يبدو ان الحكومة السودانية وتنظيمها الحاكم, (المؤتمر الوطني) بدآ يضيقان بهامش الحريات النسبي الذي ظلل الساحة السياسية مؤخرا . وفي الوقت الذي تتباهى الحكومة بأنها وضعت دستورا جديدا وقانونا لـ (التوالي) كفيلان بتحدي أعرق الديمقراطيات في العالم, بدأت (سكين) اغتيال الحرية الصحفية تأخذ طريقها نحو حد العنق لنحر هذه الحرية. فخلال هذا الاسبوع تلقى الصحفيون السودانيون ومراسلو الصحافة الاجنبية والاذاعات والقنوات الفضائية تحذيرين من الدكتور غازي صلاح الدين وزير الثقافة والاعلام وامين حسن عمر وزير الدولة للاعلام بان اطلاق الصفة الحزبية على اي سياسي لايعترف بقانون (التوالي السياسي) وهو القانون الذي سمح باعادة الاحزاب ولكن بضوابط وشروط رفضتها المعارضة تعد جريمة يعاقب عليها القانون, وحاور الصحفيون كثيرا الدكتور غازي للوصول الى صيغة توازن بين القرار والمحافظة على احد أهم ابجديات الاداء الصحفي وهو التعريف بالمصدر, والذي تطاله المحاكم بالعقاب في كثير من الدول اذا لم يتم اثباته, واقترح الصحفيون اضافة كلمة (المحظور) لصفة الحزب والتنظيم السياسي الذي ينتمي له المصدر, ولكن رد الدكتور كان (منطقيا) بأن الدولة لم تحظر اي حزب بعد صدور قانون التوالي الا (من أبى) , كما تحفظ الوزير اقتراح كلمة (سابقا) بدلا من (المحظور) باعتبار ان هناك احزابا تم تسجيلها تتشابه اسماؤها مع الاحزاب الرافضة للتسجيل مما سيحدث ربكه لدى المتلقي والى حين نقل هذه الآراء الى الجهة التي اصدرت القرار, قال الوزير يمكننا الاشارة الى الصفة التنفيذية السابقة للمصدر (مثال سيد احمد الحسين وزير الخارجية الاسبق بدلا من صفة مساعد الامين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي) الذي اصبح له مساعدا بين عام آخر بعد ان اعاد الشريف زين العابدين الهندي اعادة تسجيله. ولكن قبل ان تتم المعالجة لوجهات النظر, ابلغ امين حسن عمر وزير الدولة الثقافة والاعلام مراسلي وأجهزة الاعلام الاجنبية بعد يومين المراسلين الصحفيين بالقرارات ذاتها مما يؤكد ان الجهة المعنية باصدار القرار لم تتراجع او تقبل المقترحات البديلة, ومن هنا يمكن تناول هذه القضية الهامة من منطلقين . اولهما انها محاولة للتعتيم على نشاطات وآراء وبيانات المعارضة الداخلية بالرغم من ان اكثر من جهة حكومية او في التنظيم السياسي للدولة مازالت كلماتها في الاذان, بان المعارضين الذين لا (يتوالون سياسيا) يمكنهم التعبير عن آرائهم من خلال اجهزة الاعلام واصدار البيانات ولكن لن يسمح لهم بافتتاح المقار الحزبية او اقامة الندوات السياسية المفتوحة, وبالفعل اقام الحزب الاتحادي الديمقراطي المحظور ندوتين احداهما بمنزل زعيم الحزب اسماعيل والثانية بمنزل قطب الحزب (ابو عيسى) بمدني - ثاني كبرى مدن البلاد - كما عقدت حركة (حق) اليسارية العائدة من تحت الارض مؤتمرا صحفيا وبالرغم من فض الشرطة للمؤتمر فقد كان التفسير ان الدار التي عقد فيها لم تكن مرخصة, واكثر من ذلك ابدى محافظ ام درمان حيث جرت احداث المؤتمر استعداده لعقد مناظرة مع الامين العام لحركة (حق) كما ان مسجد (الختمية) وهم القاعدة الدينية للحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني رئيس تجمع المعارضة, قرر الاحتذاء بخطى مسجد انصار - حزب الامة الذي تزعمه الصادق المهدي للتعبير عن الاراء السياسية للحزب, اضف الى ذلك انه اذا تم الاخذ بمقترح الدكتور غازي فان هناك سياسيين معارضين ليس