرارة المواجهة مرتفعة, فان من المستبعد ان يؤثر ذلك على وضع (موجيليفيتش) لاسباب عدة: فهو تمرس في عالم الجريمة في موسكو في فترة السبعينات وحقق ثروته في الثمانينات من خلال مساعدة يهود روس على الهجرة الى اسرائيل, وقد حاز لقاء ذلك الجنسية الاسرائيلية, وهو اضافة الى انه مجري بالزواج واسرائيلي بالاختيار فقد تمكن من الحصول على جواز سفر كرواتي, ولم يمنعه الحظر المفروض عليه في الولايات المتحدة من السفر اليها مرات عدة, ويقال ان مفتاح (مناعته) يكمن في صفقة ابرمها مع المخابرات الالمانية يقدم (موجيليفيتش) بمقتضاها معلومات عن عصابات اخرى لقاء ضمان الحماية له. هذا الامر امن له حتى الآن الافلات من قبضة دوائر الشرطة في دولة اكثر من تعمل جديا على توقيفه ومحاكمته. بودابست - لوران ناجي(خدمة وورلد نيوز لينك)