يشق العاصمة السودانية من الشرق الى الغرب شارع ظل ولا يزال مرآة تعكس مؤشرات الوضع الاقتصادي والثقافي في السودان كله واصبح بالتالى (ترمومتراً) لقياس تطور الطبقة الوسطى السودانية هبوطاً وصعوداً . (شارع الجمهورية) اشهر شوارع الخرطوم كان أشبه ما يكون بشارع الحمراء في بيروت الذي يعتبر اشهر شارع تجاري فى الوطن العربي وبات يثير اليوم اشجان السودانيين سيما اجيال سنوات الخمسينات حتى اوائل الثمانينات بما كان يحمل من قسمات الاناقة والذوق والجمال شهدت جنباته أحداثاً سياسية واقتصادية وثقافية, وحملت البنايات التي تقع على جانبيه عمقاً ثرياً من تاريخ مدينة الخرطوم, دخل هذا الشارع ذاكرة أفراد الطبقة الوسطى السودانية وزوار الخرطوم في تلك السنوات السالفات, وحمل ملامح أذواقهم وأناقتهم وسلوكهم وتعلم بعضهم في محاله ثقافة التسوق الرفيع, وعند ذكره يتقد جمر الأشجان الحافلة بالامسيات العامرات بالأنس الشجي والزمان الذي ولى. شارع يختصر مدينة بناسها وعماراتها وثقافتها وفنونها وإقتصادها ووفادة ضيوفها: دبلوماسيين وسواح. شارع الجمهورية تاريخ عامر بالسياسة والاقتصاد والدبلوماسية والسياحة, طاف فيه كبار زوار الخرطوم من أمثال الملك فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية السابق والزعيم جمال عبد الناصر الذي حفظ الشارع ذكراه في حديقة تحمل اسم عبدالناصر وفي هذا الشارع طافت الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا. وبالفه تشبه وداعة السودانيين يحتضن هذا الشارع مقرات ضيوفهم إذ تقع على جانبيه السفارة المصرية, والسفارة اليونانية, وعلى شارع متفرع منه يقع مبنى السفارة البريطانية, وفي جانبه الجنوبي ــ في الوسط تقريباً ــ منزل السفير الامريكي بالخرطوم. وظلت السفارة نفسها تقبع في جانب من هذا الشارع قبل ان تنتقل لاحقاً الى مبنى جديد في شارع البطل على عبد اللطيف. ويختصر شارع الجمهورية ملامح الخرطوم المعمارية, ففي جانبه الغربي أحد أبرز مظاهر العمارة العربية الاسلامية متمثلاً في المسجد الذي شيده في القرن الثالث عشر الميلادي, وأعاد الملك فاروق ــ آخر ملوك مصر ــ بناءه على نمط العمارة الاسلامية التي تزين وجه مصر القديمة بالقاهرة, بمظاهرها العربية البارزة: المشربيات وفنون الرقص والارابسك, وسمى (مسجد فاروق) إلا أن هيئة الاوقاف اعادت اليه اسمه العتيق (مسجد أرباب العقائد) . ومن العمارة الاسلامية الى العمارة الفكتورية, التي كانت تميز مدينة الخرطوم حتى مطالع سنوات السبعين, ومن ابرز مظاهرها فندق فكتوريا الى عمارات الاذواق المتشظية التي محت ملامح جمال العمارة في العاصمة السودانية وافقرتها من اية ملمح معماري مميز. ملامح سياسية وشهدت احدى جنبات الشارع فصلا مثيرا من تاريخ النضال الوطني الفلسطيني عندما فجر شباب فلسطينيون فندق (اكروبول) الذي كان يقيم فيه عادة الاوربيون والامريكيون, وعن (اكروبول) اثيرت شائعات مازال صداها يتردد تتلخص في ان الفندق يشهد نشاطات تجسس غربية لطبيعة الضيوف الذين ينزلون فيه. وفي الشارع ايضا