الذي لاشك فيه ان المعارضة العراقية الموجودة بالخارج تعاني من مأزق بل عدة مآزق تجعلها في نظر الكثيرين لا تزيد عن منبر دعائي, قد يكون له مستمعوه في أي مكان الا في داخل العراق . وقد قيل كلام كثير عن ان مجرد وجود قيادات هذه المعارضة في الخارج سبب كاف لتبرير عجزها عن القيام بالمهمة الوحيدة المطلوبة منها, وهي تعبئة جماهير الشعب العراقي في الداخل, وحشدها في وجه النظام الحاكم, وتنظيم انتفاضة في ثورة عارمة شاملة تنتهي باسقاطه وتخليص العراق من هذا الكابوس الرهيب الذي يجثم فوق انفاسه منذ ثلاثين عاما, اي منذ الانقلاب البعثي في يوليو 1968 الذي صعد بحسن البكر الى قمة السلطة ومن خلفه او من فوق رأسه صدام حسين الذي ما لبث ان لكن تعاليم حزب البعث وبرامجه تضاءلت كلها عند صدام حسين الى مقولة واحدة.. تلك هي ان البقاء في قمة السلطة هو الهدف الاساسي والوحيد للحكم الذي لا يعلوه ولا يتقدم عليه اي هدف اخر, والذي تختفي عنده كل الشعارات.. وهذا الهدف (السامي) لا سبيل الى احرازه والحفاظ عليه الا عن طريق قبضة حديدية لا ترحم, ولا تعترف بأية شريعة للحكم الا الوصول بالمحكومين الى اقصى درجات الرعب من السلطة.. ثم لا بأس من استخدام الذهب احيانا لشراء الصمت.. على مدى ثلاثين عاما عاش شعب العراق في سجن كبير كئيب, وتوالت عليه المصائب دون ان يفلح اي صوت في رد الحاكم الدكتاتور عن خطاياه.. ومن يفتح فمه يجد اقبية السجون في انتظاره, هذا اذا كان حسن الحظ جدا, اما المعتاد فهو ان يلقى حتفه, اما نتيجة محاكمات صورية سريعة, واما برصاص اجهزة الامن, واحيانا بمسدس صدام حسين نفسه.. قلة قليلة هي التي استطاعت ان تفلت بجلدها وتهرب للخارج, لتنضم الى اشلاء قديمة من انقاض النظام الملكي الذي مات منذ اكثر من اربعين عاما, او بقايا الشيعة الذين لم يتذكروا ان لهم قضية الا بعد ما جاءهم من يذكرهم بها , ويدفع لهم اموالا كي تنتعش بها الذاكرة, وبعض الجماعات اليسارية التي خفت صوتها ولم تعد حتى تصدق نفسها بعد ما جرى للاتحاد السوفييتي, وشراذم من الأكراد الذين تمردوا لسبب او آخر ضمن قيادتي الحزبين الوطني والديمقراطي, وشخصيات اخرى يكاد كل منهم يمثل وحده حزبا.. وهذا هو قوام المعارضة في الخارج.. والوجود في الخارج في حد ذاته ليس جريمة, فلعل هؤلاء لو ظلوا بالداخل لكانوا الان وراء الشمس او في المقابر. ومن ثم فان لهم عذرهم على أية حال.. ولكن المعارضة الحقيقية لا تستحق هذا الاسم الا اذا كان لها قواعدها في الداخل. في صفوف العمال والفلاحين والجنود وأصحاب الحوانيت وربات البيوت.. وليس هناك اي نزاع في أن هؤلاء جميعا لديهم من أسباب السخط ما يدفعهم للثورة وما يكفي للتغلب على عوامل الخوف من بطش النظام والدخول معه في معركة حاسمة لا تنتهي الا بالاطاحة به.. وتاريخ المنطقة الحديث فيه اكثر من تجربة كانت فيها قيادات المعارضة بالخارج ومع ذلك استطاعت تفجير ثورة ناجحة بالداخل.. وربما كان اقرب مثال لنا الثورة الايرانية التي اطاحت بحكم الشاه. وكان نظام حكم الشاه يعتمد على جهاز الامن الايراني ـ السافاك ـ والذي بلغ من القوة والبطش وارهاب المواطنين حدا يفوق كل ما نعرفه ويعرفه العراقيون عن أجهزة امن النظام العراقي الراهن. ومع ذلك نجحت المعارضة الايرانية في اختراق جدار السافاك, وكسر قضبان الرعب, وهبت كموج البحر لتكتسح كل الأسوار التي يحتمي بها النظام.. والسؤال الان.. لماذا تعجز المعارضة العراقية عن فعل شيء مماثل الان؟ وهل ذلك يرجع الى قوة النظام؟ ام الى ضعف المعارضة..؟ بعض المحللين يقولون ان جهاز الدعاية في نظام صدام قد نجح في تضليل الشعب العراقي حتى جعله في غيبوبة دائمة كأنه منوم مغناطيسيا, حتى انه يصدق مثلا ان (ام المعارك) كانت معركة ظافرة خرج منها منتصرا, دون ان يسأله كيف انهزم.. وكيف ارتد على اعقابه من الكويت بعد ان اعلن انها المحافظة العراقية رقم 19.. وانه تسبب في كسر الجوار العربي كسرا لا زالت انقاضه تنهال على رؤوس العرب من نواكشوط حتى رأس الخيمة.. واذا كان من الممكن ان يستسلم شعب بأكمله لهذا السيل من التضليل, فكيف يمكن تضليله عن الصواريخ التي تنهال على مدنه وقراه, وعن الخسائر اليومية بغير حدود والضحايا الذين يموتون بالمئات وربما بالألوف, حتى لو زعم النظام وأكدت ابواقه انهم دون العشرات؟ وأية دعايات هذه التي تستطيع اقناع الشعب العراقي بالرضا عن حاله الان, بعد ان كان بلده من سنوات قليلة واحدا من اغنى البلدان العربية وافضلها حالا, لديه موارد بترولية واراض زراعية وامكانيات لا حد لها, ومستوى معيشة يضعه في صف واحد مع اكثر البلدان تقدما.. فاذا بكل هذا يهدد في حرب لا معنى لها وتستمر ثماني سنوات مع الجار الايراني لتنتهي حيث بدأت, وقبل ان تضمد جراحها كانت القفزة الحمقاء القاتلة ضد الجار الكويتي.. بكل ما جرته من كوارث وويلات.. هل تستطيع حملات الدعاية ـ حتى لو كان يديرها جوبلز نفسه ان تلهي شعب البصرة ـ بلد السندباد ــ عن ارفف الدكاكين الفارغة وسلع التموين غير الموجودة واشباح الفقر التي أصبحت تخيم على الشوارع والحواري.. والانقاض فوق جثث الموتى نتيجة القصف الامريكي الحقود, او نتيجة المجاعة ونقص الغذاء والدواء؟ المسألة اذن لا يمكن ان تكون مسألة دعاية مضللة وشعب منوم مغناطيسيا, او مشلولة ارادته بفعل الارهاب المائل في سلطة باطشة لا ترى في الوجود كل قضية سوى البقاء في مراكزها حتى ولو كان ذلك على تلال من جماجم الابرياء.. حتى لو كان ذلك على حساب حاضر ومستقبل شعب بأجمعه.. ان الظروف الذاتية والموضوعية لانتفاضة ثورة شعبية عارمة في العراق تطيح بكل اركان النظام القائم... ورموزه موجودة, بل هي في حالة تفاعل وتفاقم لا تستطيع اية قوة امنية مهما كانت ضراوتها ان توقف تداعياتها. اذن.. ما الذي يعطل الانفجار؟ ما هو الرقم الناقص في المعادلة؟ بعض التفسيرات تقول ان بقاء النظام او سقوطه انما هو رهن بالصراع بين عاملين: عامل الخوف من بطش النظام, وعامل السخط نتيجة افلاسه في القيام بواجباته الداخلية والخارجية على حد سواء.. وفي اللحظة التي يتغلب فيها عامل السخط على عامل الخوف.. تنفجر الثورة وينهار النظام.. اي يتحقق الهدف الذي تسعى المعارضة اليه.. وعلى ضوء هذا التفسير, يمكن تبرير الغارات الامريكية الاخيرة واسقاط قذائفها عمدا على مناطق مدينة في الجنوب والشمال, بأنها ستضاعف من قوة عوامل السخط وبالتالي تمهد الارض للانتفاضة الشعبية المرجوة.. ولكن هذا التحليل فيه اكثر من ثغرة تستحق التوقف عندها.. واولى هذه الثغرات هي انه من المشكوك فيه جدا ان يكون هدف الولايات المتحدة من هذه الغارات هو تنمية السخط الشعبي تمهيدا لاسقاط النظام.. فحتى الان لا يبدو ان امريكا راغبة حقا في التخلص من صدام حسين. واذا كان هناك من يقول ان الجنرال شوارزكوف, قائد عملية عاصفة الصحراء كان في خطته ان يتقدم بعد تحرير الكويت حتى (يقتنص صدام حسين) على حد قوله لولا ان بعض الحلفاء العرب اعلنوا لدى البيت الابيض عدم ترحيبهم بهذا الجزء المتمم لخطة الجنرال الامريكي.. فاستجابت الولايات المتحدة لرجائهم وصدر الامر لقواتها ان تقف على الحدود لا تتجاوزها الى بغداد.. نقول, ان هذا الموقف ربما حدث فعلا, ولكن من المؤكد ان عزوف القوات الامريكية عن التقدم