لا توجد اليوم من ظاهرة تجلب الاهتمام على المستوى الاعلامي والسياسي في العالم, وفي العالم العربي, والمحيط الاقليمي, مثل ظاهرة المعارضة العراقية , والدلائل كلها تشير الى ان هذا الاهتمام سوف يزداد ويتعاظم في المدى القريب والمنظور, بفعل احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة الامريكية والسلطة العراقية, خاصة بعد ان صارت الادارة الامريكية تتبنى علنا سياسة العمل على اسقاط السلطة العراقية, فمنذ قام الرئيس الامريكي بيل كلينتون بالمصادقة على (قانون تحرير العراق) الموصى به من الكونجرس, تحولت قضية العمل على تهيئة شروط اسقاط السلطة العراقية الى التزام دولة, مما يعطي (المعارضة العراقية) دورا يربطها بمصداقية الدولة الاعظم, وبقدرتها على تأدية التزاماتها في المجال الدولي, في نقطة من اكثر النقاط حساسية وخطورة على المستوى العالمي, سواء لجهة الدلالة والمغزى السياسي المتصل بتكريس سلطة الولايات المتحدة كقوة عظمى متفردة ومهيمنة عالميا او من ناحية الاهمية الاستراتيجية للعراق والمنطقة. ولكن هذه الظاهرة لا تجد نفس القدر من الاهتمام الذي يوازي مدى خطورة دورها ودلالتها السياسية والاخلاقية خاصة على مستوى التحليل ومحاولة تحديد ما تنطوي عليه من آثار آنية وبعيدة المدى سواء على المفاهيم والسياسات السائدة والمتعارف عليها في العالم العربي وفي العالم, او في ما يمكن ان تسببه من نتائج وآثار تصيب المصير والمستقبل العربي وليس مصير العراق وحسب. ولاشك ان هذه الظاهرة تشير حتما الى ازمة في الافكار وفي بنية النظام العربي والى عجز منظومة التفكير العربي ـ وطبعا العراقي ــ امام تعقيدات لحظة التحول التي يمر بها العالم اليوم على وقع انتهاء الحرب الباردة والثنائية القطبية, وبواكير التهيئة للانتقال نحو عصر ما بعد الصناعة, وليس في كل هذا من شيء يستحق ان نحتفل به ونبتهج في عالمنا العربي وفي العراق سوى تحول منطقتنا والعراق في المقدمة الى موضع طليعي تطبق عليه وتختبر فيه احدث السياسات واكثرها (تقدما) وصلة بالمستقبل العالمي, مما يضعنا اليوم في بؤرة احدث التطورات العالمية واكثرها طليعية, وربما وهذا هو الحاصل ــ اكثرها همجية وقسوة. والملفت للنظر هو ما يظهر من عجز في الاوساط العربية الفكرية والسياسية عن مواجهة الجانب (الفكري) من عملية الغزو الحالي, وهو الذي يتجسد اليوم في سطوة الاعلام الامريكي وترويجاته لظواهر سياسية مقطوعة الصلة بالتاريخ والقيم والتراث, وعلى سبيل المثال وبغض النظر عن الظروف والدوافع فان الولايات المتحدة قامت عمليا وفي عام 1992 بتعيين شخص لا علاقة له بالحياة السياسية العراقية ولا بتاريخ المعارضة العراقية بمنصب ((رئيس المؤتمر الوطني العراقي)) الذي نشأ على انقاض ((مكتب العمل المشترك)) المقام في دمشق عام 1990 مباشرة اثر احتلال العراق للكويت وضم وقتها 17 حزبا انضمت لاحقا لــ ((المؤتمر الوطني)) الذي اعلن عن تأسيسه في فيينا عام 1992. ان هذا التغيير السريع في الاماكن والاشخاص والمسميات له دلالة, فــ (مكتب العمل المشترك) هو الاشارة الاخيرة الى الدور الذي كانت تحتله الساحة السورية في احتضان عمل المعارضة العراقية من عام 1968 حتى 1990 والذي بلغ ذروة تجسيده في مؤتمر البريستول في بيروت عام 1991 لينتهي بعدها مع الظهور المباغت والسريع لشخص (احمد الجلبي) في لندن مدعوما بالتمويل الامريكي وبقوة الاعلام الامريكي والغربي عموما. ويعد ظهور الجلبي و(المؤتمر الوطني العراقي) بمثابة حالة غير مسبوقة على الاطلاق في تاريخ العراق, فالتعاون مع الغرب, عرف في تاريخ العراق وفي التاريخ الحديث للمنطقة عموما, والفترة السابقة على ثورة 14 يوليو 1958 والممتدة منذ قيام الدولة العراقية الحديثة بعد عام 1920 عرفت نماذج من الحكومات والتيارات السياسية والقوى الاجتماعية المؤيدة لمبدأ المهادنة او التعاون مع الاجنبي, لكن هذه لم يسبق ان اعلنت تعاونها مع قوى اجنبية في حالة عدوان قائم ومستديم على العراق, كما انه لم يكن قد حدث في الماضي لقوة عراقية ان اعلنت صراحة وجهارا عن تأييدها لسياسات دولة اجنبية تضر بمصالح العراق وبحياة شعبه, وكانت بعض اطراف المعارضة قد اتخذت في فترة سابقة مواقف تأييد وتعاون مع دول في حالة عداء مع السلطة العراقية وهو ما قد جرى خلال الحرب العراقية الايرانية ولكن تلك المواقف كانت تبرر بالقول ان السلطة العراقية هي المعتدية وان ما تشهده ايران في ذلك الحين هو ثورة, ثم ان ايران ليست باي حال من الاحوال دولة عظمى او امبريالية والحديث عن اطماعها وتطلعاتها الاقليمية امر مبالغ فيه. ولكن هذا لا يعني ان تلك الاطراف من المعارضة العراقية كانت قد اتخذت موقفها ذاك من منطلق مستقل ومبني على الاستجابة للحقائق والمتطلبات الوطنية فمثل هذا الموقف لم يكن له وجود لدى اي من الاطراف المذكورة, وظاهرة المعارضة العراقية قامت اصلا خلال ظرف مر على العالم العربي في السبعينات وتميز بنشوء نزاعات عربية عربية واقليمية مستعصية ومديدة وهذه الحالة رافقها ايضا تركز في هيمنة الدول القطرية وتعاظم قوتها ورسوخها, اي تزايد مظاهر القمع واقتلاع القوى والحركات السياسية المؤثرة مع تراجع ظاهرة التغييرات في المجموعات والنخب الحاكمة بعدما توقفت موجة الانقلابات العسكرية والتغييرات المستمرة التي كانت تعم المنطقة في حقبة الخمسينات والستينات. ضمن هذا السياق برزت ظاهرة المعارضة المستقرة في الخارج والتي تفقد باستمرار جذورها وصلتها بواقعها, وتتحول بمرور الزمن وحكم الامر الواقع الى واجهة سياسية اضافية, ملحقة بسياسات الدول المضيفة, الا ان حجم كل من تلك (المعارضات) لم يكن متساويا, وثبت بمرور الزمن ان المعارضة العراقية هي اكبر واخطر تلك الظواهر ولهذا الامر اسبابه التاريخية والتكوينية الخاصة بوضع العراق وبخصائص تطوره السياسي والاجتماعي الحديث والمعاصر, وتحمل هذه الظاهرة اليوم وجهين فهي تشير بقوة الى طبيعة حقبة من حقب التاريخ العربي الحديث, سالفة الذكر بينما تشير ايضا ومن جهة اخرى الى عمق, وحدة الصراع من اجل التغيير والتحول الضروري نحو الديمقراطية في العراق بصورة خاصة, فهذا المستوى من العنف والقمع من جانب السلطة وهذا القدر من الاعتراض والاحتجاج المستمر عليه, يعكس ولا ريب عمق مطلب الديمقراطية, وربما يكون من النادر في تاريخ الامم والشعوب ان وصل حجم الاعتراض ما قد وصله في العراق اليوم, ولم تعرف حالات كثيرة في التاريخ قارب فيها حجم الهجرة من بلد من البلدان لاسباب تتعلق بازمة سياسية جوهرها ديمقراطي نسبة 15% من اصل مجموع السكان فالتقديرات تتفق على ان عدد العراقيين الموجودين خارج العراق اليوم قد بلغ الثلاثة ملايين شخص واكثر. وهذه