دائرة المهدي التي ادار فيها ومنها الامام عبدالرحمن مؤسس حزب الامة واحد رموز الاستقلال الوطني السوداني معارك الاستقلال, حيث كانت مقرا للقاءات عديدة وخطيرة سجلت خلالها فصولا هامة من تاريخ الحركة الاستقلالية في السودان واقتطعت حكومة الرئيس الاسبق جعفر نميري قسما من الدائرة واقامت عليه دار الوثائق القومية التي اسهمت بعض الوثائق التي تحويها بدور حاسم في استعادة (طابا) للسيادة المصرية. ويقع في الجنوب الشرقي من الشارع مبنى وكالة السودان للانباء (سونا) احدى كبريات وكالات الانباء في افريقيا والشرق الاوسط حتى منتصف سنوات الثمانين وبالقرب منه مبنى مجلة (سودان ناو) الانجليزية المحتجبة حاليا ودار خريجي جامعة الخرطوم, ومقر مجمع اللغة العربية بالسودان الذي يديره العالم السوداني الفذ البروفيسور عبد الله الطيب. قسمات الاقتصاد والثقافة شارع الجمهورية يحمل قسمات الثروة والجمال والاناقة والذوق, به اشهر المصارف السودانية, ومكاتب توكيلات خطوط الطيران العالمية, ووكالات الحجز الجوي, وبه اول وكالة للحجز الجوي والسفر والسياحة في افريقيا (وكالة السر للحجز الجوي) تتوسطه حديقة جمال عبدالناصر التي قلصت البلدية مساحتها (ربما في تزامن مع تراجع الوهج الشعبي لهذا الزعيم مقارنة بفترات سابقة) وبه محال بيع العطور والازياء الحديثة, والاحذية, وصالونات الحلاقة الرجالية, وكوافيرات تزيين السيدات ومحلات بيع التحف والصناعات الشعبية اليدوية التي تعبر عن جماليات الفن الشعبي الفطري, وفيه مكتبة (خرطوم بوكشب) التي تعرض احدث الاصدارات والدوريات المحلية والعربية والاجنبية, والتي يذكرها جيل سنوات الستين والسبعين بالكثير من الشجن والاسى وبه بازارات كانت ومازالت علامة من علامات التسوق السياحي في البلاد, وفيه انطلقت بدايات التصوير الفوتوغرافي الحديث حيث اسس استديو جردون الذي تغير اسمه الى (استديو النيل) في سنوات السبعين واستوردت له احدث ادوات تكنولوجيا التصوير الفوتوغرافي آنذاك. كان شارع الجمهورية عامرا بالزهور ومظاهر النظافة والذوق وشهد بدايات تأسيس مراكز التسوق الحديثة على النمط الاوروبي, مثل مجمع مركز صحاري التجاري الذي يضم فندقا ومركزاً تجاريا تعرض فيه كل احتياجات المشتري من السيارة الى الصحيفة وكان ذلك قبل ان تعرف دولا كثيرة مراكز التسوق التجارية. وعلى جانبه (الشارع) اشهر الفنادق السودانية: صحاري ــ اكسلسيور ــ اكروبول ــ الشرق. وشهد هذا الشارع صخب اشهر المراقص والكافتريات والمطاعم والاندية من نحو (جي. ام. اتش) صالة جوردون للموسيقى وسودان كلوب الذي كان يرتاده الانجليز في سنوات الاستعمار واصبح مزارا لكبار الموظفين في الدولة عقب الاستقلال و(اللورد بايرون) الذي كان يرتاده الادباء والفنانون والصحافيون هذا فضلا عن (سان جيمس) ــ شيش كباب وكايرو جلايية فيما بعد وأنتنيه وكوبا كوبانا وفلفلة وروضة المدينة وسويت روزانا اشهر محال الحلويات والفطائر في الخرطوم سنوات الستين وشاناكا ومطعم الست ومخبر باباكوستا. في الزمن الجميل كان في الشارع ثمة مقاهي