سيل من الاصدارات التي لا تحمل لونا ولا هوية محددة.. صحافة إثارة وفضائح.. واخرى تدافع عن رجال أعمال, وثالثة تعيش على ابتزازهم والدخول طرفا أصيلا فى معاركهم.. صورة سوداوية للصحافة المصرية التى تعاني من حالة تخبط واضحة فى ظل غياب رؤية محددة لدورها وما هو مطلوب منها فى ظل مرحلة التحول التى تشهدها مصر حاليا.. بالاضافة الى غياب شبه كامل لميثاق الشرف الصحفي. والخبراء من ابناء المهنة لا يرون خروجا من هذا النفق المظلم إلا بإطلاق كامل لحرية الصحافة وحق اصدار الصحف, وفق ضوابط ومعايير مثل تلك التى تحكم صحافة المجتمعات الديمقراطية وبدون ذلك فلا سبيل الى الخروج من ظاهرة (الفرق الانكشارية) فى الصحافة المصرية كما اسماها مدير عام جماعة تنمية الديمقراطية. فى البداية يفرق احمد شرف الكاتب اليساري بين اشكال الصحافة الموجودة حاليا فى مصر بقوله: كثرت الاشكال الصحفية فى مصر خلال الفترة الاخيرة إلا انها تندرج تحت اربع فئات مختلفة وهي الحكومية والحزبية والمستقلة والمتخصصة فالصحافة الحكومية بها عدد من المدارس المحددة منها صحافة التشويق والاثارة مثل مدرسة اخبار اليوم التى تهتم بالاخراج (الخفيف) ولا تهتم بدقة الخبر بقدر ما تهتم بحجم الاثارة الناتج عن قراءة هذا الخبر ومن ثم فهي ذات طابع عام يعرف باسم صحافة الترويج الاستهلاكي. وهناك مدرسة الصحافة المحافظة مثل مدرسة الاهرام وهو نمط يختلف عن المدرسة السابقة ويهتم الى حد كبير بأناقة الكلمة وحشد عدد كبير من الكتاب وتهتم بتفاصيل الاعلانات والمجتمع وهناك نوع آخر يمثل الصحافة السياسية الناضجة نسبيا مثل روز اليوسف والجمهورية مع الاختلافات الفكرية بينهما. اما الصحافة الحزبية فهي مرتبطة الى حد كبير بأيديولوجية الحزب التابعة له وتعكس الحالة الحزبية أو ما يسمى المزاج العام لكل حزب وتهتم بصحافة الرأي والخبر, اما الصحف المستقلة فتنقسم الى قسمين القسم الاول ما يطلق عليه بصحافة الاثارة أو الفضائح وهي عبارة عن مجموعة من الصحف تقوم بابراز الجوانب المثيرة بالوان مختلفة والنوع الثاني هو الصحافة الجادة والتى تميل فى طابعها بدرجة كبيرة الى الصحف الحزبية مع اختلاف التوجهات وهي تختفي تدريجيا فى الوقت الحالي, والفئة الاخيرة هي الصحافة المتخصصة أو التجارية وتقوم على خدمة طائفة معينة او بلد ما, وهي صحافة مهنية أو اقليمية وتخدم مصالح خاصة فى الغالب. تغلغل رجال الاعمال وليس صحيحا ما يطلق او ما يشاع عن ان هناك صحافة يطلق عليها صحافة رجال الاعمال.. فرجال الاعمال تمكنوا خلال السنوات القليلة الماضية من التغلغل داخل كافة فئات الصحف المختلفة فهم متواجدون فى الصحف المتخصصة او المستقلة بصورة اكثر تركيزا ومتواجدون ايضا فى الصحف الحكومية والحزبية من خلال الاعلانات أو من خلال الاحاديث الكثيرة التي تستهوي فئة خاصة من الصحفيين الذين يسعون وراء تخليص بعض المصالح الخاصة بهم كل ذلك يدفعنا الى