يمثل تاريخ الصراع الاستعماري لأمريكا والاتحاد السوفييتي القاسم المشترك في خلق المشكلة الكورية وتقسيمها الى شمال وجنوب, والوقوف بصورة مباشرة وغير مباشرة للحيلولة دون اتحادها, وتشكيل حكومة وطنية واحدة تضم جميع الأحزاب والهيئات السياسية شمالاً وجنوباً , ورغم ان مسألة توحيد الكوريتين باتت أمرا بعيد المنال وفقا للمعطيات السياسية الحالية والمرتكنة على تراث الماضي, فان الصراع بين الكوريتين لا يزال كالنار موجودا تحت الرماد الهادئ الذي صنعته الاتفاقيات وبروتكولات التعاون بين الجانبين, وتزكي هذه النيران وتشعلها بين حين وآخر المصالح الغربية ايضا, وفي مقدمتها المصالح الامريكية في كوريا الجنوبية واصطدامها مع الأهداف والمصالح الروسية والصينية في كوريا الشمالية, بجانب ان سياسة امريكا في منطقة شرق اسيا وشبه الجزيرة الكورية تثير القلق الصيني, خاصة مسألة تواجدها في اليابان وتوقيعها للمبادئ الامنية معها, وكذلك اتفاقية الدفاع المشترك مع كوريا الجنوبية, وترى امريكا ان تواجدها في شرق اسيا وتمركزها في اليابان ــ يوجد في الجزر اليابانية قوات امريكية قوامها 47 الف جندي ــ انما هو امر هام لتحقيق الامن والاستقرار في الشرق الاقصى والوقوف في وجه الأطماع الصينية الرامية للسيطرة على الاقليم, والتي من الممكن ان تفجر الاوضاع في شبه الجزيرة الكورية في اية لحظة, فمن الممكن ان تضم الصين تايوان بالقوة, لذلك فالدعم الذي تلقاه اليابان وكوريا الجنوبية عسكريا ونوويا تعتبره امريكا امرا بديهيا لتحقيق مصالحها في المنطقة, والتصدي للصين وامريكا الشمالية. نظرة تاريخية وقبل التعرض لحقيقة الوضع الحالي للمشكلة الكورية, نجد العودة تاريخيا لأصل الصراع وتعرية بذرة الخلاف التي زرعها الاستعمار الغربي, فقد احتلت الحرب الكورية إبان فترة الحرب الباردة اهمية خاصة بين المعسكرين الشرقي والغربي, حيث ان كوريا كانت من المناطق التي هددت بنشوب حرب عالمية ثالثة, حينما كانت كوريا تحت الاحتلال الياباني منذ عام 1910م, وعلى الرغم انه اثناء مؤتمر القاهرة عام 1943, وعدت كل من الولايات المتحدة الامريكية والصين وبريطانيا بتحقيق استقلال كوريا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, الا ان تواجد القوات السوفييتية آنذاك في شمال كوريا, والقوات الامريكية في جنوبها بعد استسلام اليابان, الامر الذي كان يعتبر حالة مؤقتة لم يكن الهدف منه تقسيم كوريا شمالاً وجنوباً (او هكذا اعلنت القوتان المتصارعتان حينئذ) , فقد تم تشكيل لجنة مؤقتة بهدف اجراء انتخابات ديمقراطية في شطري كوريا لاعادتها دولة موحدة, غير ان خلاف قطبي القوى (امريكا ــ الاتحاد السوفييتي), ومحاولة كل منهما التأثير على الأحزاب او الأقطاب السياسية الموجودة في الشق الواقع تحت سيطرتها, قد أسفر في النهاية عن خلاف وعدم التوصل لاتفاق او توليفة سياسية تضم جميع الجبهات, كما ان كل الأحزاب الكورية اتفقت على رفض وضع كوريا تحت الوصاية الدولية, ومع تفاقم الخلاف اصرت امريكا على عرض المشكلة الكورية امام الامم المتحدة, فقرر الاتحاد السوفييتي الانسحاب من مناقشة مسألة توحيد الكوريتين, ورفض حتى استعمال حق الفيتو داخل مجلس الامن, وتدخلت الأمم المتحدة في القضية وشكلت لجنة دولية مهمتها مساعدة الأحزاب