قليلون هم الذين يتخطون عتبة مطبخ صنع القرار ويشاركون المثقفين والمفكرين همومهم, وينفتحون على الجدل الدائر حول قضايا يعتبرها اهل الحكم (كلام مثقفين) واسامة الباز احد هؤلاء فهو اهم العاملين في مطبخ صنع القرار السياسي المصري, بحكم موقعه كمستشار للرئيس المصري حسني مبارك ووكيل اول للخارجية المصرية . ولا يغيب الباز عن ساحة الحوار الثقافي والسياسي, رغم ازدحام برنامجه اليومي بالمهام الرسمية والاتصالات ينتزع الباز نفسه من مطبخ صنع القرار وينضم الى منتديات المثقفين في القاهرة ملقيا بسهمه واطروحاته في التعامل مع قضايا الفكر السياسي. وهنا رصد ومتابعة لتناول الباز لقضية الطريق الثالث كأحد اطروحات اليسار الاوروبي الحاكم لتجديد الافكار الاشتراكية خلال المرحلة الراهنة وطغيان العولمة. ويتعامل الباز مع الطريق الثالث لحزب العمال البريطاني بزعامة توني بلير كنموذج لاستمرار التجديد والتطوير ومواكبة التغييرات. في لقاء جماهيري على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب وفي حضور حشد من المثقفين والمشتغلين بالبحوث السياسية. اعتبر الدكتور اسامة الباز ان ابرز ما يصادف الباحث في تعريف هذا المفهوم الجديد ان الطريق الثالث ظاهرة سياسية جديدة على الساحة ومازالت في مرحلة التكوين وبذلك يصعب وضع تعريف محدد لها لان مرحلة التكوين تتميز بالسيولة والليونة والمرونة ومن ثمة يحار الكثير من السياسيين والفلاسفة والعلماء في وضع تعريف دقيق ومعين ويذهبون الى مذاهب شتى ولكن لن يستطيعوا الآن. فهذا المفهوم مازال في مرحلة التكوين مثل الجنين في الرحم. ويزيد من صعوبة وضع هذا التعريف المحدد لهذه الظاهرة انه ليست هناك رؤية محددة وموحدة ولكن هناك رؤى شتى من الناس مختلفين في الفكر في مناطق مختلفة في العالم كل حسب تجربته وتطوره الفكري والفلسفي ففي بعض الدول الغربية مثلا بريطانيا والولايات المتحدة يتصف معظم الناس بالتفكير البراجماتي اي النظرة العملية للشيء وهناك اناس في الدول الغربية والمجمعات الشرقية يندرج تفكيرهم تحت منطلق عقائدي ايديولوجي وبالتالي تختلف نظرة هؤلاء. عن هؤلاء وهذا انعكس على حركة الطريق الثالث بخلاف الدول التي مازالت في مرحلة التفكير فيه. وبعد ان تحدث الدكتور اسامة الباز عن هاتين النقطتين لمفهوم الطريق الثالث وهما مرحلة التكوين واختلاف المعاني بين الشعوب والمفكرين في مناطق مختلفة قال ان هناك نقطة ثالثة تنصب على المدخل الذي تطورت حركة مفهوم الطريق الثالث بمقتضاه في المجتمع الذي نشأت فيه وهو المجتمع البريطاني والامريكي وعلينا نحن الدول النامية رصد هذه الظاهرة في بدايتها على ان تكون لدينا المرونة في التفكير لمواكبة هذه الظاهرة وان يكون تفكيرنا قابلا للتكيف للحكم عليها. العولمة ونظرية المؤامرة فمن عيوب معظم دول العالم الثالث وشعوبه انهم يتخذون مواقف فقط دون محاولة للتطور ولا يكون لديهما سوى موقف فقط اما مع الشيء او ضده اما الافضل فهو المساهمة في التطوير ولا يصح ان يكون العالم الثالث ملتقيا فقط وانما يجب ان يكون مشاركا في الفكر وفي وضع اطارات مختلفة لاي ظاهرة او فكرة سياسية او اقتصادية. ففي قضية العولمة المطروحة الآن لابد ان يكون لدول العالم الثالث دور لمواجهة هذه القضية وخاصة في جانبها الاقتصادي ولا يصح ان تأخذ دول العالم الثالث العولمة كقدر محتوم او الاكتفاء بالقول انها مؤامرة صنعها الغرب ويقوم البعض بشجبها وسبها وانما على الاقل لابد من وضع افكار جديدة لتطبيق المفهوم الاقتصادي للعولمة او الكوكبة كما يطلق البعض عليها ليصبح العالم اكثر عدلا. وتساءل الدكتور اسامة الباز ماهو الهدف من بحث هذه الظاهرة السياسية الجديدة التي بدأت تعرف بالطريق الثالث؟ واجاب قائلا اننا نبحث هذه الظاهرة للوصول الى الحقيقة فالحقيقة احسن عنصر يقود الى العدل باعتبار ان العدل من القيم الكبرى في تاريخ الانسان والشعوب. الطريق الثالث ميراث اوروبي وتتبع الدكتور اسامة الباز كيفية ظهور بذور مفهوم ظاهرة الطريق الثالث التي نبتت في العالم الرأسمالي وقال ان البعض يذكر ان المفهوم بدأه البابا بولس الثاني عشر في نهاية القرن الماضي اي منذ مائة عام حيث دعا لمواجهة الفلسفات التي بدأت تنتشر في ذلك الوقت وهي الفلسفة الرأسمالية والفلسفة الشيوعية وطالب بأخذ طريق ثالث بينهما ولكن هذا البابا لم يتحدث بالطبع بالمعنى السائد الآن عن هذه الظاهرة. ثم حاول سياسي بريطاني من حزب العمال البريطاني يدعى ماكملان منذ خمسين عاما اي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وضع تصور عام وايجاد ما اسماه بالطريق الوسط ويكون هذا الطريق في المنتصف مابين التطبيق الرأسمالي والشيوعي. وفي الفترة الحديثة وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء فترة الاستقطاب الحاد. وسقوط النظرية الشيوعية بدأ يظهر في اماكن متفرقة وبالتحديد في الولايات المتحدة وبريطانيا ما يسمى الآن بالطريق الثالث ورأينا ان اللذين تحدثا عن هذا المفهوم هما الرئيس الامريكي بيل كلينتون وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا دون ان يضعا تعريفا لهذا المفهوم وانما قاما بالتطبيق فالرئيس الامريكي اثناء حملته الانتخابية لمواجهة الحزب الجمهوري طرح فكرة تطوير الحزب الديمقراطي او ما اسماه الديمقراطيون الجدد وهو ما دعا اليه ايضا بلير اثناء الانتخابات البريطانية لمواجهة حزب المحافظين وطرح هذا المفهوم لاعادة صياغة الفكر والتطبيق الاقتصادي واعتقد ان بلير نجح اكثر من كلينتون في طرح هذا المفهوم السياسي الجديد بمحاولة التطبيق ووضع سياسات جديدة وتطبيقها. ثلاثة مسارات للطريق الثالث واعاد الدكتور اسامة الباز القول ان المفهوم السياسي الجديدة للطريق الثالث اخذ ثلاث اتجاهات اساسية الاول اتجاه يقول ان الطريق الثالث هو نظرية الوسط بين التطبيق الاقتصادي والاجتماعي لدى كل من المجتمع الشيوعي والرأسمالي في توزيع الموارد والاتجاه الثاني يقول ان الطريق الثالث هو صيغة معدلة للديمقراطية الاشتراكية التي بدأت في الدول الاسكندنافية عند ظهور الشيوعية ومنها انطلقت الى اوروبا ونجحت في الوصول الى الحكم ويمثلها اليوم المستشار الالماني الحالي جيرهارد شرويدر الذي ينتمي اليها, والديمقراطية الاشتراكية تطرح مفهوما غريبا للعدالة الاجتماعية من منطلق نظام ديمقراطي متعدد الاحزاب اما الاتجاه الثالث الطريق الثالث فهو رفض الافكار الراديكالية التي تميل نحو التطرف. وقال الدكتور اسامة الباز ان الكل يجمع على ان نقطة التحول الاساسية التي جاءت بمفهوم الطريق الثالث كانت بعد الحرب الباردة ومحاولة ان تسود فكرة العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية والدعوة لتطبيق مفهوم حقوق الانسان على نطاق العالم اجمع. واضاف ان عددا