القول بأن رجال الاعمال يحكمون سيطرتهم على مقاليد الحكم فى الصحف المصرية. ويرى احمد شرف انه على الرغم من التواجد المكثف لرجال الاعمال على الساحة الاعلامية فى مصر إلا انهم لا يستغلون تلك المساحة لخدمة الاقتصاد القومي, مشيرا الى ان رجال الاعمال فى مصر حاليا فئات لا تخدم الاقتصاد الوطني بل هم (جامعو) اموال فقط وليس فى ذهنهم دفع آليات التنمية بالبلاد دون النظر الى الاضافة التى قدموها لأداء الاقتصاد فعلى سبيل المثال دخول صناعة السيارات الى مصر لم تضف أي شيء الى الاقتصاد بل على العكس اربكته وكذلك الحال بالنسبة لصناعات اخرى كثيرة. وأؤكد ان الوضع الحالي لرجال الاعمال فى مصر لا يحتاج الى جهد لتغييره بل ان متابعة الاحداث فقط تكفي للتعرف على حقيقة مجتمعهم. ويختتم احمد شرف حديثه بقوله: من المعروف لدينا ان الدول تخدم الطبقات المسيطرة أو ذات النفوذ الاعلى وكون الاعلام تابعا لاحد اجهزة الدولة فهو ايضا تابع لرجال الاعمال ما يجعلنا نؤكد فى النهاية ان صحافتنا الحالية تعيش فى ثوب جديد غير مناسب لها ولا يليق بسمعة مصر كبلد ريادي فى هذا المجال, ومن المؤكد ايضا ان هذه الظاهرة (موضة) ستأخد مراحلها من النمو حين يتأكد الجميع من حجم الاضرار التى خلفها رجال الاعمال ليس على المستوى الصحفي فقط بل على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ايضا. القيود وراء المشكلة ومن وجهة نظر مختلفة يرى الكاتب الصحفي صلاح عيسى ان القيود المفروضة على حرية الصحافة هي التى دخلت بالصحافة المصرية فى هذا المنعطف الخطير والمشكلة هنا ليست من يكتب لمن بل من يسمح له بالكتابة ومن لا يسمح له بمعنى ان صناعة الصحافة حاليا تعيش حالة من عدم التوازن حيث يسمح لتيارات معينة باصدار الصحف ولا يسمح لتيارات أو فئات اخرى وهو ما جعل فئات تقفز اعلاميا على حساب فئات اخرى. وقد يعتقد البعض ان منع تيار ما أو فئة معينة من اصدار الصحف حماية للمهنة او للمجتمع والعكس صحيح فإن السماح بإصدار الصحف لكافة التيارات او الفئات من شأنه اعادة التوازن لصناعة الصحافة وستنظم كذلك الحرية الممنوحة نفسها بنفسها دون تدخل اضف الى ذلك فإنه مع اطلاق الحرية لعملية الاصدار سيتكشف الامر امام الجميع حيث سيتضح وخلال فترة وجيزة ان هناك صحفا مملوكة لرجال اعمال محدودي الافق يستخدمونها لمصالحهم الخاصة وسيكون هناك فى المقابل صحف اخرى لرجال الاعمال واسعي الافق يسعون بجدية الى خدمة مجتمعهم والاقتصاد الوطني ومن المؤكد ان النوع الاخير سيتبع النظام الاوروبي او الامريكي المعمول به فى الصحف هناك حيث يتم فصل الادارة عن التحرير او الفصل بين حقوق المالك وحقوق التحرير, فادارة التحرير بالصحف العالمية تربطها عقود موثقة مع ملاك تلك الصحف لمعرفة الحقوق والالتزامات والمحافظة على القيم المهنية. صحافة تعبئة ويرى عيسى ان الصحافة المصرية لم يطرأ عليها اي تغيير يذكر خلال السنوات العشر