احتفل السودانيون في القاهرة بذكرى معركة تحرير الخرطوم (26 يناير 1885) احتفالا كبيرا استمر حتى ساعة متأخرة من ليلة الخميس ــ الجمعة وشهده جمع كبير ضاقت بهم قاعة الاحتفالات الكبرى في الجامعة العمالية المصرية وامتلأت بهم الردهات والممرات وفناء الجامعة الكبير , وانتهز زعيم حزب الأمة ورئيس الوزراء السوداني المنتخب الصادق المهدي المناسبة التي جمعت الى السودانيين عددا من أصدقائهم المصريين وتحدث بإفاضة عن علاقة الثورة المهدية التي قادها جده الأكبر الإمام محمد أحمد المهدي بمصر والمصريين ودافع دفاعا حارا عن (نظرة المهدية الاستراتيجية لمصر) وشدد القول بأن حرب تحرير السودان (الثورة المهدية) لم تكن حربا بين السودانيين والمصريين (لأن مصر نفسها كانت ارادتها مسلوبة بالاستعمار الأجنبي وبالطبقة الحاكمة الأجنبية ضد ارادة الشعب المصري) والثورة المهدية ــ كما قال (لم تكن حركة ضد الشعب المصري ولكنها كانت حركة تكامل مع الثورة المصرية العرابية ولقد أيد المصريون الأحرار الثورة المهدية والذين وصفوها بأنها تمرد وانفصال هم السلطة الخديوية والمنتمون لها وحلفاؤها من الانجليز والأجانب الآخرين). وكان قد سبق المهدي في الحديث وزير الدولة للشؤون الخارجية في العهد الديمقراطي ــ رئيس فرع حزب الأمة بالقاهرة ــ الذي نظم الاحتفال الجماهيري ــ مهدي داود الخليفة عبد الله الذي أشاد بصورة خاصة (بتضامن الأشقاء المصريين مع اخوانهم في السودان ودعمهم المستمر لقضية الشعب السوداني ومشاركتهم لنا مناسباتنا الوطنية القومية وبخاصة أسرة الجامعة العمالية المصرية التي احتضنت احتفالنا بذكرى تحرير الخرطوم) وركز مهدي الخليفة (على المعاني العميقة لكون ان مصر تقف مع شعب السودان في ساعات المحن والكوارث وارتباط ذلك ليس بالحاضر وحده ولكن بمستقبل قريب آت دون شك). وشن رئيس الوزراء المنتخب وزعيم حزب الأمة هجوما عنيفا على النظام المتسلط في الخرطوم ووصف ما حدث في أم درمان يوم 26 يناير (الذي شاركت فيه جميع شرائح الحركة السياسية السودانية لأن الثورة المهدية ملك لكل السودانيين) بأنه قد كشف وعرى النظام الذي حاول ان يخادع ويخدع بعض الناس (بأنه بالتوالي ودستوره قد فتح باب الديمقراطية والتعددية). وقال المهدي: (النظام الآن في منتصف طريق لا يستطيع ان يعبره حتى النهاية ولا يستطيع أن يعود عنه .. والمعارضة الديمقراطية من موقع مسؤوليتها الوطنية ستعمل وتتمدد في كل مساحة موجودة وستعمل لتنزع مساحات جديدة ونحن نعتبر ما حدث في أم درمان يوم 26 يناير نضالاً بين الشعب والنظام الظالم) . وحذر المهدي بشدة بأن الحكومة قد زرعت بذور الفتنة القبلية في دارفور وغيرها وان احداث الجنينة هي نتيجة طبيعية لما قام به النظام في محاولته (ان يخلق واقعا جديدا لذلك التهبت الفتن القبلية وآخرها ما حدث في منطقة الجنينة, وناشد اطراف النزاع وقف النزاع الدموي وحقن الدماء, وحذر المهدي بأنه إذا استمر النزاع الدموي المسلح فإنه يمكن (ان ينجذب اليه اطراف من سائر الاقليم بل ومن خارج السودان),) ووصف السلطة الحاكمة بأنها حكومة تريد أن تستثمر النزاعات القبلية لصالح التمكين السياسي للأقلية الحاكمة في الخرطوم) . وجدد المهدي دعوته الى لقاء جامع يحقق السلام الشامل ويقيم الحكم على ارادة الشعب الحرة ويأذن بمساءلات ليست انتقامية ننظف بها الحياة العامة من كل الأوساخ والأمساخ والتعديات والتجاوزات. وحذر زعيم حزب الأمة النظام الحاكم في الخرطم بأننا سنواصل بعون الله رفضنا للظلم ونواصل عملنا لرفع الظلم بكل الوسائل اخشنها وأنعمها. واكد اننا سائرون في خط التصعيد واستنزاف النظام (وهذا أمر لا خلاف عليه بين كل قوى المعارضة والتجمع الوطني الديمقراطي) ولكنه نبه الى ان الايجاد) مصابة الآن بشلل لأن أطرافها مشتبكة في نزاعات وان السودان أصبح على أبواب التدويل والتدويل لن يحقق نجاحا ولا حلا نهائيا للمسألة السودانية) . وكان قد سبق الاحتفال بذكرى تحرير الخرطوم الذي أقيم في المساء ندوة تاريخية عقدت في الجامعة العمالية المصرية صباح الخميس قدم فيها المؤرخ المصري الأستاذ الدكتور لبيب يونان رزق محاضرة حول علاقة مصر والثورة المهدية, اجتذبت جمهورا واسعا من المهتمين المصريين والسودانيين بالعلاقات المصرية السودانية, ودار فيها نقاش فكري واسع بين الحضور. القاهرة ــ عبد الله عبيد