يعيش الشارع الكويتي شتاء ساخنا, بدد برودة الجدل النيابي والسياسي حول مهرجان التسوق (هلا فبراير) وبدأ الشارع على غير وفاق ووئام مع البرلمان , ففي حين واصل أول مهرجان للتسوق فعالياته وتدفق عشرات الآلاف من الكويتيين بعفوية للتعبير عن بهجتهم بإنطلاقة المهرجان, شدد المعارضون تحت قبة البرلمان ومن رموز التيارات الدينية هجومهم ومطالبهم بوقف المهرجان فورا. ومع ان الاقبال الجماهيري الكبير والنجاح الذي يحققه المهرجان منذ ان اطلقت فعالياته فى الثالث من الشهر الجاري قد اسكت الى درجة ملحوظة احتجاجات المعترضين فإن البيانات واللافتات المحتجة مازالت تتواصل هي الاخرى فيما لا تخلو جلسة للبرلمان من اعراب بعض النواب خاصة المنتمين للتيارات الدينية عن الاستياء, حتى ان احد هؤلاء فى جلسة الثلاثاء الماضي وهو يتحدث عن معاناة اصحاب المزارع ونية الحكومة لتخفيض الدعم الذي يحصلون عليه حاليا عن منتجاتهم قال: (كيف نحاسب حكومة لاهية في (دقدقة) (هلا فبراير؟) قاصدا الحفلات الغنائية المصاحبة للمهرجان والتي كانت سببا فى تقدم 23 نائبا بدعوة لمناقشة رأي الحكومة فى هذا المهرجان مع المطالبة بإيقاف الحفلات الغنائية فورا وعلى الرغم من ان الطلب الذي كان على رأس مقدميه رئيس البرلمان احمد السعدون فى الثاني من فبراير أي قبل بداية المهرجان بيوم واحد فإن الحفلات استمرت ولم تتوقف أي من المظاهر والفعاليات إلا لمدة يومين فى إطار فترة الحداد التى اعلنتها الكويت فى مناسبة وفاة العاهل الاردني الملك حسين قبل أن يعود ثانية لاستئناف فعالياته من جديد. وظل الاسلاميون يشكلون صوتا عاليا ووحيدا فى معارضة المهرجان رافعين شعار (الاقتصاد لا ينشطه الرقص) ومتهمين وزارة الداخلية بالسماح لاعداد كبيرة بدخول البلاد قد يكون من بينهم من بعض (العملاء) وفقا لتعبير النائب خالد العدوة الذي اعرب عن مخاوفه من (الانقلاب الامني العائد الى التسهيلات فى منح تأشيرات للزوار الراغبين فى دخول الكويت التي هي بلد مغلق امنيا) . وكان نائب آخر هو وليد الطبطبائي (سلف) وصف المهرجان بأنه (مسخرة) وقال عن التليفزيون انه (يبث التوافه ويسطح الافكار عبر نقل نشاطات المطربين والمطربات) لكنه يقول ايضا ان معارضة الاسلاميين قللت من (الشر الذي يحصل فى الحفلات عبر إلزام المطربين والمطربات باللبس المحتشم والتقليل من المبالغ المرصودة لاستقدامهم) . والنائب نفسه كان قد وقف فى البرلمان الاسبوع الماضي ينتقد محاولة استقدام احدى المطربات ورفضها الحضور لان مبلغ الـ 250 الف دولار المعروض عليها كان قليلا فى رأيها. غير ان القوى المؤيدة للمهرجان لم تكتف بما ينشره عدد من الكتاب (الليبراليين) فى الصحف اليومية دفعا لاستمرار انشطته وانتقادا لمساعي الحكومة ارضاء لاصوات المعارضة وتحرك (التجمع الوطني الديمقراطي) وهو احدث تكتل من المثقفين ورجال الاعمال وعدد من الفعاليات السياسية فى الكويت, واصدر بيانا قال فيه (ان بهجة مهرجان هلا فبراير برهنت بشكل قوي على خطأ الاقلية المتسلطة الداعية لوأده) . وذكر البيان: ان هذه الاقلية (منحت نفسها وكالة من دون وجه حق على حياة الآخرين وان تشكيكها فى النوايا وتصيد الاخطاء عادات دخيلة على أهل الكويت ومنافيه لتسامحهم وحبهم للحياة من دون تفريط بالخلق والعقيدة. واشار البيان الى ان خروج عشرات الآلاف من جميع فئات الشعب الكويتي الى الشوارع بعفوية متناهية للتعبير عن بهجتهم البالغة بانطلاقة مهرجان (هلا فبراير) يمثل اعلانا عن رفض للوصاية الفكرية والاخلاقية على الناس وبرهانا على ان الشعب الكويتي يحب الحياة بشتى صورها الجميلة وانه يهوى الادب والفن والموسيقى والغناء, ولا يجد فى المرح حرجا, وهو يفخر بتراثه, على النقيض مما يدعيه من نصبوا انفسهم أوصياء عليه دون وكالة. في الوقت نفسه انبرى عدد من