السياسية الكورية في تشكيل حكومة موحدة, غير ان الاتحاد السوفييتي رفض دخول او اتصال هذه اللجنة بالمعنيين في القسم الشمالي, واقتصر عمل اللجنة على القسم الجنوبي حيث نجحت في اتمام انتخابات في مايو 1948 وتشكيل حكومة الجنوب, بينما مارس الاتحاد السوفييتي اسلوبه في الشمال وساهم في تشكيل مجلس شعب كوري وضع دستوراً للبلاد, ثم تم اجراء انتخابات تلاها تشكيل حكومة كوريا الشعبية, وذلك بعد ثلاثة اشهر من تشكيل الحكومة في الجنوب, وبتشكيل الحكومتين شمالاً وجنوباً لم يعد هناك مبرراً لبقاء القوتين المستعمرتين, فانسحبت امريكا من الجنوب والاتحاد السوفييتي من الشمال, وخلفت كل منهما حكومة تتعارض مع الحكومة الاخرى في شطرها الثاني. وقد كانت بذرة التقسيم التي زرعها الاستعمار في كوريا بداية بلا نهاية لصراعات وخلافات بين الكوريتين بدأت بوضع خط حدودي عرض 38, والذي كان فتيل الاشتعال للحرب الكورية في يونيو عام 1950, عندما تجاوزت قوات من الشمال الخط الحدودي متجهة للجنوب, وخلال أيام وصلت للعاصمة (سيئول) في الجنوب وحاصرتها, ولم يكن التصرف العدواني من كوريا الشمالية بدون علم الاتحاد السوفييتي, بل بمساعدته, فردت امريكا في الجنوب على الاعتداء بدعوة مجلس الامن الذي شجب الاعتداء, وطلب من كوريا الشمالية بالعودة لنقطة الحدود الأولى, وعندما تغيب الاتحاد السوفييتي عن اجتماع مجلس الأمن, استغلت امريكا الفرصة وقررت من خلال مجلس الامن ارسال قوات عسكرية دولية للتصدي لهجوم الشمال بقيادة جنرال امريكي, كما كانت الغالبية العظمى من القوات هي امريكية, وانتصرت امريكا من خلال قوات الأمم المتحدة وأعادت قوات الشمال الى نقطة الحدود. تدخل الصين عندما تحركت القوات الامريكية تحت عباءة الأمم المتحدة لإيقاف هجوم الشمال على الجنوب, صدرت اوامر امريكية للجنرال (ماك آرثر) بالتوغل في الشمال, وعدم التوقف عند خط الحدود 38 وانتهازها فرصة لتوحيد الكوريتين تحت نظام موال لأمريكا والقضاء على النظام الشيوعي في الشمال, وقد رفضت كل من فرنسا والهند وبريطانيا التصرفات الامريكية خشية انتهاز الصين هذه الفرصة للتدخل لحماية النظام الشيوعي, الأمر الذي سيمثل خسارة كبيرة للصين بجانب تهديد ذلك لحدودها الجنوبية الغربية, مما يهدد بإندلاع حرب عالمية جديدة, وبالفعل تدخلت الصين في الحرب, وارسلت مئات الآلاف من المتطوعين لصد الهجوم الامريكي عن الشمال, وعندما طالبت الدول الأعضاء دائمة العضوية في مجلس الامن الصين بسحب قواتها من كوريا, وتقدم بمشروع قرار لمجلس الامن يتضمن ذلك عارض الاتحاد السوفييتي هذا المشروع, فقد كان موافقا على التدخل الصيني في كوريا, الامر الذي شجعها لتعزيز قواتها حيث انتصرت على القوات الامريكية التي تراجعت عن هجماتها, وتدخلت فرنسا وبريطانيا لوقف الحرب الدائرة خوفا من تزايد التدخل الصيني المدعوم من الاتحاد السوفييتي, وتم عزل القائد الامريكي وكان كبش الفداء للقرارات الامريكية بالتوغل في الشمال, وتوقفت الحرب في هدنة للتفاوض بين امريكا والاتحاد السوفييتي, واثباتا لحسن نوايا الاتحاد السوفييتي اعلن ممثله امكانية تعايش الشمال والجنوب في نظامين اشتراكي ورأسمالي, غير ان المفاوضات تعثرت بسبب رفض امريكا الاعتراف بخط العرض 38 كفاصل حدودي لاحتلالها مناطق استراتيجية