خاصة بالعمال واخرى خاصة بسائقي التاكسي وثالثة تخص الجزارين وعمال الشحن والتفريغ... الخ وكانت مداخل المقاهي والكافيتريات والمراقص تحاكي مداخل تلك التي تظهر في الافلام السينمائية خاصة افلام (الوسترن) الامريكية, وبذات التماثل كانت ازياء النساء والرجال تشابه الى حد بعيد ازياء نجوم ونجمات تلك الافلام وكان ثمة ترزية يبرعون في قص ازياء شبيهة بتلك التي يرتديها نجمات ونجوم افلام الوسترن تعبيرا عن صرعات للموضى فيما بعد. وكانت اشهر الازياء النسائية التي برع في تصميمها ترزية السوق الافرنجي الذي تقع محال معظمهم في شارع الجمهورية (الميني جوب) المسمى سودانيا بــ (جكسا في خط ستة) . ولعب الاثرياء الاجانب دورا بارزا في اثراء الحياة الاقتصادية في السودان والتي يمثل شارع الجمهورية احد انصع مظاهرها سيما الاغاريق (اليونانيون) واليهود والشوام وبعض الاوروبيين وكانت لمعظمهم محال ومكاتب تجارية ومن ابرزهم: كونت مخلص ــ ميرزا ــ قومشيان ــ جيم برت ــ ألوب مارشيه ــ الفرد ديسيه ــ شكري ريفلي, وكانوا يؤسسون المحال الاكثر حداثة وجمالا وعصرية, وكانت غالبية بضائعهم مستوردة وملائمة لذوق العصر. شهادات الحسرة صاحب محل عطور بشارع الجمهورية قال لــ (البيان) : الآن تغير الحال كثيرا كان الوضع مختلفا قبل عشرين عاما واكثر عندما كنت صبيا في بدايات عملي هنا كان زبائننا يتسمون بالاناقة والذوق والظرف على مدى سنوات يشتري الواحد منهم نوعا محددا من العطور بعضهم خواجات (اجانب) وغالبيتهم افندية (موظفون) الآن اصبح الزبائن آسيويين اما من الصين او ماليزيا او اندونيسيا وبعض الاثرياء الجدد الذين لا يعرفون حتى اسم العطر الذي يريدونه واستدرك: لكن مازال هناك بقية باقية من اصحاب الذوق الرفيع على قلتهم, فضلا عن بقايا الخواجات من الدبلوماسيين خصوصا وقلة قليلة من السواح, وبعض الاخوة العرب وختم: عموما الحال غير مشجع الآن, في الماضي كنا نظل نعمل منذ الصباح الباكر حتى منتصف الليل, الآن صرنا نغلق محالنا عند الظهيرة, ونادرا ما نعيد فتحها ليلا. موظف بمجمع فندق وتجاري في الشارع قال لــ (البيان) : كان هذا المجمع املا وبشارة لنهضة الاقتصاد والسياحة في هذا البلد, انه الاول من نوعه, الآن بدأ يضمر ويفقد قيمته حتى الفندق لم يعد عامرا كما كان على الرغم من مستوى الخدمة المتطور والسبب ان سوق السياحة بدأ يضمحل في السودان. ان شارع الجمهورية كان سكان الخرطوم وضيوفها يتزينون ويتعطرون عند السابعة مساء ليبدأون جولتهم في وسط المدينة بالتسكع في شارع الجمهورية كان ابرز تجليات الاناقة والذوق والجمال في الخرطوم, يظل عامرا بالناس حتى منتصف الليل, ساحة للتسوق والانس واللقاءات الاليفة, ومظهرا للحداثة والجمال والعصرنة, الآن صار هذا الشارع خاليا, او شبه خال من المارة الا من اصوات صرير اطارات السيارات صحيح بعض محاله اعيدت صيانتها وصارت اكثر حداثة وعصرية, الا انه لم يعد جميلا وجذاباً واليفا كما كان انه فقط لانارة الاشجار والتأسي على زمان ولى ولن يعود ربما. الخرطوم ــ محمد الأسباط