منذ خريف العام 1991 وتحديداً بعد فشل ما بات يعرف بالانتفاضة الشعبانية التي اسقطت اكثر من 12 محافظة من محافظات العراق دون ان تتمكن من فتح العاصمة وتسقط النظام الحاكم في بغداد , والمعارضة العراقية لم تعد كغيرها من المعارضات التقليدية المعروفة في العالم, بل اصبحت معارضات مفتتة متناثرة وفي احيان كثيرة متنافرة لا يجمع بينها سوى نقطة واحدة هي عدم توافقها على التصالح مع النظام او بتعبير اخر فقدان اي امكانية لوضع برنامج ايجابي مشترك ولا يجمع بينها سوى الاتفاق على نقطة معارضة سلبية واحدة هي رفض النظام ــ وهكذا فقد كانت خطوة النظام في اجتياح الكويت من جهة والانتفاضة العفوية التي شكلت احدى التداعيات الحادة لتلك الواقعة من جهة اخرى كفيلتان بتحويل مستقبل العراق الى ملف دولي والمعارضة العراقية الى معارضات تتحرك في التيه خارج مدار الوجدان العراقي العميق. لكنه ولما كانت المعارضة العراقية معارضة اسلامية بالاساس وشعبية في البدايات والتأسيس عربية شيعية كانت ام كردية سنية فانه من الصعب وصفها بالمعارضة التابعة بالاجمال فضلا عن كونه من الاجحاف ان توصف بالعميلة للاجنبي! نعم يستطيع المراقب بل المحلل السياسي المطلع على ملفات ما بعد اجتياح الكويت الخاصة بالمعارضة العراقية ان يرسم معادلة او خريطة في غاية التشويش والغموض عن معارضات عراقية باتت اسيرة استراتيجيات اقليمية ودولية غامضة ولا صلة لها في التعامل مع جمهور الشعب العراقي المحبط في الداخل والخارج تجاه كل ما يمت بصلة الى شيء اسمه معارضة. في الوقت الراهن لا يرى المتتبعون لملف المعارضات العراقية سوى مركزي ثقل اساسيين للمعارضة احدهما يتمثل بالاحزاب الكردية السنية المسلحة في الشمال والثاني التنظيمات العربية الشيعية المتمترسة باشباه الميليشيات المتناثرة في الجنوب او في تخوم حدود العراق الشرقية عموما. وماعدا ذلك فمجموعة زعامات فردية او وجاهات قبلية او رموز عسكرية او وجوه مغمورة او دلالو سياسة رخيصون يتنقلون بين العواصم الاقليمية والدولية بحثا عن دور غامض ومفقود قد ينالوه في زحمة صدف التاريخ التي لا تتكرر الا نادرا ولوقت قصير وطارىء لا يدوم. وحده الانفكاك بين العاملين الاقليمي والدولي والقطع بين زعامات الخارج المنتشرة في عواصم الضباب ومراكز التنقل الاساسية المذكورة آنفا قادرة على توحيد معارضة الشمال بمعارضة الجنوب. ان فقدان اي برنامج واضح للحكم الى جانب فقدان المثابرة والعقلية الجماهيرية لدى غالبية فصائل المعارضة العراقية وتقليدها القالبي في الاداء وصياغة القرارات والممارسات السياسية للخطاب والممارسة اللينة كان ولايزال العامل الرئيسي لانفصالها عن الجمهور العريض وتحولها شيئا فشيئا الى معارضة صالونات وفنادق وانتقالها التراجيدي الى الخارج. لا يرى المحللون السياسيون اي فرصة طبيعية للتصالح بين النظام الحالي والمعارضات الفعلية كما انه من الصعب اكتشاف طبيعة ديمقراطية في الحياة الحزبية والتنظيمية داخل فصائل المعارضة العراقية الراهنة وان كان غالبيتها يعلن في خطابه الرسمي الموجه قبوله لمقولات التعددية. غير ان العارفين ببواطن الامور يدركون مدى صعوبة ان لم يكن استحالة نشوء ديمقراطيات حزبية من داخل الصيغ الراهنة للمعارضات العراقية, وان كانت قد ظهرت بعض الآمال او ما يشبه احلام اليقظة قد ظهرت لفترة على الساحة الكردية, والتي سرعان ما التحقت بارشيف التاريخ بسبب سرعة اندلاع الاقتتال البغيض. مستقبل الديمقراطية في العراق ليس مشرقا والبدائل الممكنة شبه معدومة في الافق لكن الشعب العراقي في الداخل يختزن من تراكم المعاناة وخبرات التعامل مع الاحداث الصعبة والقاسية ما يجعله كفيلاً ببلورة بدائل مستقبلية تبدو كامنة او مدفونة تحت