حتى اصطياد صدام ـ كما اصطادوا نوريجا رئيس بنما ذات يوم ـ لم يكن على سبيل الاستجابة لرجاء بعض القادة العرب بقدر ما كان يمثل محورا رئيسيا في الخطة الامريكية التي ترى في استمرار صدام على رأس السلطة فائدة عظمى على المستوى الاستراتيجي.. حيث ان هذا وحده كفيل باستمرار التمزق في الصف العربي. ربما كان شاهدا على ذلك ما جرى في الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية الدول العربية منذ ايام.. ولا يخفى ان استمرار التمزق العربي هدف استراتيجي مشترك للولايات المتحدة واسرائيل.. فضلا عن ان بقاء (شبح صدام) في المنطقة يعطي مبررا لاستمرار الوجود العسكري الامريكي للحماية منه ومن نزواته العدوانية.. وفي اللحظة التي يختفي فيها شبح صدام, سيصبح الحديث عن عودة الوفاق العربي اكثر سهولة, واشد حتمية.. كما لن تكون هناك حاجة موضوعية لبقاء الوجود العسكري الامريكي.. اذا فالولايات المتحدة لها مصلحة مؤكدة في عدم اسقاط صدام حسين. قد يسأل سائل: اذن لماذا هذه الغارات الوحشية ضد العراق؟ والاجابة اكثر بساطة من السؤال.. انها غارات ضد العراق, وليست ضد صدام.. انها من أجل اضعاف امكانيات الشعب العراقي بل وشطبها اذا امكن من رصيد القوة العربية الشاملة.. سواء بقى صدام او ذهب. ثم انها ادعى الى تحويل السخط الشعبي الطبيعي ضد النظام وسياساته الى سخط عاجل ضد القوة العظمى التي تقصف الشعب العراقي بالصواريخ والقنابل الذكية.. وعندما نصل الى هذه النقطة سنجد امامنا نتيجة منطقية.. تلك هي ان هناك لقاء موضوعيا بين النظام الحاكم في بغداد, وصانعي القرار في واشنطن.. وبؤرة هذا اللقاء هي المصلحة المشتركة للطرفين في استمرار الوضع على ما هو عليه في قمة السلطة بالعراق.. ولكن اين المعارضة العراقية من كل هذا؟ ان آخر ما ورد في هذا الشأن ان الحكومة الامريكية قررت منح المعارضة العراقية في الخارج مبلغ مائة مليون دولار, او اكثر قليلا, على سبيل المساعدة حتى تتمكن من اسقاط نظام صدام.. الغريب ان هذا الاعلان جاء عشية تنفيذ عملية ثعلب الصحراء, ثم تكرر اكثر من مرة قبل وبعد الغارات التالية.. وهنا, يحق لنا ان نتساءل.. لماذا كان هذا الاعلان؟ وفي هذا الوقت بالذات؟ ان المعتاد في المعونات من هذا النوع ان تبقى سراً بين من يقدمون المعونة ومن يتلقونها.. واذن فالخروج عن العادة المألوفة لابد ان يكون له سبب غير مألوف.. وحتى نختصر الحديث يكفي ان نسأل: باي وجه تستطيع المعارضة العراقية في الخارج ان تتحدث الى مواطنيها في الداخل وهي تتلقى ثمن هذا الحديث من الدولة التي تغير عليهم بهذا الشكل الوحشي, وتحرم اطفالهم من الحياة كما حرمتهم من الغذاء والدواء؟ وهكذا يمكن القول ان الولايات المتحدة تعمدت بالاعلان عن معونتها ان تضيف الى مأزق المعارضة العراقية مأزقا جديدا.. فالذي لا نزاع فيه ان اقامة قنوات الاتصال الضرورية والتي لا غنى عنها مع دوائر السخط في الداخل قد اصبحت الان اكثر صعوبة.. لان كثيرين قد يرون في هذا الارتباط غير المباشر بأمريكا نوعا من الخيانة الوطنية.. فهل هذا ما تريده الولايات المتحدة..؟ الغارات لا تؤثر في النظام, بل تزيد قبضته الامنية الاعلامية احكاما, وبدلا من ان تستفز جماهير الشعب ضد النظام, تستفز فيه غريزة العناد الطبيعي لدى الشعوب.. وتجعله اكثر استعداداً للسكوت عن سوءات النظام.. وهي في نفس الوقت تقطع على المعارضة سبيل الاتصال المنظم بالداخل, والذي بدونه يستحيل تصور اندلاع ثورة او انتفاضة. وكان الله في عون الشعب العراقي.. لان هناك فيما يبدو قرارا مأساويا: بأن يبقى الوضع على ما هو عليه, ولو الى حين..