قد يبدو من الصعب توجيه انتقادات أو ابداء تحفظات على الموقف العراقي من تطورات الأزمة الجارية حالياً على خلفية قضية التفتيش ورفع الحظر .. وما يستتبعها من قضايا فرعية أخرى.. فوسط الصخب الاعلامي الحاصل والمحاولات المختلفة لخلط الأوراق نكون بذلك مساهمين في عملية تزييف الحقائق وتقديم العربة على الحصان. غير أنه ازاء الموجة العالية ضد بغداد والتي تحركها الولايات المتحدة وبريطانيا فإن الخوف على الشعب العراقي.. والعراق ذاته كدولة يقتضي ان نتناول بالنقاش مواقفه في محاولة لجعلها أكثر رشاقة بما يفوت الفرصة على أية محاولات لإخفائه من على الخريطة. نقول ذلك رغم علمنا ان البعض قد يستغل مثل هذه الآراء, والتي يذهب اليها قطاع كبير في عالمنا العربي, في التسويق لمواقف معينة. وعلى هذا يبدو غريبا تلك المجموعة من المواقف التي التزمتها القيادة العراقية في أعقاب عملية ثعلب الصحراء ديسمبر الماضي, وهي مواقف اضعفت في التحليل النهائي وضعه رغم ان كافة الظروف والتطورات كانت كلها تصب في صالح الجانب العراقي. فعملية ثعلب الصحراء ذاتها قوبلت بادانة عربية ودولية واسعة سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي, وهو ما كان له الأثر الأكبر في توقفها. لقد بدت السياسة الأمريكية ــ تتبعها البريطانية ــ عارية من أية حجة مقنعة تقدمها لتبرير هذه العملية. وجاءت التطورات لتضيف لبغداد عاملاً يعزز موقفها بما تكشف عن التجسس الأمريكي من خلال يونيسكوم, وهو أمر كان كفيلاً في حد ذاته, فيما لو تم التركيز عليه, بتأكيد كافة الاتهامات التي وجهتها بغداد للجنة التفتيش الخاصة, واكتساب بغداد مزيداً من التأييد الدولي, غير ان القيادة العراقية راحت وسط هذه التطورات والتي واكبها مظاهرات عربية ضد الولايات المتحدة غير مسبوقه, ورفض فرنسي روسي صيني لسياسات واشنطن لتتخذ مواقف ادخلتها في قضايا هامشية ماتغيبت معه القضية الرئيسية وهو العدوان الأمريكي البريطاني, في ذات الوقت الذي افقدتها هذه المواقف التعاطف العربي الرسمي معها. وتأكيداً لهذا الطرح نتساءل: ما معنى ان يجدد البرلمان العراقي التلويح بالغاء اعتراف بغداد بالحدود الكويتية العراقية وهو ما مثل هدية للسياسة الأمريكية لم تكن تنتظرها فراحت هذه السياسة تحاول استعادة اجواء حرب الخليج التي اتسمت بالرفض الشامل للسياسة العراقية. وما معنى الحملات التي راحت بغداد تخوضها مع مصر والسعودية ما أتاح الفرصة لبعض الغوغائيين لنبش الملفات القديمة بالدعوى لفتح ملف مقتل ما يزيد على خمسة الاف مصرى بالعراق. قد يقول البعض ان بغداد اكتشفت زيف المواقف المصرية والسعودية في مساندة الشعب العراقي, حتى ولو كان ذلك صحيحا فليس من حسن السياسة استعداء كافة الأطراف في وقت واحد. ان واشنطن التي تواجه سياستها برفض دولي في تعاطيها مع الأزمة العراقية تلجأ الى استقطاب هذه الدولة بالتغاضي عن سياسية معينة ترفضها الإدارة الأمريكية وتكافىء تلك الدولة مقابل صمتها.. وتلوح لثالثة برفع عقوبات لاكتساب تأييدها.. وتبرز المساعدات المالية كأداة لنيل موافقة دولة رابعة على إدارة البيت لأزمة مع العراق.. وهكذا هي السياسة, أما ما نراه من بغداد فهو ما يثير التساؤل والدهشة, ويجعلنا نتشكك بحقيقة قدرة الساسة في العراق على التعامل مع المجتمع الدولي. نعلم ان هذا رأي سيجد معارضين كثيرين له.. وكل مانأمله ان يقدم لنا هؤلاء أو غيرهم مبررات واقعية تفسر لنا السياسة العراقية. ونتمنى ان نكون مخطئين في تصوراتنا رغم يقيننا اننا لسنا كذلك.