بانسحاب مجموعة الدكتور رياك مشار مساعد رئيس الجمهورية وحاكم الجنوب السوداني من المؤتمر الوطني الحاكم بعد تسجيله حزبا منفصلا تكون ساحة (المؤتمر) فقدت أهم روادها , وتقلصت عضويتها أيضا بانسلاخ الشريف الهندي (الاتحاد الديمقراطي الجديد), كما ان المؤتمر الذي انفرد بالقرار السياسي والتنفيذي لعشر سنوات خسر فيليب غبوش الزعيم الروحي والسياسي النافذ في جبال النوبة التي تعد أكثر مناطق السودان اضطرابا بعد الجنوب. وأعاد غبوش وهو قس وسياسي مخضرم طالما اتسمت مواقفه بالتقلب, تكوين (الحزب القومي) لابناء الجبال في غرب البلاد. وتوالت انكسارات المؤتمر بانهيار العلاقة التنظيمية بينه وبين حركة اللجان الثورية المتأثرة بفكر الزعيم الليبي معمر القذافي التي انتقدت تحول المؤتمر إلى حزب. وفي الأفق الآن انتكاسة أخرى تتمثل في الخطوة التي يستعد لها (المايويون) وهم أنصار الرئيس السابق نميري لمغادرة مظلة المؤتمر الوطني خلال الأيام المقبلة, والعودة إلى ارثهم (تحالف قوى الشعب العاملة). وهكذا يكون المؤتمر الوطني قد أفرغ تماما من مضمونه الظاهري على الأقل وشعاره الأثير لدى قيادته بحسبانه (الوعاء الشامل) لكل أبناء الشعب ويتضح مأزق المؤتمر عندما يؤخذ في الاعتبار ان أكبر قوتين سياسيتين كما أظهرت آخر انتخابات ديمقراطية, وهما حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق والحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة محمد عثمان الميرغني, يقصان في الخندق المسلح لمواجهة المؤتمر الوطني, بتحالف مع فصائل سياسية (شيوعيون وبعثيون) متمردون جنوبيون وزعما جهويين وتنظيمات أخرى. ويفضي مجمل ما سبق إلى خلاصة تتمثل في أن (الجبهة الإسلامية القومية) التي يتزعمها الدكتور الترابي فقدت كل أجنحتها التي كانت تحلق بها وحدها في الساحة السياسية منذ الانقلاب العسكري الذي أوصلها إلى السلطة مما يتطلب منها جهدا كبيرا لسد فراغ الذين افترقوا عنها إذا أرادت المحافظة على نفوذها الحالي, والذي من الصعب تجديده إذا احتكمت إلى صناديق الانتخابات, لأن دوائر الجنوب كلها ستخرج من حساباتها وكذلك جبال النوبة, كما ان الجماعات الإسلامية الأخرى وفي مقدمتها (الاخوان المسلمون) الذين فشلت الجبهة الإسلامية في اقناعهم بمساندتها في الحكم سيكون لهم تأثيرهم وسط الاسلاميين الذين يعتقدون ان تجربة (الجبهة الإسلامية القومية) كانت خصما من الشريعة وليس اضافة لها في أسلوب الحكم والتربية. وفوق ذلك أثارت الجبهة الإسلامية القومية حفيظة قطاع العسكريين بابعادهم عن (المؤتمر الوطني) بعد ان تخلى عن نظام المؤتمرات وأصبح حزبا حاكما, مما دفع ببعض العسكريين المحالين للمعاش أو المفصولين إلى تسجيل حزب يظل جليا انه سينال أصوات القوات النظامية خاصة وان لهؤلاء قضاياهم ومصالحهم التي يمكن التعبير عنها بواسطة عسكريين يرتدون الملابس المدنية, رغم كل ما يثيره ذلك من حساسية. وواضح ان قادة الجبهة الإسلامية والمؤتمر الوطني يراهنون بالدرجة الأولى على اعتقاد بأن خارطة النفوذ السياسي حدث فيها تغيير كبير خلال سنوات حكمها, وان جماهير الحزبين الكبيرين على قناعة باطروحات الانقاذ الدينية والسياسية وانجازاتها. ويعوِّل هؤلاء على مرحلة تسويق البترول الذي يفترض انه يسبق الانتخابات المقبلة, المحدد لها برلمانيا بعد عام ورئاسيا بعد عامين وتحوطت الجبهة لقيام نتائج المعركتين بانتخابات للمحليات (البلديات) في شهر يونيو المقبل. ولكن أصوات جماهير الحزبين الكبيرين رغم غياب زعمائهما وقياداتهما عن الساحة لن تصب في خانة الجبهة إنما ستتجه لصالح أحزاب الظل التي تبناها معارضون لتلك الزعامات والقيادات, ولن تجدي فيما يبدو مراهنة الجبهة على التحالف مع تلك الأحزاب (الهجينة) , خاصة وان هذه الأحزاب التي اقترب عددها الآن من الثلاثين تدين ممارسة الجبهة الإسلامية في الحكم وتعلن عن سياسات داخلية وخارجية متقاطعة تماما مع نهج الحكم الحالي, وتتودد إلى المواطنين بشعارات تعيد لهم حقوقا تم سلبها مثل الغاء خصخصة بعض المشاريع والمرافق التي كان القطاع العام يديرها بنجاح, واعادة المفصولين من الخدمة الحكومية الذين تجاوز عددهم عشرات الألاف, واعفاء ديون المزارعين وغير ذلك. من المطالب التي تدغدغ مشاعر الجماهير والمعروف ان تجربة الجبهة الإسلامية في الحكم مرت أولا بالارتكاز على البندقية والشرعية الثورية والتي أصبحت في كل أنحاء العالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي قصيرة العمر لأنها كانت تتقوى على خلافات المعسكرين الكبيرين, ثم لجأت إلى نظام المؤتمرات الذي لم يجد أرضا صالحة في رقعة الديمقراطية, فلجأت الجبهة إلى الحزب الشمولي الذي حكم عليه قادته صراحة بأنه لم يحقق اهدافه لا في قيادة الدولة ولا في استقطاب الجماهير كما تقوقع تنظيميا في حركته مذكرة الإسلاميين العشرة للحاق (بالتوالي السياسي) الذي أعاد الأحزاب إلى الساحة السياسية. وهكذا فإن الجبهة الاسلامية التي وجدت نفسها الآن في منافسة قوية من حلفائها وليس خصومها وتبدو في حيرة ربما تتحول في الأيام المقبلة إلى اجتماعات ثورية (كما يطالب الكثيرون) للعودة إلى تنظيمها السابق ومواثيقه وبرامجه مع استصحاب ايجابيات سنوات الحكم, خاصة بعد بروز كيانات متعددة تحت مسمى (حركة التصحيح الاسلامي) تهدف إلى استثمار اخفاقات الجبهة الإسلامية القوية في السلطة والتي يمكن احتواؤها من خلال تركيبة جديدة للتنظيم. وهكذا أيضا يتضح ان قانون اعادة الأحزاب (التوالي السياسي) الذي كان الكثيرون يعتقدون بأنه جاء تفصيلا على مقاس الجبهة الإسلامية القومية كان أكبر من حجمها الحقيقي الذي كشف عنه تسارع حلفائها بمغادرة ساحة المؤتمر الوطني. وأنه ربما يتسع لآخرين عندما تكتمل سجلات الأحزاب وتذهب إلى صناديق الاقتراع. الخرطوم ـ يوسف الشنبلي