أفردت صحيفة (الصنداي تايمز) البريطانية أمس تقريرا عن العاهل الأردني الملك حسين تحت عنوان الملك الصغير الذي تولى الحكم في مرحلة عملاقة . وبدأ مراسل الصحيفة تقريره من عمان بتذكر اليوم الذي سار فيه في أحد شوارع العاصمة الأردنية مع صديق عراقي عندما عاد حسين من مستشفى مايو كلينيك بعد جولة العلاج الاولى من السرطان. ويومها تدفق الأردنيون المحتفلون الى الشوارع وعلقت على السيارات المارة صور العاهل الأردني كما رفعت عاليا اللافتات المكتوبة باليد على المنازل. وأصيب العراقي الذي كان قد وصل لتوه من بغداد بالدهشة. ففي نظره كان ما يشاهده عجبا وأمرا غريبا بالنسبة للشرق الأوسط, فما يحدث هو تدفق انبعاث تلقائي للدعم حاكم. ومع نهاية حياته اصبح العاهل الأردني رجل دولة حكيما طال به العمر, وتحول بصورة فريدة الى شخصية محبوبة وصورة نادرة في منطقة تلج بالأنظمة الشمولية. الا ان عملية تأبين الملك التي بدأت مع عودته لبلده ليموت فيه سلطت ضوءا ساطعا على قصة اكثر تعقيدا وهي قصة رجل متقلب المزاج صنع أعداء كثيرين مع ترقيه ليصبح واحدا من أكثر الزعماء احتراما في المنطقة. فشجاعة الرجل الصغير المقدام كما يلقب ويضايقه ذلك لم تكن أبدا محل شك. فبعد ان تخلص من محاولة انقلاب عسكري في عام 1957 أرسل قائد الانقلاب الى جامعة أوكسفورد بدلا من اعدامه كما كان سيحدث في دول عربية. الا انه في ذلك الوقت غير اتجاهه بلا عصبية بين مراحل الكارثة والانتعاش في حرب 1967 سرقت منه منطقتين قيمتين هما الضفة الغربية والقدس الشرقية, الا انه حفر لنفسه مع ذلك مكانا كرجل دولة قديم بالمنطقة. فلقد أصبح قائدا عربيا يستطيع الغرب تفهمه, كما انتعش الأردن. وعاد معظم انجذاب الغرب للأردن لسلوكه الآخذ والودود. فلديه طريقة غير تقليدية في التعامل. ويتذكر مراسل الصحيفة مرحه عندما أدهش الحضور في حفل عشاء في عمان بالدخول على دراجته البخارية من طراز بي.إم.دبليو ومعه الملكة نور وكلاهما يرتدي ملابس من الجلد الأسود. فالأردنيون أحبوا لمسته الشخصية, فكان يسأل بلا كلل عن ابن مريض أو يساعد بهدوء في تعليم طفل. ومع ترسيخ مكانته في الغرب واعتماد الأردن على المساعدات من دول الخليج النفطية, أدهش حسين اصدقاءه بالوقوف بجانب العراق أثناء حرب الخليج. وحتى أقرب المقربين من حسين أصابتهم الدهشة وحالة من الاستغراب للعلاقة الشخصية الوثيقة بين العاهل الأردني المحب والواسع الاطلاع على كل ما هو انجليزي ــ والرئيس العراقي صدام حسين ــ الفلاح الجاف ــ الا ان الملك بدا انه رأى في صدام تجسيدا للزعيم العربي القوي. ومع ان شعبيته ارتفعت في العالم العربي, الا ان قراره كان قائما على سوء تقدير وحساب عظيمين. وتحطم الاقتصاد الأردني وفقد حسين السوق العراقية بسبب العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على بغداد, كما تعرض للعزلة من الغرب والمقاطعة من دول الخليج التي لم تكن في حالة تسمح لها بأن تتعرض للخيانة من دولة تماثلها في النظام الحاكم. ووصل العاهل الاردني لأدنى معدل لشعبيته أثناء حرب الخليج. وعندما جلست معه في اثناء ذروة حرب الخليج, كان يبدو أكبر من سنه الذي كان آنذاك 55 عاما ويبدو كذلك أكثر تعبا وإرهاقا. وتسبب التوتر في أن يعود العاهل الاردني مرة أخرى الى التدخين المتسلسل وكان ينام أقل من أربع ساعات في الليلة. ويقول الملك حسين عن تلك الفترة إنه لأمر يبعث على الحنق وأمر مهين أن أرى الاردن يعامل بتلك الطريقة السيئة. وكان أكثر ما أغضب العاهل الاردني المعاملة الباردة من رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر بالرغم من العلاقات التاريخية بين البلدين وما كان العاهل الأردني يعتقده علاقة شخصية حيمية بينهما. وحتى في ذلك الوقت, كان يتحدث بأسف وليس بغضب. ويقول عن العلاقة مع بريطانيا آنذاك إن العلاقات بين البلدين تمر بمرحلة صعبة, فليس الحال يتسم بالود كما كان دوما في السابق. واستطاع الملك النهوض مرة أخرى, فلقد وقع معاهدة سلام مع إسرائيل في عام ,1994 واستقبل صهري صدام المنشقين عنه في عمان وتحدث علنا ضد النظام الحاكم في بغداد, وعاد العاهل الاردني ومعه بلاده مره أخرى الى نغمة العلاقة الجيدة مع الدول الأخرى. ولم يزل حسين مطلقا الخط المتسبب لصدع في العلاقات بين السكان البدو الأصليين الذين يرون أنفسهم سكان الاردن الحقيقيين واللاجئين الفلسطينيين الذين هربوا من فلسطين في حربي 48 و1967 ويمثلون الان 65% من سكان الاردن. وبالنسبة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فلقد تشكك دوما في أن العاهل الاردني له أفكاره الخاصة بالنسبة للضفة الغربية. ومن جانبه, فإن الملك لم يصدق أبدا أن الفلسطينيين يفضلون عرفات على حكمه. فعلاقات العاهل الاردني مع عرفات كانت متصدعه. ومع ذلك إمتنع الاثنان عن توجيه الإتهامات لبعضهما البعض علنا, إلا أن كل منهما كان يشكو من الآخر مر الشكوى وبألفاظ جارحه خلف الأبواب المغلقة. وكانت آخر محاولة حقيقية للعاهل الاردني لقيادة الفلسطينيين في عام 1998 عندما قطع فجأة علاقاته مع الضفة الغربية. وفي السنوات الأخيره, تصالح عرفات والعاهل الاردني. وعاد العاهل الاردني لشخصيته الحقيقيه اثناء محادثات سلام الشرق الأوسط والتي بدأت في مدريد عام 1991. فقد بدا وحده القادر على التعامل مع الطرفين والتشاور مع عرفات المتقلب وتهدئة واسترخاء وتأديب الإسرائيليين. وفي آخر ظهور له على المسرح العالمي وذلك في واي بلانتيشن في مريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية خلال محادثات العام الماضي لإستئناف المسيره السلمية. ولقد بدا كما لو أنه رجل السياسة الوحيد في غرفة يتشاجر فيها من هم أقل منه سنا. ولقد توفى في وقت أصبحت فيه الحكمه التي اكتسبها من خبرته الطويلة من أكثر الأشياء التي يحتاجها الشرق الأوسط.