نجح (القات) و (مقايلة) او مجالس تخزينه في جمع ولم شمل اليمنيين الذين تفرقهم الولاءات القبلية والمناطقية خلال فترة التشطير وحتى في زمن الوحدة . ويضبط اليمنيون جدول اعمالهم اليومي لايستثنى في ذلك وزير او خفير على مواعيد تخزين القات ومضغه في مجالس (المقايل) والتي تبدأ مع ساعات القيلولة وتمتد حتى حلول الظلام, وتتحول تلك المجالس الى منتديات لتناقل اخبار الكواليس السياسية, واطلاق الحكايات والسخرية من بعض المسؤولين او الكبار, ومع مضغ اوراق القات الخضراء, والجلسات المسترخية يتناقش اليمنيون في كل شيء بداية من خطف السائحين وانتهاء بالمطالبة بتعويض عن ملكية كوكب المريخ الذي ورثوه عن بطلهم الاسطوري سيف بن ذي يزن, واستولت عليه وكالة الفضاء الامريكية. وحديث القات في اليمن وتشعب وفاتورته ثقيلة ومزدحمة بأرقام فلكية عن عدد المستهلكين وحجم الانتاج وغيره. 400 الف اسرة تعيش على القات يتعاطى القات قرابة 80 - 90% من اليمنيين البالغين, يهدرون خلال تعاطيه مايزيد عن 14 مليون ساعة عمل يوميا ويأكل القات نحو ثلث نفقات عائلاتهم كما يمثل القات اكثر من ثلث الانتاج الزراعي وربع اجمالي الدخل الوطني ويشغل 16% من اجمالي الايدي العاملة .. مايجعل القات بالفعل الشيطان الاعظم الذي اوقع الانسان اليمني في فتنة كبيرة كما قال يوما الزعيم محمد محمود الزبيري. وثمة اجماع حاليا في اوساط اليمنيين على ان القات كارثة اقتصادية وصحية واجتماعية بكل المقاييس اذ تشير الدراسات الى ان المساحة المزروعة بالقات تصل الى 140 الف هكتار وانه يستحوذ على 70% من مساحة الزراعات المستديمة وهي اكثر الاراضي خصوبة في البلاد وان زراعته تتزايد بنسبة 7.8% وصار يشكل 39% من الناتج المحلي الاجمالي و 33% من الناتج الزراعي ويتسنزف قرابة 55% من كمية المياه المستخرجة لمختلف الاغراض اذ يزيد عدد اشجار القات عن 210 مليون شجرة يعيش على زراعتها وتسويق اوراقها نحو 400 الف اسرة. ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور علي صالح الزبيدي في دراسة اعدت في العام 1997 ان ازدياد حجم ظاهرة تعاطي القات وتوسع اثارها على مستوى المعيشة والعمل والانتاج الزراعي, شكل ضغطا كبيرا على موارد المجتمع التي يمكن ان توجه الى قطاعات وانشطة اقتصادية اخرى لها مردودات ايجابية, ويضيف وأسهم ارتفاع الطلب على القات في رفع سهره بما شجع المزارعين المنتجين له على زيادة الرقعة الزراعية منه حتى وصل الامر الى قلع اشجار البن والفواكة واحلاله بدلا منها واستخدام المبيدات للاسراع في انضاج محصوله في اوقات الطلب عليه وخلال ذلك تحول جانب من العاملين في قطاعات اخرى للاشتغال به انتاجا وتسويقا) . وقدر الزبيدي اجمالي انتاج القات بسعر المنتج عام 1990 م بنحو 11508 ملايين ريال وزاد الى 33386 مليون ريال في العام 1995م وقدر اجمالي الانفاق على استهلاك القات في العام 1990م بنحو 14581 مليون ريال ارتفع الى 41202 مليون ريال في العام 1995م وقدر ارتفاع اسعار القات بمعدل نمو سنوي يصل الى 3.5% كما قدر اجمالي عدد الساعات الخارجة عن العمل بنحو 14622500 ساعة يوميا بما ينم عن حجم الفقد الاقتصادي. القات موطنه حبش اليمن ليس موطنا اصليا لشجيرة القات وحتى القرن الثالث عشر الميلادي لم يكن من مكونات الغطاء النباتي فيها, اذ كان وفقا لأغلب الدراسات يجلب من الحبشة كنبات طبي لكن في القرن الرابع عشر بدأت زراعته بعض المناطق القريبة من عدن لاستعماله كمشروب مثل القهوة والشاي, ويعتقد ان اول من بدأ مضغ القات هم الائمة الزيود للاستعانة به في قيام الليل والتعبد لما يحتويه من مواد منشطة. وفي القرن السادس عشر توسعت دائرة (الماضغين) لتشمل شرائح النخبة من المجتمع كالسادة والقضاة والاغنياء ومن هؤلاء انتقلت العادة السيئة في المراحل التالية الى عامة الناس. وساهمت التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد في عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات في انتشار القات على نطاق واسع فلم يعد مجرد تسلية لفئة الاثرياء العاطلين او معينا على السهر للعابدين بل أصبح لجميع الشرائح والمناطق ومميز نشاطا لليمنيين بشكل عام ومنظما لعاداتهم الاجتماعية وسمة من سمات هويتهم الثقافية. القات من عائلة الشاي والبن والقات شجيرة معمرة دائمة الخضرة موطنها الاصلي شرق افريقيا وتسمى علمياً (كاتا اديوس) وتتبع العائلة النباتية (سيلاستراسا) وهي العائلة ذاتها التي ينتمي اليها الشاي والبن وقد حظي القات باهتمام كبير