أمام الموت .. يستوي الجميع .. الكل سواسية .. وهكذا حسم هذا القدر الذي لا مفر منه .. رحلة حياة عريضة لرجل قاد شعبه قرابة نصف قرن إلا قليلاً .. وكان ربانا ماهرا قاد سفينته عبر أنواء عاصفة مرت بها بلاده أكثر من مرة .. وأزمات وصراعات مريرة مرّ بها هو نفسه منذ أن تولى عرش الأردن في صيف عام 1952. ذلك هو الحسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية الذي ظل وجهه يطالعنا على مدى خمسة وأربعين عاما مواكبا للأحداث العربية والاقليمية والدولية .. وحاكما عربيا صمد على عرشه طوال هذه العقود الخمسة من الزمان وأصبح بذلك أقدم الحكام في العالم استمرارا في الحكم وأكثرهم خبرة بمسائل الحكم ودهاليز السياسة والصراعات العربية والدولية. ولد الملك حسين في عمان في الرابع عشر من نوفمبر عام 1935 وتربى في كنف جده الملك عبد الله ووالده الملك طلال ووالدته الملكة زين الشرف, وقد تلقى دراسته الأولى وهو طفل في الخامسة من عمره بالمدرسة الأهلية في عمان ثم واصل دراسته الابتدائية في الكلية العلمية الاسلامية في العاصمة الأردنية ثم ألحقه والداه بكلية فكتوريا في مدينة الاسكندرية بمصر والتي كانت الأسر الكبيرة في مصر والبلاد العربية تلحق أبناءها بها. وبعد أن أنهى دراسته في تلك الكلية تابع دراساته العليا في كلية هارو في بريطانيا ثم التحق بأكاديمية ساند هيرست العسكرية في لندن وهي تعتبر من المعاهد العسكرية العريقة. يوم عصيب وفي عام 1951 تشاء الأقدار أن يلتقي الأمير الشاب بالموت لأول مرة .. فقد كان جده الملك عبد الله يصطحبه دائما معه كل يوم جمعة لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى .. وفي يوم الجمعة 20 يوليو عام 1951 وبينما يقترب الجد وحفيده من المسجد إذا بشاب يرتدي الملابس العربية يبرز من بين الناس ويطلق النار على الملك وحفيده .. ويسقط الملك عبد الله ويفارق الحياة ويفلت الحفيد من الموت بأعجوبة, إذ يطلق القاتل رصاصة من مسدسه في اتجاه الأمير حسين, وتشاء مفارقات القدر أن تصطدم الرصاصة بميدالية برونزية, كانت هدية من جده وكان يعلقها على صدره, والغريب أن جده ظل يلح عليه أن يعلقها قبل أن يتوجها معا الى القدس, وكانت سبب نجاته. ذلك المشهد المروع في يوم اغتيال جده الملك عبد الله بن الحسين ومصرعه الدموي حفر ذكراه في قلب وعقل الملك حسين, حتى انه نشر سيرة ذاتية بعد ذلك بأحد عشر عاما بعنوان (من الصعب أن تكون ملكاً) وتحدث فيها عن ذلك اليوم فقال (في ذلك اليوم العصيب عرفت ماذا يعني الموت, فعندما يكون مكتوبا عليك أن تموت فإنك ميت لا محالة, ذلك هو قضاء الله) . ويقول: (وهكذا أدركت معنى ذلك السلام الداخلي الخاص الذي وهبه الله لأولئك الذين لا يهابون الموت) . ويبدو أن قصة الملك حسين مع الموت بدأت منذ ذلك اليوم إذ تقول المصادر الغربية إنه تعرض لثلاثين محاولة اغتيال منذ كان في السادسة عشرة من عمره .. ومثلما نجا من المحاولة وهو برفقة جده, نجا كذلك من باقي تلك المحاولات خلال سنوات حكمه, ومن بينها محاولة إسقاط طائرته, وتمرد خطير حدث في صفوف جيشه في محاولة انقلاب مبكرة, وعدة كمائن نصبتها له فصائل قيل انها تنتمي الى أجنحة فلسطينية مسلحة. وفي عام 1992 بدأ الملك حسين معركته مع السرطان الذي أصيب به وخضع لعملية استئصال لكليته وحالبه الأيسر في الولايات المتحدة ثم خضع في عامي 1995 و1996 لعملية في أذنه اليمنى وأخرى تتعلق بإزالة (خراج) , وفي نوفمبر عام 1997 استؤصلت من جسمه غدة تبين أنها خالية من الخلايا الخبيثة, وفي ابريل 1998 عاد لتجرى له عملية أخرى لتصويب تضخم في البروستاتا قيل انه كان حميداً. وعلى مدى ستة أشهر خضع الملك لعلاج كيميائي في الولايات المتحدة رغم انه كان قد أعلن عن شفائه من سرطان الغدد اللمفاوية, غير أن أعراض المرض ظهرت مرة أخرى فاضطر الى العودة من جديد الى الولايات المتحدة. وهو أصغر أحفاد الشريف الحسين بن علي شريف مكة الذي أطلق شرارة الثورة العربية الكبرى ضد الاحتلال العثماني في الحرب العالمية الأولى, ويرجع الهاشميون