اثناء اشتداد محنة اسواق المال الاسيوية التي عصفت بالاقتصاد الاندونيسي, انشغل المزارعون بمشكلة لم تكن على بال أو على خاطر, وتحير الجميع امام سؤال واحد : كيف يمكن استيراد الحبوب التي يتغذى عليها الدجاج الاجنبي المدلل بعدما فقدت الروبية (العملة المحلية) قيمتها؟ بقي السؤال مطروحا لبرهة, ولم يجد اي من اولئك المزارعين بديلا صالحا لتغذية هذه الدجاجات المستوردة. ومع تفاقم الازمة المالية, اضطر المزارعون الاندونيسيون في النهاية إلى اصدار حكم بالذبح الجماعي على ثروتهم من الدجاج المستورد, والعودة إلى السلالات المحلية التي قد تكون اقل جودة لكنها ايضا اقل تكلفة حين يتعلق الامر بنوع العلف, وبالطبع لم يكن البديل المحلي كافيا لسد حاجة شعب ضخم يعتمد على اللحوم البيضاء (الدجاج) كمصدر رئيسي للبروتين, وكادت الازمة الاقتصادية في اندونيسيا تتحول إلى كارثة غذائية. والمؤكد ان المشكلة التي واجهها المزارعون الاندونيسيون سلطت الضوء على اهمية التحذير الذي اطلقه علماء الهندسة الزراعية من خطر اعتماد الدول النامية على سلالات الحيوانات المستوردة, لهثا وراء الحجم الاكبر والانتاج الاغزر, ومن ثم الربح الاوفر, ودائما ما تكون النتيجة اهمال الثروة الحيوانية المحلية وضمورها عاما بعد اخر, ويكفي ان نعلم ان ثلث سلالات الحيوان المحلية في العالم البالغ عدده 5300 نوع معرضة حاليا للانقراض التام, وفقا لتقديرات المسؤولين في منظمة الاغذية والزراعة (فاو) التابعة للامم المتحدة, ويوضح هؤلاء المسؤولون ان السلالات المحلية التي تطورت على مدى 12 الف عام وتمثل موردا جينيا حيويا للاجيال المقبلة يختفي ست منها كل ست اشهر تقريبا. ومن يطلع على الارقام تذهله الحقيقة, ففي افريقيا نجد ان 98 في المائة من سلالات الحيوان المحلية مهددة بالانقراض, وفي آسيا 90 في المائة منها مهدد, وفي منطقة الشرق الاوسط وحدها تؤكد الاحصائيات ان 60% من الثروة الحيوانية المحلية توشك على الاختفاء إلى الابد, ومعلوم ان من المستحيل استعادة اي سلالة حيوانية تنقرض, وهي الحقيقة العلمية التي تضاعف من خطورة الظاهرة. ولاشك ان وضعا مخيفا كهذا يستحق اهتماما ووعيا اكبر من جميع المؤسسات والافراد في عالم يشكو اساسا من هشاشة امنة الغذائي, فالحيوانات المحلية تزود البشر في انحاء العالم بثلاثين في المائة على الاقل من احتياجاتهم الغذائية والزراعية, علاوة على كونها مصدرا اساسيا للجلود والطاقة الجافة, وثم بليونا نسمة (الفا مليون نسمة) أو 40% من اجمالي عدد سكان العالم, يعتمدون ــ على الاقل جزئيا ــ على الثروة الحيوانية في حياتهم اليومية. وتبدو المشكلة اكثر حدة وعمقا في دول العالم الثالث, خاصة وان النسبة الاكبر من الثروة الحيوانية في العالم انما تتركز في الدول الفقيرة, حيث يفصل امتلاك بضع دجاجات أو عددا قليلا من الاغنام بين البقاء على قيد الحياة والموت جوعا. وعن ذلك يقول دكتور كيث هاموند كبير خبراء الزراعة بمنظمة فاو والمشرف على حملة دولية لمراجعة سياسات الحفاظ على الثروة الحيوانية (علاوة على امدادنا باللحوم والحليب والاسمدة والوقود, تمثل الحيوانات مصرف امان, أو لنقل وثيقة تأمين ضد غدر الاوقات العصيبة, والحقيقة ان لسلالات الحيوان المحلية منافع شتى, لكن الشعوب قلما تكترث بقيمتها الحقيقية وتعتبرها مسلمة من مسلمات العملية التنموية, وعلى سبيل المثال لا الحصر, نجد ان الشعب المنغولي لم يكن ليظل على قيد الحياة بدون حيوان الياك (ثور التبت الضخم) , فملايين المنغوليين يعيشون في رقعة تبلغ مساحتها مليون ميل مربع ليس بها اي مورد غذائي ثابت سوى الياك الذي يأكلون لحومه ويستخدمون جلده في صناعة الخيام التي تقيهم البرد والرياح) . والخطر الذي يخيم على مستقبل العديد من سلالات