عالمياً من حيث دراسة التركيب الكيميائي له والتأثيرات البيولوجية لمركباته وبخاصة الكاثين والكاثينون اضافة الى الامفيتامين وهي مادة منبهة من الدرجة العالية. ويعتبر بعض الباحثين الغربيين القات مادة مخدرة تسبب الادمان وينظرون الى ظاهرة تعاطيه كظاهرة مرضية يجب مساعدة اليمنيين على التخلص منها كما ان بعض المنظمات الدولية تميل الى الاتجاه ذاته ففي تقرير لمنظمة الفاو التابعة للامم المتحدة اشير الى ان (القات لا يشبه القهوة ولديه القدرة على السيطرة على مستهلكيه) . ويختلف مع هذه النظرة عدد من الباحثين الغربيين واليمنيين (يقول الباحث عبدالله علي (هذه النظرة لا تستند على ادلة واضحة وهي تستند الى دراسات سوسيولوجية انطلقت من فرضيات بعيدة عن الواقع مما اوصلها الى نتائج غير مقبولة) ويضيف الظاهرة القاتية في اليمن لا يمكن التعامل معها في اطارها المادي فحسب اي كنبات يؤدي الى الادمان, فهي مرتبطة بصميم مكونات حياة اليمني المادية وغير المادية وبمجموع الصيغ الفكرية المشكلة لوعيه الاجتماعي ومن هنا فإن اختزال الحالة اليمنية في علاقتها بالقات الى مجرد ادمان مادة منشطة او مخدرة فيه الكثير من التجاوز للواقع. دفاع يمني عن القات وخلص الدكتور عبدالرحمن ثابت في دراسة حول التركيب الكيميائي للقات اعدها في جامعة الاسكندرية الى ان (اختلاف الآراء في وضع القات وما اذا كان من المواد المخدرة يرجع الى ان الخصائص الخاصة بالمخدرات واضحة ومنها الادمان والتعود والانقياد الفسيولوجي لهاوالرغبة الشديدة في الحصول عليها, اما القات فلا يسبب انقياداً فسيولوجيا ولكنه قد يسبب انقياداً نفسياً عند بعض المستهلكين, وعند استقراء ومقارنة التركيب الكيميائي المكون للقات خاصة مركب الكاثينون وهو المكون الرئيسي والفعال في اوراق القات نجد ان هناك اختلافاً واضحاً بين تركيبه مقارنة بالمواد المخدرة كالأفيون والمورفين والهيروين والكوكايين والماريونا والحشيش وغيرها) . أنواع القات يوجد في اليمن قرابة 70 نوعا من القات يميز بينها عن طريق شكل الاوراق او حجمها او تأثيرها او موعد القطف ويفضل غالبية المستهلكين النوع القوي التأثير ذا الاغصان الغضة والاوراق الصغيرة كالنوعين المسميين بـ الشامي والسوطي. تسعيرة واسواق القات ويباع القات في اسواق خاصة على شكل حزم من الاغصان ملفوفة بأكياس بلاستيكية وتتراوح اوزان الحزم بين 25جراما و1000 جرام وتبدأ اسعار الحزمة الواحدة بـ 150 ريالا (دولار تقريباً) وتصل الى خمسة الاف ريال (45 دولارا تقريباً) وتتم جلسات القات في غرف مفروشة بالمجالس العربية تسمى (دواوين) وتبدأ الجلسات بعد الغداء وتنفض فيما بين السادسة والثامنة مساء وقد تمتد الى ما بعد ذلك. طقوس التخزين ويتم تعاطي القات (أو التخزين كما يقال في اليمن) بمضغ أوراقه بعد غسلها وتعتري (المخزن) خلال ساعتين من بدء (التخزين) حالة من النشوة ترافقها قوة في التخيل وصفاء في الانتباه ما يفتح شهيته للكلام وهذا ما يجعل (المقايل) اليمنية تتحول في اغلب الاحوال الى ما يشبه الندوات يناقش (المخزنون) خلالها موضوعات شتى لا تخلو من السياسة وشؤون البلاد.. لكن سرعان ما تطغى على (المخزن) بعد ذلك حالة من الخمول واحياناً الاكتئاب تجعله ينكفىء على ذاته مستسلماً لحالة من الصمت الطويل. ويدافع(المخزون) بشكل مستميت عن القات فيما اذا دار النقاش حول ما اذا كان مخدراً ام لا اومستحبا ام مكروها وهم يستندون الى ان ايا من علماء اليمن لم يفت بتحريمه ورغم ان الكل يجمع على مخاطره الصحية والاقتصادية والاجتماعية الا ان الكل ايضاً يعتبره وسيلة مثلى للقاء والتواصل مع الآخرين بل ان كثيرا من الاجتماعات الرسمية للمسؤولين او لقاءات الاحزاب والمثقفين تتم في جلسات للقات. اشهر نقد ثقافي للقات يقول الكاتب اليمني الساخر عبدالكريم الرازحي عن (مقايل) الادباء والمثقفين (مع مرور الايام والاشهر والسنوات اكتشفت ان الشاعر العراقي بلند الحيدري حينما قال اننا من فصيلة الماعز ولن نتطور ابداً كان محقاً واتضح لي انه بسبب عامل القات لا وجود لشيء في اليمن اسمه ثقافة واذا وجدت فهي لا تتعدى ثقافة المقيل وهي ثقافة شفوية تنتج وتستهلك في جلسات القات وهي اقرب الى الثرثرة اليومية التي تتكرر مع تكرار دورة القات.. وفي الحقيقة فان ثقافة المقيل هي ثقافة اجترار وتكرار, ثقافة عجز وعقم واضمحلال, تمضغ مع القات وتلفظ مع القات وفي ندوات المقيل يتساوى العالم والجاهل والمثقف والامي, والكل يسهم في انتاج هذه الثقافة) . صنعاء - مراد هاشم