الاخيرة وتسير على قاعدة اساسية ومن ثم فهي صحافة تعبئة (بمعنى انها من حيث الملكية فى يد الدولة وتحت سيطرتها مع السماح بهامش محدود للغاية من الحريات ليس له اي تأثير يذكر فى الرأي العام وهذا الهامش لا ننكر انه واسع الآن مقارنة بالعهود السابقة إلا انه غير مقنن وقائم على سماحة الحاكم الذي يستطيع ان يحجبه فى أي وقت, والحريات لن تكون حقيقية إلا حينما تدخل فى قالب قانوني يتعامل من خلال كافة الاطراف العاملة فى مجال الصحافة, وكذلك يجب ان تعمل المؤسسات الصحفية على أساس ديمقراطي صحيح ومن ثم فإن أي شخص يمكنه ان يعكس وجهة نظره الخاصة أو أي شخص يمكنه اصدار صحيفة سواء كان رجل اعمال او بائع فول. ويستطرد عيسى قائلا: قد يعتقد البعض ان الصحافة أو وسائل الاعلام كانت وراء تفجير خلافات رجال الاعمال الاخيرة وفضح العديد منهم بل العكس فإن رجال الاعمال تعمدوا افساد الصحافة والمهنة حيث استغلت فئة معينة من رجال الاعمال نفوذها فى صحيفة ما أو امتلاكها لإحدى الصحف لتوجيه ضربات او طعنات لفئة اخرى ومن ثم اصبحت الصحف احدى أدوات الحرب الحالية بل اهم ادوات الصراع فى ساحة رجال الاعمال. المعارضة لم تأخذ فرصتها وقد يتساءل البعض اين دور الصحافة الحزبية فى هذا الشأن؟.. وهنا اجيب عليه بالقول ان صحافة المعارضة لم تأخذ فرصتها فى مصر وكانت منذ البداية تتهم بأنها صحافة مهاجمة فقط ويجب ان نشير فى هذا الصدد الى ان صحافة المعارضة كانت غير متواجدة على الساحة الاعلامية بصفة مستمرة وحتى النجاح الذي حققته مع الانطلاقة الاولى لها تراجع على نحو كبير خلال السنوات القليلة الماضية ونجحت الحكومة فى تهميشها بحيث لا يكون لها أي تأثير على الرأي العام ولم يقف الامر عند هذا الحد بل فى الفترة الاخيرة ومع توسع نفوذ رجال الاعمال تمكنت تلك الفئة من اختراق صحف المعارضة إما بالتمويل أو بالاعلانات لاسكات الاقلام التي كانت فيما سبق تعكس حقيقة أوضاع رجال الاعمال, كل ذلك يدفعنا بالقول الى ان صحف المعارضة فى الفترة الاخيرة اصبحت هي الاخرى مظهرا من مظاهر الخلل القائم حاليا فى صناعة الصحافة في مصر لنعيش حاليا عصر (العشوائيات) الصحفية. وعن الدور المفقود للجهات الاعلامية مثل وزارة الاعلام او المجلس الاعلى للصحافة فى السيطرة على الموقف يقول الكاتب الصحفي صلاح عيسى: كافة البلاد المتقدمة او التى يسودها المناخ الديمقراطي لا يوجد بها ما يسمى بوزارة الاعلام كما ان تلك البلاد لا يوجد بها المجلس الاعلى للصحافة بالشكل الموجود فى مصر, فهو شكل مبتدع, فالمجالس العليا للصحافة تتواجد لكي تحافظ على ادبيات وتقاليد المهنة وتعبر عن رأي ومصالح الجمهور, ومن هنا تأخذ تلك المجالس قيمتها ودورها المعنوي القوي بشرط ان تكون مجالس مستقلة عن الحكومات تأخذ دورها من استقرارها ومن ثقل الشخصيات التى تتشكل بها. الحرية.. هي الحل ويستخلص عيسى من ذلك ان حرية الصحافة من شأنها ان تنظم