الحيوان المحلية في دول العالم الثالث ناجم عن سياسة خاطئة اتبعتها الحكومات بهدف مساعدة شعوب هذه الدول, فعلى مدى العقود القليلة الماضية, لم تتوقف بريطانيا وغيرها من دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وكندا واستراليا عن تصدير ما يسميه دكتور هاموند (وصفة النوع الواحد) من الدجاج والماشية والماعز والخنازير إلى الدول (الافقر) بغية ــ والنية دائما طيبة ــ تطوير انتاجها الزراعي. لكن الوقائع تثبت ان المنحة أو (الهدية) التي قدمتها الدول الغنية إلى شعوب العالم الثالث عادت بنتائج عكسية, يشرحها د. هاموند قائلا: ما حدث هو ان المزارعين وصانعي القرار فضلوا السلالات المستورة على نظيرتها المحلية إلى حد تجاهل الاخيرة تماما وعدم الاكتراث باندثارها كليا وإلى الابد في بعض الدول. وفي المقابل فشلت السلالات الاجنبية إلى حد بعيد في التأقلم على ظروف الدول النامية, خاصة وانها حيوانات مدللة اعتادت اساليب الحياة السهلة ولم تتهيأ (بيئيا) للظروف القاسية التي تفرضها طبيعة الحياة في الدول الفقيرة, اذ تحتاج هذه السلالات إلى انواع علف ممتازة وإلى رعاية بيطرية مستمرة, ولا تتحمل اجسادها قسوة المناخ وانتشار الاوبئة كما الحال في اغلب الدول المستوردة. وقال خبير منظمة الاغذية والزراعة الدولية د. هاموند (الابقار التي تنتج كميات هائلة من الالبان في كاليفورنيا لا تستطيع بالضرورة ان تنتج كميات مماثلة حين تعيش في دولة كزيمبابوي, لان هذا النوع من الابقار مهيأ جينيا للانتاج الغزير بشرط توافر الغذاء المناسب, فاذا نقلتها إلى بيئة مختلفة مناخيا وغير قادرة على توفير نفس نوعية الغذاء قد تنفق هذه الابقار أو تتوقف عن الانتاج في افضل الظروف. الآن فقط بدأ المزارعون وخبراء الهندسة الزراعية يدركون خطأ الاعتقاد بأن السلالات غزيرة الانتاج تستطيع التأقلم على اي ظروف, واكتشف الطرفان ان السلالات المحلية من الحيوانات والطيور هي الاصلح للبقاء في مواجهة الظروف المناخية والغذائية الرديئة بفضل خصائصها الوراثية (الجينية) التي تلائم البيئة الفقيرة. قال دكتور هاموند في جنوب شرق اسيا, يحتاج المزارعون إلى حيوانات قادرة على تحمل درجات الحرارة والرطوبة المرتفعة علاوة على انواع خشنة من العلف, وهي خصائص مختلفة عما تحتاجه الحيوانات للانتاج في دول الشرق الاوسط التي يتسم مناخها بالجفاف. لكن صحوة المزارعين وخبراء الزراعة جاءت بعد فوات الاوان في بعض الدول النامية, كما حدث في كازخستان مثلا, حيث كانت النوق المحلية المعروفة باسم ارانا كازاخ تنتج كميات هائلة من الحليب, وكانت لها قدرة غير عادية على تحمل ظروف المناخ الصحراوي القاسي وندرة الغذاء والماء, لكن اصحاب القرار في كازخستان فضلوا الحيوانات المستوردة واهملوا هذه الثروة الطبيعية التي لم يتبق منها على قيد الحياة في انحاء البلاد اكثر من الف ناقة. كذلك ماشية الياقوت التي كانت منتشرة ذات يوم في سيبيريا وكانت تتحمل العيش في درجات حرارة تقل عن ستين درجة مئوية تحت الصفر وتنتج في المقابل انواعا ممتازة من الالبان تنم عن قدرتها العجيبة على مواجهة الامراض, لم يتبق من هذه السلالة المحلية اكثر من 900 حيوان فقط في انحاء الولاية المتجمدة. وفي الهند يواجه خمسون في المائة من الماعز المحلي خطر الانقراض, فيما تهجن 80 في المائة من الثروة الداجنة بسلالات مستوردة, هذا الاعتماد المطلق ــ غير المبرر ــ على الحيوانات الاجنبية يعرض بلدا ضخما كالهند إلى كارثة حقيقية اذا ما تكررت لها الازمة المالية الاندونيسية. وعن ذلك يقول دكتور هاموند محذرا اختفاء سلالات الحيوان المحلية من اي مجتمع يجعله عرضة للازمات ويضعف من قدرته على مواجهة أي تغييرات مفاجئة. روما ــ طير بيدريك: خدمة وورلد نيوز لينك