أو (بنو هاشم) في نسبهم الى قريش أكبر القبائل العربية. وكانت قبيلة قريش قدمت الى مدينة مكة لأول مرة في القرن الثاني الميلادي, وبعد ستة أجيال من ذلك التاريخ تولى حكم المدينة أول جيل من قريش عندما تسلم قصي بن كلاب مقاليد الزعامة في مكة في عام 480 ميلادية, أما (هاشم) فهو الحفيد الأكبر لقصي والذي هو الجد الأكبر للنبي محمد عليه الصلاة والسلام. ويقول التقويم الأردني الصادر عن المكتب الصحفي الأردني من هنا نجد أن الهاشميين ينحدرون مباشرة من نسل النبي عليه الصلاة والسلام عن طريق ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها وزوجها الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه, ورزق علي وفاطمة باثنين من الأبناء هما الحسن والحسين رضي الله عنهما, ويقول التقويم ان الأحفاد المباشرين للابن الأكبر الحسن يعرفون بـ (الأشراف) بينما يعرف أحفاد الحسين بـ (الأحفاد) وينحدر الهاشميون من فرع الأشراف وهم العائلة الحاكمة في الأردن. وبعد الثورة العربية الكبرى اعتلى عبد الله بن الشريف حسين عرش شرقي الأردن وتولى أخوه فيصل عرش سوريا والعراق, وفي 11 أبريل عام 1921 ميلادية تم تأسيس إمارة شرق الأردن والتي أصبحت تحمل اسم المملكة الأردنية الهاشمية بعد الحصول على الاستقلال الرسمي عن بريطانيا في الخامس والعشرين من مايو عام 1946. وبعد اغتيال الملك عبد الله تولى الحكم ابنه الملك طلال الذي لم يتمكن من الاستمرار في حكم الأردن الا لمدة وجيزة لأسباب صحية وعندها نودي بالحسين ملكا على المملكة الأردنية الهاشمية باعتباره الابن الأكبر للملك طلال, وكان ذلك في الثاني من مايو 1953 بعد بلوغه الثامنة عشرة من العمر (ويقول التقويم الأردني وخلال الأشهر التسعة التي فصلت بين التتويج وتسلم السلطات لعبت الملكة زين الشرف والدة الملك حسين دورا هاما في ضمان الانتقال السلمي المنظم للسلطة باعتبارها رئيسة لمجلس الوصاية قبل أن يبلغ الملك حسين الثامنة عشرة من عمره. سنوات المد القومي وقد خاض الملك حسين معارك عديدة طوال سنوات حكمه وتعرض لمخاطر عديدة وسلسلة من العداوات لتعارض سياساته مع سياسات وأهداف نظم عربية أخرى من حوله, وخاصة في سنوات المد الثوري القومي الذي كان يسود المنطقة العربية بعد نجاح الثورة المصرية في يوليو عام 1952 بزعامة جمال عبد الناصر وانتشار هذا المد في سوريا والعراق وبين أبناء الأمة العربية في الوطن العربي الكبير. واكتسب العاهل الأردني خبرة كبيرة من سنوات حكمه الطويلة واشتهر بسرعة بديهته وإجادته للمناورة في عالم السياسة المعقد حتى أنه كان يتنقل بين مواقف متعارضة فنجده يختلف مع أنور السادات حول زيارته للقدس ثم توقيعه معاهدة كامب ديفيد, وينضم الى جبهة الرفض, ولكنه في الوقت نفسه يستمر في اتصالاته السرية مع قادة اسرائيل ثم يلعب دورا كبيرا فيما تلى ذلك من اتصالات ومباحثات مع اسرائيل سواء في أوسلو أو في واي ريفر أو في توقيعه معاهدة مع اسرائيل. وبينما نجده قبل ذلك يفتح كل أبواب مملكته في الستينات للمقاومة الفلسطينية وللكفاح الفلسطيني المسلح, فإنه يدفع بقوات جيشه الى صدام مروع مع المقاومة نفسها فيما عرف بأحداث (ايلول الأسود) المحزنة. وبينما يراهن على النظام العراقي عند غزوه للكويت في أغسطس عام 1990 ويؤيد صدام حسين يعود فيعلن أنه لم يكن طرفا في غزو العراق للكويت ولم يتعاون مع صدام حسين فيه, بل كان ضد الغزو في جميع مواقفه. ويرى كثير ممن تابعوا رحلة الملك حسين أن خبرته الطويلة هذه منحته مكانة خاصة بين زعماء الدول وبشكل خاص لتمتعه بأقدمية كبيرة بينهم لكونه أقدم زعماء العالم بقاء في سدة الحكم. غير أن أسوأ معاركه مع الموت تبدأ في عام 1992 مع ذلك القاتل الصامت الرهيب المسمى بـ (السرطان) .. وعلى مدى السنوات الثامني الماضية يقاوم العاهل الأردني بشجاعة نادرة ذلك المرض القاتل وكأنه مقاتل أسطوري يقاتل شبحا خفيا. وأخيرا ينتصر الموت الذي ظل يطارده كل تلك السنوات .. ويلقي المقاتل سلاحه ويستسلم للقدر الذي لا مفر منه. كتب - صلاح عويس