من الجنوب, فعاد الصدام العسكري من جديد في اكتوبر عام 1952, ثم توقف الصدام لمفاوضات جديدة بدأت في 1953, وانتهت بإتفاقية هدنة تقضى بإقامة منطقة حدودية فاصلة بين الشمال والجنوب عرضها 4 كيلومترات شمال وجنوب خط عرض 38 منزوعة السلاح, وتوقفت حرب الكوريتين بعد استمرارها لمدة ثلاثة سنوات, استنزفت خلالها ملايين الدولارات, وراح ضحيتها ثمانية ملايين روح بشرية. توترات حديثة ومنذ عقد اتفاقية الهدنة وحتى الآن تشهد العلاقات الكورية شمالاً وجنوباً توترات وتصعيداً للأزمات, تحركها المصالح الامريكية تارة والصدام الأمريكي الصيني ومعه الروسي تارة اخرى, وعندما واجهت كوريا الجنوبية ازمتها المالية والتي اصابت منطقة جنوبي شرق اسيا, كانت الجهود الامريكية في مقدمة المساعي التي اتجهت لانقاذ كوريا من ازمتها, بجانب مساعدتها والتمهيد لها لدى اوروبا لفتح مزيد من مجالات الاستثمار والأسواق, مما جعلها تعود من جديد لتلقط انفاسها, فقوة كوريا الجنوبية اقتصاديا وعسكريا تمثل عنصر امن هام للوجود الامريكي في شبه الجزيرة الكورية وفي الاقليم الآسيوي, والسعي لحصار الصين عن طريق دعم الروابط العسكرية مع الهند ودفع كوريا الجنوبية للاتجاه لضم شقيقتها الشمالية ودفع العلاقات مع فيتنام, وفي المقابل سعت الصين لكسر الحصار الامريكي عليها في الاقليم عن طريق دعمها لكوريا الشمالية والوقوف ضد اتجاه الوحدة, وتحسين علاقاتها مع الهند وهانوي, وتحييد (سيئول) عاصمة كوريا الجنوبية في مسألة الوحدة. ولقد دفع تصارع القوى الامريكية والصينية الروسية في الكوريتين الى خلق فرص كبيرة لصراع التسلح النووي بين الشقيقتين, خاصة عندما اعلنت كوريا الشمالية انسحابها من معاهدة عدم الانتشار النووي, الامر الذي اثار الغضب الامريكي والخوف لدى كوريا الجنوبية واليابان, وفي سبتمبر من العام الماضي مارست كوريا الشمالية نوعا من استعراض القوى باطلاقها صاروخاً بالستيا عابرا للقارات صوب بحر اليابان, وهو الأمر الذي اثار السخط الامريكي الياباني وفجر مخاوف شقيقتها الجنوبية, بينما سعت امريكا الى تسليح كوريا الجنوبية بالألغام الارضية, وتمرير بعض الاستثناءات الخاصة بها اثناء التصديق على معاهدة حظر الألغام الارضية, تحت دعوى ان كوريا الجنوبية وعاصمتها سيئول منطقة مكشوفة لا يمكن حمايتها من اعتداءات كوريا الشمالية, وان الألغام الارضية هي وسيلة افضل لحماية الاراضي الكورية. وبين تصاعد التوتر وهبوطه بين الكوريتين بذلت بعض المحاولات وان لم تكلل بالنجاح في تقريب وجهات النظر بين الكوريتين, ففي ابريل من عام 1996 تقدم بيل كلينتون الرئيس الامريكي و(كيم) رئيس كوريا الجنوبية بعرض يتضمن اقامة حوار رباعي حول السلام, يضم امريكا والكوريتين والصين, غير ان هذا الحوار لم يتم نظرا لاصطدام غواصة من كوريا الشمالية بساحل كوريا الجنوبية في شهر مايو من ذات العام, مما ادى لتصاعد موجة جديدة من توتر العلاقات, غير ان بداية يناير عام 97 اعلنت حكومة (كيم يونج الثاني) عن مبادرة اثارت دهشة الجميع, حيث اعتذرت عن عملية الغواصة التي اصطدمت بساحل كوريا الجنوبية في سبتمبر 96, وجاء هذا الاعتذار ليثير التوجسات من جديد, رغم ان هروب (هاوانج يانج ــ يوب) البالغ من العمر 73 عاماً الى كوريا الجنوبية وهو يعد واحد من أهم 