نفسها بنفسها ولو فتحنا الباب لاصدار الصحف بلا قيود لتشكلت شركات قوية لاصدار صحف يساهم فيها افراد دون الخضوع لشخص بعينه, وهو ما سيعيد الى الصحافة المصرية دورها الرئيسي فى خدمة الوطن والمجتمع وسيزيل فى الوقت نفسه كافة الآثار الناجمة عن القوانين (الجامدة) التي دخلت بصحفنا الى هذا المنعطف ويتساءل قائلا: ما معنى ان تكون هناك صحيفة يملكها مصري وتحرر من القاهرة وتناقش كافة المشاكل المحلية وتصدر برخصة اجنبية من الخارج بل وتطبع حاليا من الخارج ايضا؟! كل ذلك من اجل إحكام يد الرقابة على الاصدارات الجديدة فقط. وانا مع دخول كافة انواع الصحف الى السوق المصري ما عدا ما ينص عليه القانون مثل الصحف الاباحية وصحف الطعن فى الاديان لأن من حق كل مواطن ان يقرأ ما يشاء من الصحف وليس هناك اي تخوف من تأثير تلك الصحف على الرأي مهما كانت توجهاتها فنحن في عالم (السماوات المفتوحة) ولن نستطيع ان نحصن انفسنا من الجراثيم إلا اذا اصبنا بها واخذنا مناعة حقيقية أضف الى ذلك فإن التخوف من دخول جريدة واحدة ذات توجه خاص يقابله عشرات الجرائد التي من الممكن ان تدخل الى اسواقنا المحلية ذات توجهات مفيدة من الممكن ان تخدم الدولة في جهات مختلفة. لخبطة اما الدكتور فاروق ابو زيد عميد كلية الاعلام جامعة القاهرة فيرى ان ظاهرة الخروج عن اخلاقيات المجتمع اصبحت واقعا فى وسائل الاعلام المختلفة ليس فقط فى الصحف بكافة انواعها بل ايضا في القنوات الفضائية والتليفزيون وبالتالي لابد من مناقشة هذه الظاهرة وتحليلها من خلال رصدها ومعرفة ابعادها المختلفة مشيرا الى ان دساتير او مواثيق الشرف فى دول العالم الثالث لاثقة فيها الآن حيث توضع الكثير من المواثيق ولا تنفذ. واستطرد الدكتور ابو زيد: ان مصر تعيش مرحلة انتقالية مستمرة ولسوء حظنا طالت هذه المرحلة وان المجتمع المصري تغير ثلاث مرات فى اقل من 30 سنة من مجتمع ليبرالي الى مجتمع اشتراكي ثم الى مجتمع ليبرالي مرة اخرى وبالتالي فإن كل شيء انقلب رأسا على عقب فالعادات والقيم والتقاليد هي الاخرى اصابها الانقلاب والمرحلة المقبلة ستشهد العودة الى الوضع الصحيح والاعلام المتمثل فى الوسائل المختلفة هو اكثر الاشياء التى تجسد تلك (اللخبطة) التى تسود المجتمع المصري وبالتالي لابد ان نخرج بمعيارين فهناك مجموعة قيم لابد للاعلام ان يلتزم بها سواء فى مصر أو امريكا أو فى الحاضر أو المستقبل وسواء فى مجتمع اشتراكي أو رأسمالي وهي القيم الاساسية لأي مجتمع والتي تتمثل فى الصدق وعدم الكذب وكل ما اقرته الاديان والدساتير لايجب ان نختلف عليه لكن هناك جزءا ذا طابع نسبي وهو المرتبط بمجموعة من القيم فى مجتمع ما قد يتصورها خارجة عن المألوف بينما تكون مألوفة جدا في مجتمع أخر. والقضية هنا مرتبطة بطبيعة المجتمع المصري الذي مازال يحوي مجموعة من القيم مأخوذة عن المجتمع الاشتراكي وهي فى سبيلها الى التغيير ولو حللنا ما ينشر