وسط أعنف أزمة اقتصادية تواجهها كوريا الجنوبية للعام الثاني وتفاقم حدّة المجاعة التي تحصد المئات من البشر في كوريا الشمالية منذ اربعة اعوام متتالية عادت دوامة الأزمة السياسية والدبلوماسية والعسكرية تطل برأسها لتدق بعنف طبول الحرب في منطقة شرق آسيا, التي يعتبرها خبراء الغرب العسكريون والسياسيون من اكثر النقاط الساخنة خطورة, واكثرها تهديداً للسلام والأمن.. وذلك بالنظر الى العداء المستفحل بين شطري كوريا منذ اتفاقية الهدنة المبرمة عام 1953م.. والصراع المسلح بين الكوريتين يبدو اكثر احتمالاً وذلك عقب تفجر النزاع بين سيئول وبيونج يانج والذي سببه هذه المرة اختفاء دبلوماسي كوري شمالي من برلين.. فيبونج يانج اتهمت سيئول بأنها تقف وراء اختطاف احد دبلوماسييها, ووجهت انذاراً شديد اللهجة الى سيئول اكدت فيه أنها ستواجه كارثة محتملة اذا لم تعيد الدبلوماسي المختطف.. وتزامن هذا التهديد بأن قامت كوريا الشمالية بحشد جيش بقواته البحرية والجوية والبرية قوامه مليون ونصف المليون رجل واستدعاء الاحتياطي الذي تقدره التقارير الصحافية بخمسة ملايين مزودين بقنبلة نووية.. ليقف على أهبة الاستعداد في المنطقة الحدودية الفاصلة بين الشطرين (بانمجوم) التي تبعد 50 كيلومتراً عن سيئول و150 كيلو عن بيونج يانج.. كوريا الجنوبية قابلت التحدي بتحد مماثل ان لم يكن اشد عنفاً وجرأة منه فاعلنت حالة التأهب القصوى في جيشها ووضعته في حالة شبه حرب حيث يقف على الجانب الاخر نحو 560 ألف واحتياط قوامه 4,5 ملايين فرد مجهزين ومزودين باحدث الوسائل القتالية المتطورة بالاضافة الى مساندة من قبل 45 الف جندي امريكي.. وتبدو المنطقة من بعيد وكأنها على وشك اندلاع حرب كورية ثانية وحرب عالمية ثالثة.. لا سمح الله.. ونشوب (حرب الدبلوماسية) الاخير يأتي في الواقع في سلسلة التطورات التي تدق جرس الانذار في واشنطن وبكين وطوكيو حيث تنظر هذه العواصم الى انه في كل مرة تتأزم الاوضاع بين شطري كوريا لتجدها تسير من سيء الى اسوأ.. وذلك يتمثل في تبادل الاتهامات بالاستفزازات المتكررة على جوانب خط الهدنة في منطقة (بانمجوم) وفرار العديد من الدبلوماسيين والجنود من الشمال الى الجنوب وحادث (الغواصة النووية الشمالية) ومصرع افراد طاقمهما العام الماضي وقبل ذلك اعلان بيونج يانج عام 96 انها لن تحترم اتفاقيات الهدنة المبرمة بعد انتهاء الحرب الكورية 50 ـ 1953 ويعتبر التلويح المتكرر باستئناف الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية للمناورات المشتركة المسمى (روح الفريق) بأنها بمثابة بروفة لغزو (الشمال) وان حشدها للقوات يأتي كما يقول غير مسؤول في بيونج يانج (لحماية نظامها الاشتراكي وارض الاباء والاجداد) .. وهذا الموقف اتخذته سيئول على محمل الجد فذهبت هي الاخرى الى تعزيز امنها والتمسك ببقاء القوات الامريكية في اراضيها لمواجهة اي عدوان نووي محتمل.. ويرى الكوريون في سيئول ان النظام الشيوعي العقائدي في الشمال يشكل خطرا كبيرا يهدد النمو الاقتصادي والتحديث والتطوير الذي تحقق في سنوات قصيرة جعل كوريا الجنوبية احد (النمور الاسيوية) .. وذلك بالنظر الى التفوق العسكري الشمالي وما يقال في هذا الشأن عن امتلاك بيونج يانج للمفاعلات النووية التي تسمح لها بتصنيع هذه الاسلحة وتصديرها الى العالم.. بل والتهديد باستخدامها لنسف سيئول ومحوها من الوجود خلال اقل من عشر دقائق.. ويضاعف من خطورة الموقف الراهن اتساع حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة في كوريا الشمالية التي اودت بحياة الآلاف منذ عام 1995 بسبب النقص الحاد في المواد الغذائية وهو الوضع الذي وصفته وكالات الاغاثة الدولية بأنه يصل الى المجاعة القاتلة في معظم مناطق البلاد عقب موجات