الحقيقة تزيد من الالتباسات والتعقيدات سواء داخل المعارضة العراقية حين تنظر هذه لنفسها ولدورها, أو في الأوساط الاقليمية والدولية التي تضطر بحكم التطورات المستمرة, للتعامل مع هذه الظاهرة, ففي اوساط المعارضة تتعزز فكرة الدور والاهمية الدولية, والاقليمية, بعد ان اصبحت المسألة العراقية عموما في صلب التحول الدولي والاقليمي, وتكاد تغدو هي محورا من محاوره الاساسية, واذ يتعاظم عدد العراقيين الموجودين خارج العراق فان قوى وتجمعات المعارضة تجد في هذه الظاهرة بديلا يعوضها عن فقدان الصلة بالواقع داخل العراق. الا ان المهم في هذه الظاهرة هو الجانب المتعلق بامكانية قيام حركة سياسية بناء على المقاييس التي تريدها وتفرضها القوى الدولية, وذلك بغض النظر عن شروط الحياة السياسية للبلد المعني, ان واقعة العدوان الامريكي الشامل على العراق وعلى المنطقة, غيرت موقع المعارضة فالصراعات القديمة العربية والاقليمية التي سبق وتحدثنا عنها وعن علاقتها بالمعارضة أبقت رغم كل شيء على نفس المنطلقات الوطنية والقومية التي كانت سائدة في فترة الخمسينات والستينات وهذا ينطبق ايضا على التطور اللاحق الذي اضافته الثورة الاسلامية الايرانية وصعود التيار الاسلامي. لقد قررت الولايات المتحدة مؤخرا (العمل على اسقاط السلطة) علنا بالتعاون مع المعارضة مما يجعل هذه المعارضة في اسوأ موقع, ويحرمها من اية فرصة لا للنجاح بل وحتى لمجرد الحياة, فهدف اسقاط النظام سيتطلب تدمير العراق وتكرار العدوان على ارضه وشعبه, فالقوى المعارضة لا تملك القدرة على اسقاط السلطة, والسياسة التي اتبعت من الجانب الامريكي على مدى السنوات الثمان الماضية لم تبق داخل العراق من امل بان احدا اصبح يريد التحرك ضد النظام فالشعوب لا تلعب النرد على مصائرها ووجودها, وانعدام الافق, والرفض البديهي للهيمنة الامريكية, واستمرار العدوان انهت كلها جميع الفرص لتغيير النظام, الا اذا قررت الولايات المتحدة ارتكاب عدوان تدميري طويل وشامل يشتت قوى السلطة ويشيع الفوضى وهذا دونه عقبات كثيرة. ان القوى التي يمكن اعتبارها فاعلة مثل القوى الكردية او (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية) والحزب الشيوعي اصبحت تميل الى الاقتراب من الموقف الاقليمي الذي تقف وراءه كل من ايران وسوريا ويمتاز بشيء من الابتعاد عن المخططات الامريكية المعلنة, ويجري التأكيد من قبل هذه القوى على ان (التغيير هو مهمة الشعب العراقي) ويوافق هذه القوى في موقفها هذا كل من (المجلس الحر العراقي) بقيادة سعد صالح جبر وتنظيم (الوفاق) الذي يتزعمه صلاح عمر العلي اضافة لحزب (الدعوة) الذي يذهب ابعد من كل هؤلاء بخطوات مبتعدا عن السياسة الامريكية. هذا الوضع يترك السياسة الامريكية لوحدها مع مجموعة من الاشخاص الذين لا اثر لهم, في حين تزداد المطالبة من قبل هؤلاء انفسهم بضرورة عدم ربط مسألة التغيير علنا ومباشرة بالولايات المتحدة وبدعمها المالي والسياسي والتنظيمي, وبينما لاتزال الولايات المتحدة تصر على هذا النوع من التعامل مع مسألة تغيير السلطة فان فترة من ابتعاد بعض القوى الفاعلة عن التورط معها سوف تنشأ كما هو الحال الآن اصلا, وقد تستمر الى أن يتم ايجاد صيغ وتعديلات جديدة مناسبة من شأنها ان تزيل الحرج عن القوى المعارضة ولا تجعلها تبدو كادوات ماجورة