أو يبث فى اجهزة الاعلام المختلفة سنجد الكثير الذي يتعارض مع تلك القيم فالمجتمع الاشتراكي منذ اكثر من عشر سنوات كان يرفض نشر الاعلانات او الحديث عن علاقة رجال الاعمال لانه ملازم للرأسمالية وبعض الصحف كانت ترى ان جزءا من الوجاهة الاجتماعية وعدم نشر الاعلانات ومن ثم فالقضية تتعلق بكيفية ضبط الممارسة الاعلامية مع طبيعة المرحلة التي يتطور فيها المجتمع بحيث نقدم له ما يتوافق مع قيمة وعاداته وعلينا ايضا ان نعي حقيقة تغير الاعلام المصري خلال الفترات الانتقالية السابق ذكرها. أما الدكتور سامي عبدالعزيز استاذ العلاقات العامة والاعلان بكلية الاعلام فلا يرى ان الصحافة تعاني من اختلاف المعايير بقدر ما تعاني من حالة جهل عام في المجتمع المصري بحدود الاعلام بمختلف وسائله كما ان هناك قضية لا تحتاج الى ميثاق شرف مثل نشر صحيفة موثوق بها لمادة تحريرية تشيد باحدى الشركات استغلالا لمصداقيتها عند الجمهور دون الاشارة الى انها اعلان وكذلك اللعب على هوى رجال الاعمال لتمرير مصالح خاصة فما معنى ان ترفض صحيفة نشر تحقيق عن احد كبار رجال الاعمال اعتقادا منها بأن هذا سيؤثر على نشاطه فهل هذا يحتاج الى قوانين أو ميثاق, لذلك فقبل ان نقيم الميثاق علينا ان نوفر أدوات الحكم أو المعايرة بالنسبة لوسائل الاعلام والتى من بينها الصحف. صحافة ابنة بيئتها ومن وجهة نظر مختلفة يؤكد نجاد البرعي المدير العام لجماعة تنمية الديمقراطية ان الفساد الصحفي نتيجة لبيئة اجتماعية ساعدته على النمو ليصبح حاله كما هو الآن, فالقلق ينتاب المتابع المهتم بمصير الصحافة والحياة الفكرية فى مصر حيال ما يحدث فى المناظرات الفكرية بين الفرقاء المختلفين والتى اصبحت تندفع الى طريق التجريح الشخصي والاختيار الرمزي وحفلت بالشتائم والاهانات وصنعت مادتها من الضغائن والاشاعات. وبصفة عامة فإن المرحلة التى تعيشها الصحافة الحالية نتاج العديد من النقاط السلبية اهمها ازدياد الفساد بشكل عام داخل المجتمع وشيوع قيم الربح السريع وتراجع قيمة اتقان العمل والثراء بطرق غير مشروعة بالاضافة الى ازدياد نفوذ رجال الاعمال وانتباههم الى الدور الذي يمكن ان تلعبه الصحف أيا كانت قيمتها الفكرية أو عدد النسخ الموزعة منها سواء فى الترويج لهم أو الدفاع عن سياستهم أو حتى تحطيم منافسيهم. فرق الانكشارية ويضيف البرعي: هناك نقاط اخرى لا يمكن اغفالها مثل وجود ظاهرة التشرذم داخل النخبة الحاكمة بشكل عام والوزارة الحالية بشكل خاص مما استدعى ان يحاول كل فريق استقطاب عدد من الصحف للقتال فى المعارك نيابة عنه, وهي ظاهرة قديمة عرفت باسم فرق الانكشارية والانكشارية هي كما نعرفه هي جماعات استقدمتها الدولة العثمانية للقتال بحيث اصبحوا مقاتلين محترفين بصرف النظر عما يقاتلون من اجله أو من يقاتلون تحت رايته أضعف الى ذلك ازدياد معدلات البطالة داخل مصر وعدم وجود فرص عمل حقيقية لخريجي الجامعات دفع