من المفكرين حاولوا بعد انتهاء الحرب الباردة ايجاد صيغة جديدة تسود العالم قبل بلير وكلينتون واطلاق مفهوم الطريق الثالث ففي مصر دعا عالم الاجتماع والسياسة المصري السيد ياسين في عام 1990 لايجاد طريق وسط بين الرأسمالية التي بدأت تصعد بكثرة بعد سقوط الشيوعية. وهناك مفكر بريطاني يدعى سنيورات ديزور قال ان العالم عليه اعادة صياغة قيم ومفاهيم يسار الوسط التقليدي ليواكب المتغيرات الجديدة ووضع صياغة جديدة لثقافة اليسار الوسط لمواجهة عدم المساواة وزيادة مفهوم الفردية وفرض نظرية العولمة وتدهور البيئة واختلال التوازن في التعامل بين الحكومة والشعب وطالب باعتدال هذا التعامل ووضع اطارات جديدة للقضايا. وانتهى الدكتور اسامة الباز الى القول بأن الفلسفة الجديدة المتمثلة في مفهوم الطريق الثالث بدأت تظهر في المجتمعات الغربية بمحاولة التوفيق الخلاق بين ايجابيات الرأسمالية وحسنات الاشتراكية والشيوعية وسيكون في الغالب هذا المفهوم الذي يريد الكثير تطبيقه. وقال ان دول العالم وخاصة العالم النامي استخلصت مبادىء الطريق الثالث من واقع فعلي بها فالذي يصلح في بريطانيا والولايات المتحدة لايصلح في مصر او الهند وانما المطلوب ان نأخذ الملامح لوضع تطبيق جديد يفيد المجتمع وهو مفهوم يشمل الرؤى المختلفة مثل العدالة الاجتماعية فقد طرح كلينتون هذا المفهوم للاهتمام بالاقليات والمهاجرين الجدد وكيفية الاندماج في المجتمع الامريكي كما طرحه بلير بعد ارتفاع معدل الجريمة وزيادة التهميش للاخرين. عودة الى المطبخ السياسي ثم تناول الدكتور اسامة الباز التساؤلات المطروحة على الساحة حاليا خاصة حول الشأن العراقي والشأن الفلسطيني. فبالنسبة للعراق اكد ان الدول العربية كلها لاتوافق على اي عمل عسكري ضد العراق الان وقال ان المهمة العربية الاساسية عندما احتل العراق الكويت, اخراج العراق من الكويت وبعد تحرير الكويت رفض الرئيس حسني مبارك ماكان الرئيس الامريكي السابق جورج بوش يخطط له من دخول العراق واسقاط النظام القائم واكد له انه ستكون سقطة امريكية في التاريخ كما ان العالم العربي يرفض هذا الامر بشدة وفيما بعد اشاد بوش بهذا الموقف في كتابه الذي ظهر مؤخرا. واوضح الباز ان القيود المفروضة على العراق قائمة لوجود اسلحة تدميرية تقوم لجان التفتيش التابعة للامم المتحدة بمهام تفتيش عليها. واضاف ان النزاع الحادث بين العراق وهذه اللجان التي كلفتها الامم المتحدة للتحقق من نزاع اسلحة الدمار الشامل يعود الى الممارسات الخاطئة للعراق وكانت امام العراق ممارسات اخرى لو اتبعها لخرج من الازمة قبل ان يوجه اللوم للاخرين. والمفروض ان يسائل العراق نفسه كيف يتعامل بشكل طيب ويبحث عن الاسلوب المناسب حتى يخرج من القيود المفروضة عليه بأن يطبق ويلتزم بالسياسات والممارسات التي تتفق مع متطلبات الامن العربي وان يكف عن تهديد الجيران. واكد ان العالم العربي قال لا لاي عمل عسكري جديد ضد العراق واضاف ان من يطالب الدول العربية بعدم الاكتفاء ببيانات الشجب للضربات الامريكية ضد العراق عليه ان يفهم ان عالم السياسة يقوم على التوازن. اما بالنسبة للشعب الفلسطيني فقد اكد الباز ان حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة لاجدال فيه وان اعلان فلسطين هذه الدولة في شهر مايو القادم هو شأن داخلي لاتدخل فيه. القاهرة ــ عادل ابراهيم: خدمة الاهرام