تعمل تحت امرة الامريكيين. لكن الولايات المتحدة قد تلجأ لنوع من سياسة التوريط والاحراج, فقد تسير قدما في وضع اسس سياستها موضع التنفيذ بان تدفع بالقوى المرتبطة بها لان تبدأ خطوات من قبيل البدء بتشكيل قوة مسلحة تكون نواة لما يسمى جيش تحرير العراق, بالاضافة الى تكثيف الضغط العسكري على العراق والضغوط السياسية على الدول العربية, بامل اضعاف قدرة القوى الاقليمية وتيارات المعارضة المستندة لدعمها على المناورة, وربما تم تكثيف الجهود لدفع القوى الكردية, كي توفر هي الارضية اللازمة لانطلاق عمليات الاستنزاف العسكري. وكل هذا من شأنه ان يزيد التوترات في المنطقة ويجسد تماما صورة السياسة الامريكية القائمة على اشاعة اوضاع لا مكان فيها للسيادة الوطنية ولا لسلطات الدول حتى القطرية منها ولا لحق هذه في بسط قانونها على الاستثمار ومختلف العمليات الاقتصادية فوق ارضها, فالاستباحة هي القانون الذي تجده الولايات المتحدة موافقا لروح العصر القادم وكل مقاومة لهذا الاتجاه لا جدوى منها ومصيرها حسب الرؤية الامريكية الانهيار والفشل. لنقل بان ما يحدث هو عهد من الصراع والتحولات, من الخطأ الاعتقاد بان ما هو قائم من عناصره الحالية سيبقى قائما كما هو, وليس من الاكيد او الحتمي ان تظل صورة المعارضة في ضوء طبيعة الصراع الحالي والمقبل على ما هي عليه, وها نحن قد شهدنا حتى الان عدة تغيرات وتقلبات طرأت تباعا على هذه (المعارضة) وعلى توجهاتها واصطفافاتها, واليوم اذ ينتقل الصراع خطوة اخرى فان بوادر تغيير يجب ان تظهر خاصة فيما يتعلق بالموقف الوطني الذي وقف ضد العدوان والحصار والدكتاتورية فهذا التيار يكتسب الان موقعا ينتظر ان يتطور ويحتل مكانه بقوة في واجهة التطورات باعتباره مشروعا للحل الوطني الممكن والمعقول. وسواء على المستوى العربي او الاقليمي وبين الاوساط والقوى العربية الحرة لا يمكن لهذا التوجه الا ان يلقى القبول والتأييد, ولا يمكن توقع بداية للخروج من الازمة لا بل المأزق العراقي والعربي الحالي الا من خلال هذا التوجه الذي يحفظ الوحدة الوطنية العراقية, ويؤمن التغيير الوطني نحو الديمقراطية ويصون السيادة والاستقلال الوطني, ويضع العراق في مكانه الفاعل والايجابي اللائق به ضمن محيطه العربي والاقليمي ويقيم عراقا قائما على الشراكة بين ابنائه على اختلاف توجهاتهم وقومياتهم, ان هذه الصورة التي يجري طمسها الان لصالح صور غريبة وسوداء تنذر بالخراب والفوضى, ستكون عودة الى الاصل والى اسس الوطنية العراقية التي غطتها الازمة الطويلة المريرة. قد يكون العدوان الحالي وعلى عكس ما يظهر, سببا في خروج الحركة الوطنية العراقية والحركة التحررية العربية من انتكاستها التي طالت, لن نحلم ولن نبالغ, لكن الامل قائم, ونحن نعلم بان المعركة الحالية طويلة وعسيرة جدا, لكنها لن تكون سهلة على الامريكيين ولن تبقي من مكان لاولئك الذين وقفوا الى جانب العدوان والحصار وسياسة الابادة المعممة, وسوف تتكفل الوقائع ومجرى المعركة وفصولها بكنسهم وانهاء دورهم المشين وشرورهم. من اكبر الآمال الساطعة ان يكون العراق قد شهد مع بداية العدوان (ولادة) جديدة وبذرة نبتت في ظل التدمير والحصار والالتحاق المشين بقوى العدوان, بذرة تذكر بالاسس والمبادئ وتشير للمستقبل, اليس لهذا من دلالة في عرف الحياة والتاريخ.. كاتب عراقي