الكتاب للرد على هجمات التيارات المعارضة وانتقد د. شملان العيسى استاذ العلوم السياسية فى جامعة الكويت بالسماح لمن أسماهم (جماعات الاسلام السياسي) بتعليق بعض الكتابات على اعمدة الكهرباء وقيام مجموعة من خطباء المساجد بإلقاء خطب اثناء صلاة الجمعة تحث المصلين على مقاطعة المهرجان لانه يخالف الشريعة الاسلامية وفقا لمزاعمهم, يقول د. العيسى: اننا لا نعترض على أي انسان يريد ان يبدي وجهة نظره فى موضوع معين مثل احتفالات فبراير التسويقية لكن ما نعترض عليه ونرفضه رفضا تاما هو استغلال المساجد لاغراض سياسية بحتة وكذلك استغلال الاطفال والشباب لتوزيع المنشورات والمطبوعات وتعليقها على اعمدة النور, جماعات الاسلام السياسي فى الكويت لديها نفوذ قوي فى الدولة وبعض الوزراء الذين يتعاطفون معها ولديهم صحفها ومجلاتها وكتابها وهم كثيرون لماذا يلجأون الى القنوات غير المقبولة التي تثير فتنة فى البلد. الكاتب عبداللطيف الدعيج انتقد هو الآخر التحرك النيابي لوقف المهرجان وقال من الغريب والمستهجن ان يتطوع اكثر من ثلاثين نائبا لتهديد الحكومة ولمحاولة ثنيها عن السماح للمواطنين بالتعبير عن فرحهم والاستمتاع بحياتهم السعيدة, المواطنين الدين اتوا من كل فج عميق للمشاركة والاستمتاع بفعاليات المهرجان لاشك يمثلون قسما كبيرا من ابناء هذا الوطن, قسما نستطيع ان نجزم انه الاغلبية أو الاكثرية في هذا المجتمع, مع هذا فإن الاغلبية أو الاقلية ليست هي بيت القصيد هنا, ولكن حق هذا الكم الهائل من المواطنين الراشدين البالغين فى ان يقرروا ما هو صالح أو غير صالح لهم هو المهم وهو ما كان يجب ان يكون من أولويات نواب الامة, اننا نأسف لهذا الانسلاخ عن الواقع والانفصام عن المجموع الذي يتميز به اعضاء مجلس الامة الحالي, ونتمنى ان يجد بعض من حاول محاصرة المهرجان الشجاعة الكافية لأن يعتذر وان يتراجع عن الخطأ الذي ارتكبه. رئيس تحرير جريدة (السياسة) احمد الجار الله دعا رئيس الحكومة الى الاقتراب اكثر من روح الشعب الكويتي وان يقرأ بعناية اندفاعه الحماسي للمشاركة فى فعاليات مهرجان (هلا فبراير) واضاف: نحن نحث رئيس الحكومة على هذه القراءة ليعرف ويتأكد ان الشعب الكويتي قد بايع الاجراء الحكومي الذي أجاز اقامة المهرجان بما يسمح بالاستناد اليه في كل منازعة سياسية مع جماعات الانغلاق والتزمت والكآبة, والذين يدعون دائما حيازتهم على مشروعية النطق باسم هذا الشعب, وباسم مصالحه. فالشعب الكويتي بايع الاجراء الحكومي على الرغم من انه قد اتخذ على حياء بدليل ان أيا من وزراء الحكومة لم يتقدم لافتتاح فعاليات المهرجان ورعايته, بما أوحى ان الموقف الرسمي يعتبر المهرجان ابنا غير شرعي من الافضل التنكر له. وقال: رغم ميوعة الموقف الحكومي من الرعاية فإن (هلا فبراير) انطلق انطلاقة ناجحة وسط حماس شعبي عارم. اضاف الجار الله: ان الاصرار على اغلاق الكويت وسرقة الفرح من أيامها هو المؤامرة الاكيدة على اقتصادها والهادفة الى تدمير هذا الاقتصاد واذا كانت الحكومة تتصور فى السابق ان حيازة الشعبوية ممكنة لها عن طريق التحالف مع قوى التزمت, فقد ثبت لها خطأ هذا الحساب اذ ان الشعب الكويتي متحمس للانفتاح وراغب فى الفرح واحتفالياته, وجاهز للترفيه البرىء حاله حال أي شعب مفطور على سوية النفس, وسلامتها من العقد واذا كانت الحكومة تظن ان الانفتاح طارد للشعبوية وان التزمت والانعزال جالبان لها, فماذا تقول الآن وقد شاهدت بأم عينها كيف تدفق الكويتيون للاحتفال بـ (هلا فبراير) ؟ وبين الشد والجذب وارتفاع أصوات المعارضين وخفوتها فإن الامر المؤكد هو ان المهرجان نجح فعلا فى تنشيط حركة المبيعات وفى احياء سوق السياحة والسفر لدرجة فاقت المتوقع فيما نفدت جميع تذاكر الحفلات الغنائية قبل بدء الفعاليات. الكويت ــ أنور الياسين