25 شخصا من كوادر القمة للحزب الشيوعي في كوريا الشمالية وسكرتير الحزب للعلاقات الخارجية, قد ادى لتحطيم الامل في اعادة وحدة كوريا الجنوبية والشمالية, وجاء هذا الحادث ليثير غضب كل من واشنطن وبكين, وكان يجب على الصين وامريكا الجلوس حول مائدة واحدة لإطفاء النيران المشتعلة التي فجرتها عملية هروب هاوانج, والذي كان يحظى بثقة حكومة كوريا الشمالية, فارسلته على رأس بعثة دبلوماسية من اربعة اعضاء الى اليابان, الا انه ترك الوفد وغير اتجاهه وطار الى بكين واتجه منفردا الى (سفارة كوريا الجنوبية) , وطلب اللجوء السياسي, ومنذ ذلك التاريخ والأمل في توحيد الكوريتين يبدو بعيد المنال, حيث تتنازع القوة الصينية مع القوة الامريكية للحيلولة دون اتمام هذا التوحد. كوريا الشمالية وحلف المستقبل تلتقى الأهداف الصينية الروسية وكوريا الشمالية في نقطة واحدة تتمثل في رفض الهيمنة الامريكية المطلقة, ولعل اعلان الرئيسين الصيني والروسي في موسكو في سبتمبر عام 97 كان واضحا بدعوتهما الى خلق عالم متعدد الأقطاب, وتكررت الدعوة في نوفمبر من العام الماضي, ولسوف يحتضن التقارب الصيني الروسي كوريا الشمالية نظرا لتاريخ روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي في كوريا الشمالية, ولأهمية كوريا بالنسبة للصين من ناحية الحدود والجوار, كما ان الصين تسعى بجدية لتحسين علاقات الجوار في الأقليم الآسيوي, وتتنافس في قوة التواجد مع امريكا, والهدف الصيني والامريكي ان كان واحدا في القارة الاسيوية وهو تأمين المصالح الاقتصادية والسياسية, فان الامر يزيد عليه لدى الصين وهو تحقيق الامن, واذا كانت روسيا تعاني الآن من سوء اوضاعها الاقتصادية بجانب انشغال الصين بالبحث عن اسواق عالمية لها, فان الانشغالات الاقتصادية لدى كل من البلدين قد ترجئ مؤقتاً حدوث تحالف سريع بينهما تكون كوريا الشمالية احد اطرافه, ولكن لا ينفي هذا قطعا امكانية حدوث هذا التحالف في المستقبل غير البعيد, خاصة وان الحاجة الدولية والعالم على مشارف القرن الواحد والعشرين تقتضى وجود قوى متعددة الاقطاب للحفاظ على التوازن العالمي, وعدم الميل بميزان القوى والعدالة الدولية وإلقائها في كفة امريكا الراجحة اكثر من ذلك, وتمتلك الصين وروسيا وكوريا الشمالية مقومات قوى عسكرية ونووية تؤهلهم لخلق قطب جديد على الساحة الدولية, فروسيا تمتلك حتى الان قوة نووية تقدر بعشرين الف رأس نووي, وهي القوى النووية الوحيدة في العالم التي يمكنها تدمير الولايات المتحدة الامريكية, وتتفوق الصين في قوتها العسكرية وجيشها الضخم وقوتها النووية ونظامها الذي لايزال اشتراكيا, وهي القوة والنظام الذي تنظر لهما امريكا بعين الاعتبار, كما ان الخبرة الروسية والتقنية الصينية والأسلحة النووية بكوريا الشمالية, كلها تشكل توليفة قوية يمكن معها تحقيق تحالف عسكري قوي يعيد توزيع القوى في العالم, وفي حالة اتمام هذا التحالف, سوف تجد الدول الثلاث تأييدا دوليا خاصة من الدول التي تعاني من قهر النفوذ وضغوط البلطجة الامريكية, ويساهم في هذا الدعم تغير وجه السياسة في روسيا وسقوط الشيوعية القديمة التي كانت تجعلها مرفوضة من كثير من الدول لأسباب قومية او عقائدية او دينية, وهذا يدعم فكرة التحالف. بقلم ــ سعيد السبكي: هولندا ـ البيان