الرماد في الوقت الحاضر. الشعب العراقي التواق للتغيير والمتفجر عاطفة واحاسيس وجدانية عميقة طوال تاريخ العراق السياسي يعتقد ان بامكانه ان يصنع بدائله في اول منعطف جدي للتغيير, ولا ينظر حاليا بعين الامل ولا الرضا للمعارضات بالخارج اذا لم يكن ينظر اليها بعين العتب وربما الانقطاع الوجداني العميق. لم يتقدم معارض عراقي واحد حتى الان لما يسمى (بالشارع البغدادي) العريض ببديل مناسب, ذلك الشارع الذي يشكل القاعدة الاجتماعية الرئيسية لاستمرار النظام الفعلي في العراق. ليس هناك في العراق من يقبل التقسيم او مستعد لتنفيذ الارادة الدولية له ان وجدت, والمسألة الكردية تتراوح بالنسبة للمعارضات العراقية بين متحمس لاقامة حكم ذاتي في اطار فدرالي لعراق موحد وبين من يريد منح الاكراد الحد الادنى من الحقوق القومية المشروعة بما من شأنه عدم تعريض العراق الى خطر التجزئة, ويندر من يعارض خصوصية المسألة الكردية في العراق. ليست هناك استراتيجية واحدة وموحدة تجاه الجيران لكن اجماعا عراقيا واضحا داخل معارضاته المتعددة والمتنوعة يقضي بضرورة تأمين حاجات الجيرة من الاطمئنان والتواصل وتطوير الوشائج القومية والعقائدية والدينية وعدم استفزاز اي من الجيران بقضايا خلافية او تاريخية في المستقبل المنظور. ليس هناك ثقة بالغرب والولايات المتحدة الامريكية في اعماق كل عراقي, لكنه وللاسف الشديد هناك شبه استسلام للقرار الامريكي الغربي تجاه العراق بسبب فقدان زمام المبادرة وحالة الاحباط الشديد التي يعاني منها العراقي في الاجمال. المعارضة العراقية تفتقر الى اتجاه البوصلة في الوقت الحاضر مهما ادعت انها من العناصر الفعالة او المؤثرة في مسارات الملف العراقي, وحدهم الاكراد بفصائلهم العسكرية المنظمة وبعض تجاربهم المتراكمة في التعامل مع دول الجوار والمجتمع الدولي قد يجعلهم يملكون شبه رؤية مستقبلية لما يمكن ان يؤول اليه الوضع العراقي المستقبلي, وحتى هذه الفصائل تبدو حذرة ومتحفظة في قراءاتها. لا احد في العراق يثق بالعناصر المنشقة عن النظام حقا. نعم قد تدخل هذه العناصر في تقاطعات مصالح مع بعض تحركات دلالي السياسة العراقية من عراقيين او عناصر عربية او اقليمية وقد تدخل في بعض تقاطعات السيناريوهات الدولية الا انها لن تكون سوى ارقام استهلاك مؤقتة لمرحلة محددة ومؤقتة او ورقة رخيصة قابلة للمساومة عند اي منعطف وقد تتحالف تحت ضغط السيناريوهات الدولية او بطلب من اصحاب المشاريع الكبرى مع عناصر من بقايا الملكية العراقية البائدة او العناصر الليبرالية المهجورة او المنكفئة لعقود في بعض عواصم القرار العربي والدولي. تقف ايران وسوريا وتركيا في طليعة اللاعبين الاساسيين في تحديد مستقبل العراق السياسي بعد واشنطن ولندن, وحجم المشاركة او التأثير سلبا او ايجابا يتراوح كماً وكيفاً حسب تطورات الاحداث ونوع المشاريع المطروحة للتغيير, لكنه بالتأكيد لا يمكن تجاهل هذه الدول وبالذات سوريا وايران. وما لم يحصل تحول جذري في نفوس وارادة المعارضين العراقيين ونهجهم السياسي فان واشنطن وتالياً لندن ستظلان اللاعبان الاساسيان في خارطة الصراع حول العراق سلماً او حرباً, واسرائيل الكيان والصهيونية الظاهرة ليست بعيدة عن هذا المسار التراجيدي على طريق اسقاط الحلقة الاضعف في خارطة التحالف المشبوه اقليميا بين انقرة وتل ابيب او ما بات يسمى بالبطن الرخوة في جسم التحالف الدولي الاقليمي الضاغط على مجموعة من الدول للهيمنة على منطقة المياه الدولية الساخنة نفطيا وامنيا وسياسياً وعسكرياً, وحده الشعب العراقي الكبير ووجدان الشارع البغدادي العريض قادر على تغيير معادلة الصراع الراهنة وربما المساهمة في فك ألغاز لعبة القط والفار بين واشنطن وبغداد.