شباب الخريجين الى الدخول فى سوق العمل الصحفي دون الحصول على تدريب كاف او الالمام بأية تقاليد مهنية سليمة فيما عرف باسم صحفيي (التراحيل) وكذلك فإن مصادرة الدولة لحرية الصحافة ساعد بدوره على انتشار تلك الظاهرة فالدولة لا تسمح بإنشاء صحف مستقلة قوية أو ذات وزن ولكنها تسمح فقط بإصدار مجموعة من الصحف العشوائية أو ذات الصلة بالدوائر الامنية حتى تستغل فسادها وانفلاتها فى التدليل على ان حرية الصحافة هي المرادف للفوضى. و حول استغلال الصحف لتفجير الصراعات بين رجال الاعمال يقول نجاد البرعي: المتابع للصحف يستطيع ان يكشف من الوهلة الاولى اسرار الصراعات ليس فقط بين رجال الاعمال بل ايضا بين كبار المسؤولين مثل الذي حدث بين اللواء حسن الالفي وزير الداخلية الاسبق والمستشار طلعت حماد ومن كان يخوض معركة وزير الاعلام صفوت الشريف ضد رئيس الحكومة ووزير شؤون مجلس الوزراء.. ان ظاهرة القتال بالوكالة قد شجعت على مزيد من الفساد داخل الصحف وهو قتال يجلب مغانم كثيرة (للانكشارية) سواء عن طريق اعطائهم معلومات أو نشر اعلانات أو تشجيع الآخرين على نشر اعلانات الى ان يصبح (الانكشارية) ضيوفا دائمين فى التليفزيون لو كانوا من فريق وزير الاعلام أو من الذين يستطيعون الغاء قرارات الاعتقال لو قاتلوا لحساب وزير الداخلية وربما استطاعوا حتى الاستيلاء على حزب من الاحزاب لو كانوا من انكشارية الوزيرين معا. سبل العلاج ويلخص المدير العام لجماعة تنمية الديمقراطية وجهة نظره قائلا: ان ظاهرة الفساد فى الصحف باتت تهدد حرية الصحافة وهي تساعد على تكوين رأي عام مهيأ نفسيا لتأييد أي ضربة تصيب تلك الحرية وهي ضربات لن توجه مع الاسف الى الصحف الفاسدة والمفسدة ولكنها سوف تصيب بالاساس الصحف الجادة ذات الرأي المستقل ولا توجد وصفة سحرية يمكن اذا ما طبقت ان تقضي على تلك الظاهرة من اساسها ولكن يمكن عبر مجموعة من الاجراءات السريعة الحد من الظاهرة وحصارها من خلال النقاط التالية: 1 ــ يجب إطلاق حرية اصدار الصحف ففتح الباب لمزيد من الحرية هو الضمان الوحيد لاعادة الاتزان الى سوق الصحافة وقيام هذا السوق بنوع من التصحيح الذاتي. 2 ــ يجب الزام الصحف ورؤساء التحرير والعاملين بها بإعلان مصادر تمويلها بالتفصيل للرأي العام فلا يكفي ان تعلن احدى الصحف انها ربحت مليون جنيه خلال عام مثلا بل يجب عليها ان تعلن عن اسماء معلنيها وكم دفعوا, وما هي مصادر جلب الاعلانات؟ حتى يمكن مراقبة التمويل كما يجب إلزام كل العاملين فى هذا المجال باعلان مصادر ثروتهم من أين وكيف؟ 3 ــ يجب على نقابة الصحفيين ان تقوم بدورها فى استيعاب كل العاملين فى المجال الصحفي بمعنى ان تسهل انضمام شباب الصحفيين اليها دون عوائق أو صعوبات للحد من صحفيين التراحيل, ورغم ان الصراع بين انصار استيعاب المشتغلين بالصحافة داخل النقابة ودعاة انغلاقها على من فيها قديم؟ إلا ان التردي الذي أصاب الصحفيين الشبان واستبعادهم من قبل مقاولي اصدار الصحف يجعلنا ننصح النقابة بأن تختار بين امرين؟ اما استيعاب شباب الصحفيين وتربيتهم على قيم المهنة وتدريبهم واعدادهم, وأما السماح بتعدد البنى النقابية فتقوم نقابة اخرى للصحفيين قادرة على استيعاب من ترفض النقابة الام استيعابهم. 4 ــ يجب إبعاد نقابة الصحفيين عن القيام بمهمة تأديب الصحفيين عند اخلالهم بواجبات المهنة واسناد هذه المهمة الى المجلس الاعلى للصحافة حيث ان النقابة لا تستطيع فى ظل توازن التصويت والحسابات الانتخابية ان تقوم بدور حقيقي فى الرقابة والتأديب. 5 ــ يجب تغليظ العقوبات الادارية التى توقع على الصحف من المجلس الاعلى للصحافة بما في ذلك إلزام الصحف بنشر نتائج تحقيقات المجلس فى الشكاوى التى ترد اليه وايقاف الصحفيين عن العمل وغير ذلك من الجزاءات المهنية ذات الاثر الفعال فى الردع والتأديب. 6 ــ اذا كنا نرى ان المجلس الاعلى للصحافة سوف يمارس سلطاته فإن هذا الامر يستدعي اعادة تشكيله برئاسة رئيس محكمة النقض وعدد من المحامين والشخصيات العامة بما فيهم آخر ثلاث نقباء للصحفيين وان يخرج كافة رؤساء تحرير الصحف والصحفيين عدا النقباء الثلاثة. ويختتم نجاد البرعي بقوله: لا اجد فى النهاية إلا المطالبة بالحرية والاخذ بمواثيق شرف المهنة وهو اقتراح فى متناول يد المنتمين الى مهنة الصحافة والعاملين فى مؤسساتها وهم لا يحتاجون فيه الى قوانين او مواثيق فهل نستطيع ان نتمسك ايجابيا أو سلبا بالمساعدة على إرساء مجموعة من القيم تستقر كثوابت فى كل ما نكتب وننشر ومن بينها احترام الجغرافيا والتاريخ وحقائق الهوية الوطنية والقومية ومطالب الأمن الوطني والقومي ونزعة العدل والمساواة لدى البشر واحترام حقوق الانسان وحرية المرأة وحرية التفكير وتحكيم العقل فى شؤون المستقبل واموره وتأكيد واقع ان الحياة صراع قوة يحقق توازن المصالح. واخيرا نستطيع ان نتمسك ايجابا او سلبا بأن يستقر فى وعينا وفى تصرفنا باستمرار ان جوهر حرية الصحافة يتمثل فى تدفق حر للمعلومات وان حرية الصحافة لا تتصل بالألفاظ مهما بلغت درجة عنفها وسخونتها فإن ابداء الرأي على طريقة اننا نريد غذاء لكل جائع وكساء لكل عار أقرب الى مواضع الانشاء منه الى ممارسة حرية الصحافة وانما تتحقق حرية الصحافة حينما تظهر كاملة وقائع الحدث وحينما تتجلى امامنا الحقائق وفي هذه اللحظة يصبح الرأي الحر بين طرفين هما الصحفي والقارىء داخل اطار يعرف كل منهما حدوده ويلم كل منهما باطرافه, هل نستطيع ذلك ايجابا أو سلبا ايجابا بمعنى ان العمل على اساس تدفق حر للمعلومات أو سلبا بمعنى الامتناع عن الخلق والاجتزاء اذا كان الوضوح والتمام فوق ما نطيق فإن لم يكن فى مقدورنا ان نمارس حرية الصحافة كما نريدها بغير احزان, فلا اقل من ان يكون في مقدورنا ان نمنع التلاعب بالثوابت الرواسي في حياة الشعوب والامم وهي استراتيجيات بقائها وحياتها ومستقبلها.