قال خالد عليوة وزير العمل الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية ان عمل الحكومة هو ايجاد حلول بنيوية دائمة للمشكلات والتحديات التي يواجهها المغرب, وليس قرارات ادارية مرهونة بأحداث آنية . وأكد في حوار مع (البيان) ان قضية الاصلاح يجب ان تبدأ من تطوير التجربة الديمقراطية باعتبارها مفتاح الاصلاحات الاخرى, السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولأن عليوة يشغل (ثلاث) حقائب وزارية في وزارة واحدة هي العمل والتكوين المهني والتضامن الاجتماعي, بالاضافة الى منصب الناطق الرسمي باسم الحكومة, كان طبيعيا ان يدور الحوار معه حول هذه المهمات المتداخلة للوقوف على وجهات نظره منها, ومن مجمل القضايا الرئيسية لا سيما مشكلة البطالة التي تنشغل بها حكومة عبدالرحمن اليوسفي زعيم حزب (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) الذي يحتل فيه الوزير عليوة موقعا قياديا, اضافة الى قضية الصحراء الكبرى التي وجه بشأنها انتقادات ضمنية لمقترحات الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان حول من يحق له المشاركة في الاستفتاء. وفيما يلي نص الحوار: كيف تقيمون تجربة الشهور الماضية من عمل الحكومة؟ رغم مرور عشرة اشهر تقريبا, يمكن تقييم التجربة عموما, بالايجاب, اذ ان التشكيلة الحالية لحكومة التناوب هي تعبير عن تيار واسع داخل المغرب, وبالتالي فامتداداتها المؤسسية والشعبية تؤكد على انها ما زالت تحظى بكامل الثقة من طرف الملك ومن طرف المغاربة. وعلى مستوى الممارسة العملية, فإن أول ما كان على الحكومة القيام به هو تقييم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية بصفة عامة ووضع برنامج اصلاحي شامل, وهذا ما تم القيام به فعلا, حيث أعلنت الحكومة عن برنامج قصير المدى يتضمن ما لا يقل عن 127 قانونا متعلقا باصلاحات هيكلية, وعن نحو 110 اجراءات عملية تم الشروع في تطبيقها. الحصيلة, بصفة عامة,تتجلى في كون المستثمر المغربي قد استرجع الثقة, وان المستثمر الاجنبي بدأ يهتم أكثر فأكثر بالفرص الممنوحة له على المستوى الاقتصادي. بصدد هذا الجانب, هل يسمح الوضع الاقتصادي في المغرب بتنفيذ الاصلاحات الموعودة؟ هناك ضغوط مالية على السياسة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد, وتتمثل اساسا في ضغوط المديونية التي تقارب 19 مليار دولار, وتثقل كاهل الخزينة العامة. والحكومة تواجه الامر على مستويين, حيث تحاول ان تقنع, على المستوى الخارجي نادي باريس بالتخفيف من ثقل هذه الديون, إما بإلغائها أو بتحويلها الى استثمارات. وعلى المستوى الداخلي تعمل الميزانية الحالية على تقنين وتحديد عجز الخزينة, حيث يتوقع الا يتعدى هذا العجز, خلال السنة المالية الحالية (1998 ــ 1999) 2.5 في المئة, علما بأن ما يوفر على مستوى الخزينة هو اموال تستثمر لفائدة البنيات الاساسية والخدمات الاجتماعية. بطالة الخريجين ماذا أعدت الحكومة لمعالجة أزمة البطالة المستشرية في صفوف الخريجين والشباب؟ تعد البطالة من أكبر الهواجس التي تحملها حكومة التناوب, فالأرقام تؤكد وجود ما لا يقل عن 200 الف عاطل من حاملي الشهادات الجامعية, اضافة الى ان 18 في المائة من سكان المدن هم في بحث مستمر عن العمل. وبهذا الخصوص, شرعنا في خلق 2500 منصب عمل شهريا لحملة الشهادات, وهو ما يعني توفير 25 الف منصب عمل سنويا. وتبين الارقام المتوفرة لحد الآن ان هناك تعاطيا مهما على مستوى القطاع الخاص مع هذه المشكلة نظرا للحوافز الجبائية والاجتماعية التي وضعت من أجل التشغيل, اذ قررت الحكومة اعفاء كل مشغل من الضريبة على الدخل ومن التحملات الاجتماعية مقابل تشغيل شاب يحمل شهادة (بكالوريا + عامين دراسيين فما فوق).وهذا لا يعني ان القضاء على بطالة حملة الشهادات سوف يتم في ظرف سنة أو سنتين, لأن هناك تراكما للعاطلين الخريجين من جهة, وتوالد أفواج جديدة منهم كل سنة من جهة ثانية. والاحصاءات المتداولة حاليا تشير الى ان القطاع العام لا يتدخل في التشغيل الا بنسبة 20 في المئة, فيما يعتبر القطاع الخاص المشغل الأول بنسبة 80 في المئة, لذلك فإن السياسة الاقتصادية للحكومة تجاه المستثمر وتجاه تشجيع الاستثمار تبقى هي الاجراء الأول الذي ينبغي اتخاذه من أجل تحريك التشغيل. وأود ان اوضح هنا انه بقدر ما يعرف المغاربة والمهتمون ماهي مظاهر ومواصفات البطالة اليوم, بقدر ما تبقى مسألة خلق مناصب العمل وآلياتها غير معروفة, وأول شيء ينبغي ان نقوم به هو ان نعيد التوازن بين معرفة خصائص الطلب وخصائص العرض, وفي الندوة الوطنية حول التشغيل التي انعقدت قبل اسابيع قليلة في مراكش ظهر ان هناك قضايا كان المهتمون يجهلونها, فمثلا, انه بقدر ما كان للانسان تخصص اكبر في حياته الدراسية بقدر ما كانت له صعوبات في الحصول على منصب عمل, وبالتالي كلما نزلنا في مستوى التكوين كلما بدأت نسبة البطالة تتقلص. لكنكم تلاحظون ان المقاولات المغربية لاكثر من سبب لا تحتاج الا لذوي التكوين المتوسط, كيف يمكن والحال هذه امتصاص الاعداد الكبيرة من ذوي التخصصات؟ نحن لا نتحدث عن الملائمة فقط, ولكن نجد ان تخصصات بأكملها لا حظ لها في ولوج سوق العمل. وبطالة خريجي الجامعات ما بين 1990 و1996 تضاعفت مرتين, في حين ان نسبة البطالة في التكوين المهني انتقلت من 18% الى 16% اضف الى هذا ان خصائص التشغيل كانت تختلف دوما بين القطاع العام الذي وظف نسبة عالية من حملة الشهادات, في حين ان القطاع الخاص سجل العكس تماما. هذه معطيات حول مواصفات البطالة والتشغيل ببلادنا, وقد استنتجنا ان خصم عدد المناصب الجديدة في القطاع الصناعي الخاص من عدد المناصب المفقودة بسبب الاغلاق لا يترك لنا الا 6500 منصب سنويا, وهذا شيء يثير الصدمة. المهم من هذا هو ان توسيع امكانيات التشغيل في البنيات الموجودة هو اهم من حيث الاعداد من خلق المناصب الجديدة عن طريق الاستثمار الجديد, لهذا اقول ان خطتنا تتمثل اولا في ضرورة ايجاد تشخيص علمي لاشكالية التشغيل, اما الادارة السياسية وحدها أو القرارات الادارية فلا يمكنها ان تحل المشكلة. ان البطالة ليست ظاهرة عابرة, والقرارات الادارية هي التي جعلتنا نتوفر على رصيد مهم في مجال بطالة الخريجين. ولم أجد في كل السياسات السابقة شيئا يتعلق بالمستوى المقبول من البطالة, وبالنسبة للحكومة الحالية اعتقد ان لنا تصورا وهو ان نتحول من النسبة الحالية التي تصل الى 17 في المئة الى 12 في المئة خلال نهاية الفترة التشريعية. ولماذا 12 في المائة؟ لأنه المستوى الذي يعطينا نسبة البطالة التوازنية وليس التضخمية. ولنا تصور للكيفية التي سنصل بها لهذه النسبة, فالبرنامج المصاحب للتكوين من أجل الاندماج سيربحنا نقطتين, وثلاث نقاط سنربحها عن طريق السياسة التنموية, ومن ضمنها تشجيع الاستثمار العمومي والخاص. سياسة التنمية المشتركة هناك موضوع يتصل بأزمة البطالة, أعني موضوع الهجرة السرية الى اوروبا, ماهي اجراءات الحكومة تجاهها بعدما باتت تخلف العديد من الضحايا؟ ظاهرة الهجرة السرية مرتبطة بأمرين: اولهما يهم العلاقة بين دول الجنوب ودول الشمال, وثانيهما يتعلق بمستوى التنمية الاجتماعية, لذلك فان الحل الانجح لهذه المعضلة هو تشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في دول الجنوب, إذ لايعقل ان يكون الدخل القومي ببعض بلدان اوروبا يعادل 40 مرة الدخل القومي لبلد كالمغرب.. ومادامت هذه الفوارق موجودة على بضعة أميال فكيف يمكن الحد من الهجرة؟ لقد انصبت تدابير الحكومة على وضع سياسة (التنمية المشتركة) مع الدول المعنية, هذه السياسة التي يجب ألا تقتضي المساعدة بقدر ما تقتضي ان تقفز الاستثمارات نحو دول الجنوب لتحريك فرص التنمية. وبالتالي تحريك فرص العمل, وما عدا ذلك فان كل الاجراءات الزجرية أو الردعية ستبقى اجراءات محدودة. بصفتكم تتولون الى جانب ملف العمل, ملف التضامن الاجتماعي, ماذا يمكن ان تقولوا بشأن المعضلة الاجتماعية؟ في السياسة الاجتماعية هناك فئتان: فئة محتاجة للمساعدة وستبقى كذلك, وضمنها المعاقون واليتامى والعجزة, وهؤلاء يقدرون بما بين 3 و4 ملايين, والسياسة التي ننهجها هنا هي سياسة التكافل الاجتماعي, اما الفئة الثانية فهي التي نستهدفها لمحاربة الفقر. وللفقر عاملان: عامل يتمثل في انعدام الموارد أو غيابها, وعامل يتمثل في انعدام فرص الاندماج. سننشىء في هذا الاطار صندوقا للتنمية الاجتماعية, وهو شيء مهم يمكن ان يعوض الاستحالة الموضوعية لتحقيق اهداف سياسات حكومية في أمد قصير.. فسياسة تعميم التعليم أو كهربة القرى هي سياسات موجودة, ولكن اذا اخذنا بعين الاعتبار ان كهربة القرى مثلا تحتاج الى 100 مليون دولار في السنة, فان هناك دواوير لن تصلهم الكهرباء الا بعد 15 أو 20 سنة, والناس لايمكن ان يتفهموا هذا. الصندوق المقترح لن يكون ادارة, اننا نريد عنصرا مجمعا ومبلورا للطاقات الجماعية الموجودة. ان التضامن في رأينا نوعان: تضامن اجتماعي بين فئات داخل المجتمع, واحدة تنقل للأخرى جزءاً من موارد لاتكون عندها, وتضامن مؤسساتي يتمثل في الاتفاق مثلا على صندوق المقاصة (الدعم) والحماية الاجتماعية كالتأمين الصحي وتطوير نظام حوادث العمل والسكن الاجتماعي ونظام المعاشات. تغيير لا قطيعة يثار السؤال هنا عن مدى امكانية الوصول الى اهدافكم في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن عدم الانسجام الحكومي؟ اذا كنتم تلمحون الى بعض الوزراء من الحكومات السابقة, فأقول ان مهمتنا ليست مصارعتهم, فلكل واحد منهم مهام يتولاها حسب اختصاصاته, وان كنا نعتقد ان التفاهم بين جميع الوزراء أمر حيوي وانه يجب ان يمر عبر بذل كل الجهود لصقل الانسجام الحكومي على كل المستويات, ولاننسى ان تجربتنا لها خصوصيات أولها انها نابعة من ارادة الملك وتجاوب الاحزاب الوطنية معها. اننا في الحكومة لنا مهمة أولى وأساسية هي ايجاد حلول بنيوية طويلة المدى, وتطوير نظامنا السياسي في اطار تعميق أسس الديمقراطية ودولة الحق والقانون من جهة. ووضع اقتصادنا ومجتمعنا على سكة التنمية من جهة أخرى, وهذه المهمة لايمكن ان تنجز في ظرف يعد بالأشهر. نحن لم نقم بثورة, ولم نختر الطريق الذي نجعل بموجبه من التغيير قطيعة. لقد اخترنا طريق التقدم التدريجي والعمل المنهجي الذي يجب ان يحقق نتائج بنيوية ملموسة, وعلينا أن نسير التناقضات التي يمكن ان تظهر بفعل تواجد الموروث مع الجديد دون تشنج, ولكن بتطوير الحوار والنقاش الهادف. ماذا وراء مهمتكم كناطق رسمي باسم الحكومة؟ ـ اننا نريد مشهدا اعلاميا جديدا. خصوصا العمومي منه. لنا مآخذ على الطريقة التي ينظم بها هذا المشهد الان, وفي برنامجنا لانريد ان ندخل نغمة سياسية جديدة على وسائل الاعلام الحالية, ولكن نريد التحديث والحداثة بالتعامل مع الاحداث التي يجب ألا يكون هدفها السبق, ولكن ان تكون مبنية على التحقيق في الوقائع وليس نقلها فقط, وعلى صعيد الصحافة المكتوبة, لابد ان نقوم بنقد ذاتي يتمثل في اعترافنا بضعف لقاءاتنا معها, وقد قررنا ان تكون لنا هناك لقاءات دورية مع الصحفيين, وهذه مسألة تبرمج الآن. الاعلام ميدان ذو حساسية قوية, وهو ميدان سياسي محض, والامور المرتبطة بالعلاقات السياسية العامة لايمكن تغييرها دفعة واحدة في هذا الظرف, فالتناوب, كما قلت, ليس ثورة, والحكومة الآن بصدد وضع برنامج مفصل سيتم الاعلان عنه في وقت قريب. ثم ان الميدان الاعلامي بصفة عامة ليس ميدانا جامدا, ولا ينحصر فقط في الاعلام المتلفز بل هو كذلك الاعلام المكتوب والاعلام المسموع, وفي مختلف هذه المجالات هناك حركية ونشاط مرتبطان باتساع فضاء الحريات ببلادنا. رغم الشوط الكبير الذي قطعته الحكومة في مجال حقوق الانسان, الا ان هناك ملفين مازالا عالقين ويتعلقان بالشيخ عبد السلام ياسين (مرشد جماعة العدل والاحسان المحظورة) وابراهام السرفاتي (المعارض اليهودي المقيم في فرنسا) فهل من جديد حولهما؟ لا أجدني بحاجة الى التأكيد على ان المغرب هو البلد العربي الاول والوحيد الذي تمت فيه تسوية ملف المعتقلين السياسيين بكل مسؤولية وصراحة. وبالنسبة لقضية الشيخ عبدالسلام ياسين نحن الآن بصدد العمل على حلها, اما بالنسبة لابراهام السرفاتي فمعلوم انه قد تقدم بدعوى ضد الحكومة المغربية واتخذ الطريق القضائي الذي لم ينته بعد, كما ان هناك طريقا آخر هو العفو الملكي الذي يبقى مفتوحا امام جميع المغاربة. منعطف الصحراء يبدو ان استفتاء, الصحراء يوجد أمام منعطف جديد مع المقترحات التي تقدم بها الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان, كيف تنظرون الى هذه المقترحات؟ الاستفتاء مبني على قاعدة معروفة على المستوى الكوني وتقضي بان كل من له الحق في المشاركة في العملية الاستفتائية ينبغي ان يشارك فيها, ولايمكن أبدا ان توضع أية قيود على هذا الحق, والمقترحات التي تقدم بها عنان تضع قيودا على ممارسة هذا الحق, لذلك يرفض المغرب اي إقصاء للمواطنين المنتمين لهذه المنطقة من المشاركة في الاستفتاء. وهنا نشير إلى ان الجزائر مازالت وراء عمليات العرقلة, وهي طرف في هذا الموضوع وليست مجرد مراقب, بل ان أصل هذه المشكلة مرتبط بالعلاقات المغربية الجزائرية حول الحدود بصفة عامة, وكان المرحوم الهواري بومدين وراء نشوء جبهة البوليساريو, وكان يستخدم هذا الملف في اطار الضغط على المغرب بخصوص الحدود بين البلدين.