لديهم صفة تنفيذية سابقة الاشارة اليها بدلا من الصفة الحزبية, كما ان القرار يعني ايقاف المناظرات الحرة التي تتم المواجهة فيها بين انصار الحكومة ومعارضيها على المستوى الاقليمي من خلال القنوات الفضائية او الصحف المحلية, مما يعد هزيمة لهامش الحريات الذي اصبح احد خطوط الدفاع عن الدولة امام هجمات واتهامات لاتتوقف بانتهاك هذه الحقوق في السودان, واذا كان صحيحا ما يتردد بان (المصدر) ايضا سيتعرض للمساءلة القانونية, فأن (سكين) اغتيال الحريات الصحفية تكون وصلت الى حد العنق في الحياة السياسية في الوقت الذي تتباهى فيه الدولة بان (الدستور الجديد) وقانون (التوالي السياسي) يتحديان اعرق الديمقراطيات في العالم. اما المنطلق الثاني فقد يكون ان الدولة بدأت تتسرب الى بعض مفاصلها قشعريرة من رياح حرية (التوالي السياسي) بعد ان اعلن بعض المؤسسين لاحزاب جديدة معارضتهم لسياسات الحكومة, وهي احزاب لن تتحمل قطعا اشواط التسجيل لضيق ذات اليد عن الرسوم المقررة التي تصل الى ملايين الجنيهات, او باعتبارها (احزابا مشاغبة) اراد مؤسسوها اكتساب صفات حزبية لممارسة نشاطهم من خلال اجهزة الاعلام والبيانات, ولم لم يكن مقبولا ان تتصدى الحكومة لهذه الاحزاب فانها وسعت مظلة (الاغتيال الاعلامي) لتغطي كل مساحة المعارضة. وهنا لابد من الاشارة الى اختلاف وجهات في مثل هذه القضية الى وجهتي نظر حادتين ومتعارضتين تماما بين اثنين من غلاة الاسلاميين كما هو حال الدكتور غازي وامين حسن عمر فقد كتب موسى يعقوب يقول: ان باستطاعة محمد الحسن الامين رئيس الدائرة السياسية بالمؤتمر الوطني الحزب الحاكم ان يغرم خصومه او يؤدبهم بعصاه الغليظة ولكن في حالة واحدة او حالتين وهما (اما ان يصرعهم ويغلبهم بمنطقه وأطروحاته السياسية, واما يفعل ذلك من خلال صناديق الاقتراع عند الانتخابات او الاستفتاء, وماعدا ذلك فانه تجديف في الهواء لامكان له. وبالرغم من ان هذا كان ردا على تصريح محمد الحسن الامين, حول ما اذا كان المؤتمر الوطني يقود الحكومة او العكس, وقال موسى يعقوب انه اذا كان المؤتمر الوطني حزب الحكومة او ذراعها السياسي , الا انه بالقطع ليس من أدواتها او جهات الاختصاص فيها التي تعني بتسيير الامور والعباد, ولانه أصبح مفردة من مفردات (التوالي السياسي) يجري عليها ما يجري على الآخرين ولا (علوية) لها او (سلطة ابوية) . وكان ردا محمد الحسن الامين ان كل مجاهر بتأييد العدو الذي يقاتلنا في الجنوب والشرق سيواجه بتقديمه للعدالة ولامجال للفوضى عندما يدعي (المتآمرون) بالداخل تأييدهم للمحاربين هناك, ولن نصمت عنهم بدعوى ان (التوالي السياسي) الذي لم يبطل القانون الجنائي ضد مثيري الشغب كما حدث في الاحتفالات بمنزل الازهري او تحرير الخرطوم, واضاف محمد الحسن الامين ان الحديث عن حزب او تنظيم ينخفض صوته في كل القضايا القومية ليتساوى مع تنظيمات اخرى لم تفوض في السلطة, حديث ينقصه المنطق, وهنا كشف محمد الحسن الامين ان المكتب القيادي للمؤتمر الوطني اقر المواجهة بالقانون لكل من يحاول ان يبذر الفوضى في المجتمع, فالحرية ليست (مشرعة) والقانون فوق الجميع .. معنا وعلينا .. ويبدو جليا الآن ان الحكومة وتنظيمها السياسي بدآ يفيقان بهامش الحريات, او انهما يريدان اخلاء الساحة الداخلية من الخصوم السياسيين في اطار اتجاه بدأ بارزا هذه الايام لاقامة تحالف حكومي او سياسي في بعض الاحزاب التي ارتضت (التوالي السياسي) . الخرطوم : يوسف الشنبلي