الفيضانات المدمرة.. في حين يرجع بعض المحللين هذه الأزمة الى عوامل اخرى نشأت على التحولات العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة وغياب القيادة التاريخية المتمثلة بوفاة كيم ايل سونج, وعدم حسم الصراع على السلطة بين الحرس القديم من الجنرالات الذين يعتبرون ان لهم الحق في القيادة ولا يرغبون في زعامة كيم جون ديل الذي جاء من خارج المؤسسة العسكرية (!) وما يجعل من استمرار الفجوة بين الشمال والجنوب وانعدام الثقة وانهيار المباحثات الثنائية التي كانت بدأت عام 1991 قرار بيونج يانج في عام 93 الانسحاب من معاهدة انتشار الاسلحة النووية وتحول هذا الموضوع الى محور المباحثات الرباعية في جنيف بمشاركة الكوريتين والولايات المتحدة والصين.. وهذه المفاوضات التي فشلت في أحدث جولتها الاسبوع المنصرم هدفها وضع أسس سلام في شبه الجزيرة الكورية من ناحية والى اعادة تأهيل مفاعلين الماء الخفيف.. فبيونج يانج ترفض الكشف عن منشآت تحت الارض في بيونج يانج يقال انها عادت لتستأنف برنامجها النووي فيها.. وفي هذا السياق تحاول واشنطن كما هو معلن منذ العام الماضي الحصول على اذن للدخول الى موقع كومشا نجري بالقرب من المحطات النووية في بيونج يانج والذي يشتبه في أنه يستخدم لتصنيع مادة البلوتنيوم على الرغم من التوقيع على اتفاقية ثنائية العام 1994 تنص على تخلي كوريا الشمالية عن مشاريع نووية مستقبلية مقابل دفع قرابة 300 مليون دولار.. وفشل المفاوضات الرباعية ــ كما يقول الامريكيون ــ تعود الى تشدد بيونج يانج ووضعها شروطا لا تقبلها الاطراف الاخرى مثل انسحاب القوات الامريكية اولا, والتعهد الكتابي برفع الحصار الاقتصادي عن الشمال ثانيا وتحويل اتفاق الهدنة (السلام) بينها وبين الولايات المتحدة فقط دون ان تشترك فيه كوريا الجنوبية ثالثا وهذا ما ترفضه واشنطن لان وجهة نظرها تقوم على انه ما دام سيكون هناك (السلام الدائم) . في شبه الجزيرة الكورية فانه من الطبيعي ان يكون اتفاق السلام الجديد بين الاطراف المعنية بهذا السلام وهما (الكوريتين) ! وما يلفت نظر المراقب والمحلل للشؤون الكورية ان هناك تحولا قد طرأ على الموقف الامريكي ازاء بيونج يانج منذ توقيع الاتفاقية التاريخية في جنيف عام 94 والتي تم بموجبها الغاء مناورات روح الفريق التي كانت تجري نهاية كل عام على الحدود الكورية ويشارك فيها قرابة 80 الف جندي.. ويرجع هذا التحول المفاجئ الى عدة عوامل منها ان امريكا تسعى الى الضغط على كوريا الشمالية من اجل: * منع كوريا الشمالية من تصدير الاسلحة والصواريخ المتطورة الى منطقة الشرق الاوسط وتحديداً الى الدول العربية. * اجبار كوريا الشمالية على قبول الوحدة مع الجنوب تحت مظلة وسياسة سيئول وعلى غرار الوحدة الالمانية. * دعم التطور المعيشي في كوريا الجنوبية واظهار الاغراءات لجذب الصفوة من حكام الشمال بقبول التعايش مع الجنوب المتطور.. * الرهان على تدني المستوى المعيشي كخطوة لانهيار نظام الشمال من الداخل.. * مواجهة القلق الامريكي من تزايد دور اليابان في المنطقة ومحاولات طوكيو رسم سياسة استقلال عن واشنطن. * وقف النمو الاقتصادي الملحوظ للصين التي لها ثقل كبير في هذه المنطقة وعلاقاتها المتنامية مع بيونج يانج. * ابعاد النفوذ الروسي الذي كان ولم يزل لروسيا. وخصوصية العلاقات بين موسكو وبيونج يانج.. وتقريب وجهة النظر بين موسكو وسيئول في اطار الزيارة التي سيقوم بها رئيس كوريا الجنوبية لروسيا في ابريل المقبل وعلى الرغم من المواقف الاقليمية ازاء المباحثات الرباعية فان هناك شبه اجماع على ضرورة مساعدة كوريا الشمالية للخروج من عزلتها ودعمها في مرحلة التحول وذلك تحاشيا لحدوث اضطرابات واسعة ستؤثر ان هي حدثت على الأمن والسلام في منطقة شرق اسيا