أثار تصريح رئيس الوزراء اللبناني الدكتور سليم الحص بتسهيل السفر والعودة حالة من الارتياح والفرح والبهجة بين الفلسطينيين في لبنان وسوريا, عبرت عنها مجموع الفصائل الفلسطينية دون استثناء , منها من خلال التصريحات للصحف العربية ومنها بارسال برقيات العرفان والشكر لهذا القرار الذي انتظره الفلسطينيون سنوات طويلة, ولعل البعض اعتبره تصحيحا لخطأ سياسي سابق, لكن البعض الآخر اعتبره موقفاً قومياً كان ينتظر رجلاً مثل الحص. وطالب آخرون مبادلة العهد الجديد الخطوة بالمثل من خلال الحفاظ على الأمن في لبنان وعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية, على أساس ان الفلسطينيين ضيوف على لبنان ولا يوجد لهم أي مآرب سياسية وهم ينتظرون العودة الى وطنهم فلسطين ويحملون كل العرفان والامتنان للبنان وشعبه. لكن دعوة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات لقوى المعارضة الفلسطينية للحوار, والتي حملها فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسة وترت الأجواء الفلسطينية باثارة موجة من الغضب في صفوف المعارضة حيث وصفت حركة فتح الانتفاضة بقيادة أبو موسى هذه الخطوة بالتخريبية وهدفها تفتيت الصف الوطني والاجهاز على نتائج المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي أخذ شرعية وجوده من التفاف الفلسطينيين حوله في كل أماكن تواجدهم في فلسطين والشتات, حسب الحركة التي زادت بقولها ان الدعوة هذه خطوة لإخراج عرفات من مأزقه الذي يواجه منه انسداد آفاق التسوية بالمطلق, والتي لن تقدم له أي شيء حتى وإن جاءت ما تسمى بقوى اليسار الاسرائيلي على السلطة. وخصوصا بعد ان ألغى الميثاق الوطني الفلسطيني, دون مقابل. ووصلت الحركة حد اعتبار القدومي سمسارا يسوق نهج عرفات في الخارج ليس الا, وهو الشخصية الفلسطينية التي تعد القاسم المشترك الوحيد بين مختلف التوجهات السياسية الفلسطينية. أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش, فقد اعتبرت ان السلطة أفشلت كل المحاولات والمساعي والمبادرات التي صدرت عن العديد من القوى الوطنية الفلسطينية, الداعية لحوار وطني شامل, وخاصة اثر صعود حكومة الليكود الى قمة السلطة السياسية في الكيان الصهيوني, والتي دعت الى مراجعة سياسة التسوية الجارية والتوقف عن التنازلات والتفريط بالقضية الوطنية, وجمع شمل البيت الفلسطيني على أسس وطنية واستثمار المساعي من قبل السلطة في حملات اعلامية ترويجية لرهانها على المفاوضات بديلا للحالة الوطنية. وترى الجبهة الشعبية في دعوة السلطة هذه مناورة تهدف لإثارة التشويش في صفوف القوى الوطنية الفلسطينية, بعد نجاحها في عقد مؤتمرات في الوطن والشتات من جهة, وبهدف استخدام الفراغ السياسي بانتظار نتائج الانتخابات الاسرائيلية من جهة أخرى. وحذرت من ألاعيب السلطة وعبثها, ودعت كافة القوى الوطنية والاسلامية, وعموم الشخصيات والفعاليات الوطنية في الوطن والشتات, الى تفعيل لجان المتابعة المنبثقة عن المؤتمرات الوطنية, وتوحيد جهودها وتقوية حضورها السياسي الوطني والقومي في مواجهة الاحتلال, وسلطة الاستسلام, وعدم ايلاء دعوات السلطة ومناوراتها أي اعتبار. لكن الجبهة الشعبية (القيادة العامة) بقيادة أحمد جبريل, قالت بأنه (لا يوجد أي مكان لمثل هكذا حوار فعرفات اختط طريقه نحو اللاعودة في انه رضي لنفسه بأن يكون حزاما أمنيا للمستوطنين, تنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني بالكامل, وضرب عرض الحائط أهداف وآمال الشعب الفلسطيني في العودة الى ديارهم. وأن كل ما يشاع عن حوارات أو لقاءات هو مجرد التفاف على ما أنجزه الوطنيون الفلسطينيون) . وأن الدعوة الأخيرة مجرد لعبة لن تنطلي على أحد لأن من يلثم أيادي كلينتون, وبعض الحكام الغربيين لا يمثل أهداف وأماني الشعب الفلسطيني. لكن الجبهة الديمقراطية بزعامة نايف حواتمة التزمت الصمت حيال هذه الدعوة, وهي التي أرسلت مندوبها رمزي رباح عضو المكتب السياسي وممثلها في لجنة المتابعة التي انبثقت عن المؤتمر الوطني الفلسطيني الى الداخل, حيث بدأت بعض أوساط المعارضة الفلسطينية تؤشر الى ان هذه المبادرة جاءت بالاتفاق بين الديمقراطية والسلطة, خصوصا وان صراعا في وسائل اعلام الديمقراطية, وحركة فتح الانتفاضة والشعبية بقيادة جورج حبش يجري على أشده, وكيل الاتهامات تأخذ مساحة الحوار فيما بينهم, والذي ينذر بانسحاب آجل أم عاجل للديمقراطية من لجنة المتابعة. حركة الجهاد الاسلامي من جهتها اعتبرت هذه دعوة يائسة لا يجب النظر اليها بأي منظار وأنها ليست سوى أضغاث أحلام, والأجدر بالسلطة ان تخرج ابناء الشعب الفلسطيني من سجونها وألا تبقى عصاً غليظة, تأتمر بأوامر المخابرات المركزية الأمريكية, وأجهزة العدو الصهيوني الأمنية. وبالمحصلة فإن هذه الدعوة تندرج في اطار تفسيرات ثلاثة: اما الصدق ورغبة السلطة في بلورة وحدة وطنية تدعمها في المفاوضات النهائية.. أم انها مجرد محاولة للخروج من أزمة تعيشها فحسب, لكن أخطر الاحتمالات يكمن في محاولة شق صفوف المعارضة عبر إغراء أطراف فيها بتلقف هذه الدعوة والاستقواء بها على أطراف أخرى. دمشق ــ عبدالكريم محمد