وليس على امن دول الجوار كاليابان والصين فقط.. ويرجع هذا التحليل الى انه رغم التدهور الاقتصادي في (الشمال) فان السلطة هناك ماسكة على الحكم بقبضة حديدية فضلا عن تعبئة اربعة عقود بأيديولوجية واحدة ليس من السهل ازالتها من الأذهان رغم ما يحدث من ازمات وكوارث.. بمعنى اخر ان كوريا الجنوبية ستفشل في السيطرة على الموقف وامتصاص الشمال كما فعلت المانيا الغربية لان اساطيل النظام في بيونج يانج سيبدون مقاومة عنيفة وقد يذهبون في الانهيار او الاجبار بدخول الوحدة تحت (بيرق) سيئول الى تشكيل حكومة في المنفى في شمال الصين ومن هناك سيعملون على القيام بشن حرب عصابات داخل كوريا الشمالية.. لذا فان توقع حرب اهلية داخلية وارد لا محالة.. واذا كان هذا السيناريو هو الاسوأ هل يفكر الحكام في الجنوب السعي الى الوحدة في الوقت الراهن؟! وهل هذا التوجه سيكون عامل ضعف يهز المعجزة الاقتصادية؟ قال احد المسؤولين لكاتب هذه السطور عند زيارته لسيئول في يوليو 1996: بالطبع الوحدة هي حلم الأمة الكورية بيد ان اعادة تحقيقها سيكلف الجنوب فاتورة ضخمة وسيعيد الوضع 15 سنة الى الخلف ان لم يجمده عشر سنوات بسبب التركة الثقيلة في الشمال حيث يحتاج كل شيء هناك الى اعادة بناء وتأهيل وتحديث ورفع مستوى الحياة المعيشية للمواطن.. وقال هذا المسؤول ان لدى سيئول خطة مؤلفة من ثلاث مراحل, الأولى: مرحلة المصالحة وتعاون اقتصادي ونزع اسلحة الشمال.. والثانية: اقامة كومنولث يكون مزيجاً من التعايش السياسي والتكامل الاقتصادي.. والثالثة: مرحلة امتزاج وتكامل شامل بين الدولتين لكن هذه النظرة تختلف في الشمال فهم ينظرون الى ان الامور يتم تحديدها بواسطة ممثلين من الدولتين طبقا لما تنص عليه المبادئ.. مع الاحتفاظ بالقوات المسلحة والنظام الاشتراكي في الشمال وهذا التباين يجعل من الوحدة في ظل هذه الظروف شبه مستحيلة.. بيد انه من خلال زيارتي لشطري كوريا بين 90 ــ 96 لمست ان الشعب الكوري يتطلع بشغف الى اعادة وحدته وانهاء حالة الاحباط واليأس منذ قيام الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بتقسيم (الكعكة) بينهما في نهاية الحرب الكونية الثانية بعد خروج اليابان في 15 اغسطس 1945 ــ جاءت على حساب وحدة الامة.. ووحدة 70 مليون كوري.. حيث اودت تلك الحرب بحياة الملايين وتشريد الالاف من الافراد وانفصال البعض عن عائلاتهم.. كما تركت الحرب جرحا غائرا ادى الى فقدان الثقة وترسيخ العداوة بين ابناء الوطن الواحد.. فكوريا الشمالية يصل تعدادها السكاني نحو 23 مليوناً يعيشون فوق 120 الف كيلومتر مربع ويمتلكون معظم الثروات الطبيعية في شبه الجزيرة الكورية في حين لا يتعدى متوسط دخل الفرد في السنة 1054 دولاراً في الوقت الذي يصل تعداد سكان كوريا الجنوبية 45 مليون نسمة يشغلون مساحة 99 الف كيلومتر مربع فقط ويملكون ثروات طبيعية محدودة ومع ذلك وصل متوسط الدخل القومي الى 374 مليار دولار بواقع 8500 دولار للفرد سنوياً.. ومن خلال تحليل هذه الارقام نجد ان الوحدة لو تحققت ستكون بلا شك الاساس القوي لانعاش المنطقة ككل لان الموارد الطبيعية سوف تجتمع مع اليد العاملة المدربة والتكنولوجيا المتطورة.. بل ان الوحدة بكل تأكيد هي مفتاح السلام في منطقة شرق اسيا كما انها حلم 70 مليون كوري يشكلون اليوم سكان شبه الجزيرة الكورية.. ولكن السؤال يبقى متى سيكون الحلم واقعاً..؟ ويتفرع من ذلك كذا سؤال: ما هو دور موسكو وواشنطن في اعادة تحقيق الوحدة وطي صفحة 45 عاماً من التوتر الدائم شمالاً وجنوباً؟ وهل الأزمة الراهنة ستفضي الى التعجيل بتواتر العلاقات الثنائية واعادة الحد الادنى من الثقة المتبادلة.. ام ستؤدي الى تعميق الخلاف واهتزاز الحلم الشعبي والحماس السياسي لوحدة البلاد؟ صحفي يمني*