تعد شبه الجزيرة الكورية من المناطق الساخنة والمهددة بالاشتعال دائما خاصة بعد النمو المطرد للقوة النووية لكوريا الشمالية والذي زادت حدته بعد وفاة الزعيم الكوري (كيم ايل سونج) عام 1994 على عكس ما كان يتوقع البعض من تقهقر للشيوعية وسعي نحو الديمقراطية, الا ان (بيونج يانج) اختارت لنفسها طريقا اخر اكثر حدة وتطرفا وذهبت تنمي قوتها العسكرية والنووية حتى اصبحت جارتها كوريا الجنوبية المؤيدة والمحمية من الولايات المتحدة الامريكية تهديدات جادة وقوية من الحشود العسكرية الضخمة الشمالية على حدود المنطقة المنزوعة السلاح بين البلدين ويمتد تهديد كوريا الشمالية ليشمل حليفا اخر لواشنطن وهو اليابان خاصة مع التطوير المستمر لصواريخ كوريا الشمالية من طراز (سكود) الباليستية الاستراتيجية وقدرتها على الوصول في اسرع وقت لاي موقع في كوريا الجنوبية واليابان معا, وهي الصواريخ التي يرى معها اليابانيون انها تؤثر بفاعلية على مصداقية استراتيجية الردع الامريكية اليابانية المشتركة. قوة نووية رغم الازمات وفي الوقت الذي تواجه فيه كوريا الشمالية ازمات اقتصادية طاحنة في ظل عزلتها الاقتصادية المفروضة عليها خاصة بعد انهيار المعسكر الشيوعي والاتحاد السوفييتي نجدها مستمرة في تنمية قوتها النووية بشتى الطرق المشروعة منها وغير المشروعة, والتي تعتمد في الاساس على التكنولوجيا النووية السوفييتية سابقا والروسية حاليا. ويزيد من التوتر في شبه الجزيرة الكورية وجود القوات العسكرية الامريكية بمقدار 35 ألف فرد في كوريا الجنوبية واستمرار المناورات العسكرية والتدريبية لهم مع الجيش الكورى, وايضا الاتفاق الكورى الامريكي على برنامج تحديث قوات كوريا الجنوبية وتطوير صواريخ (باتريوت) الامريكية هناك لمواجهة صواريخ (سكود) الكورية الشمالية, وايضا تطوير المركبات الحربية الامريكية (برادلى) والطائرات العمودية (اباشى) لمواجهة المدرعات الشمالية القوية المزودة بأحدث التكنولوجيا الروسية. معوقات امام امريكا ورغم الدعم الامريكي العسكري والتكنولوجي لكوريا الجنوبية تظل كوريا الشمالية متفوقة بجيوشها واسلحتها وذلك باعتراف واشنطن نفسها التي لاتستطيع حكوماتها اقناع الكونحرس الامريكي والناخب الامريكي بجدوى زيادة الوجود العسكري الامريكي في شبه الجزيرة الكورية خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة, هذا الى جانب المسافات الطويلة بين امريكا وكوريا مما يصعب معها وصول القوات الامريكية السريعة الانتشار الى هناك بسرعة في حالة نشوب نزاعات مسلحة, ومن هنا تزداد حدة تهديدات القوة النووية لكوريا الشمالية لجارتها الجنوبية ولليابان في وقت واحد, هذا في الوقت ايضا الذي تعوق فيه الصين حرية حركة الاساطيل الامريكية الحربية في المنطقة وتجبرها على مسارات معينة بعيدة عن السواحل,. ويزيد من حدة الازمة عدم التزام الحكومة الشيوعية في كوريا الشمالية بأى اتفاق دولي للحد من انتشار الاسلحة النووية. تأييد للوحدة وفي ظل هذا المناخ المتوتر تطرح فكرة توحيد الكوريتين والتي يقبلها الطرفان في صيغة (دولة واحدة ونظامان مختلفان) وعلى الرغم من وجود اتجاهات معارضة خاصة في كوريا الجنوبية ضد فكرة الوحدة وتفضل عليها اعمال اتفاق 1991 الموقع بين البلدين حول المصالحة وعدم الاعتداء والتعاون المشترك الا ان تيار الوحدة هو السائد والمؤيد من الحكومتين واجهزة الدولتين وايضا من القوى الدولية خاصة الاربعة الكبار الاكثر اهتماما بالمسألة وهم الولايات المتحدة الامريكية واليابان والصين وروسيا. وهنا يطرح السؤال نفسه, ما الذي يعوق الوحدة بين الكوريتين اذا كانت تؤيدها كل هذه القوى وتوافق عليها الدولتان؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست صعبة, بل تقليدية للغاية وهي الخلاف على شكل الوحدة ولمن تكون السيادة فيها؟ وللاجابة عن هذا يستلزم الامر توضيح موقف القوى الاربع المذكورة من الازمة وعلاقاتها بالكوريتين. واشنطن تؤيد وتعوق وتبدو الولايات المتحدة الامريكية (كعادتها) وكأنها الساعي والراعي الاول لفكرة الوحدة بين الكوريتين الا ان اساليبها في السعي تعكس غير ذلك تماما, فهي مازالت مستمرة في حملاتها الشرسة والهجومية على حكومة (بيونج يانج) , ومازال نشاط المخابرات الامريكية ينمو ويزيد من هذا الاتجاه واخر عملياتها تهريب السفير الكوري الشمالي وشقيقه من القاهرة الى واشنطن, وعلى الرغم من ظهور اتجاه في واشنطن وداخل ادارة كلينتون يؤيد تصفية الاجواء والسعي للوحدة بين الكوريتين الا ان المؤسسة العسكرية الامريكية تنحي هذا الاتجاه جانبا ولا تعطيه الاهتمام, وتثير الدعاية المضادة بنمو التهديدات النووية الكورية الشمالية بهدف بقاء القوات الامريكية والحفاظ على قواعدها في المنطقة, وتدفع واشنطن اليابان في هذا الاتجاه للانفاق على الوجود العسكري الامريكي في كوريا الجنوبية بحجة ان هذا يحمى اليابان من التهديدات المباشرة القادمة من كوريا الشمالية وصواريخها النووية بعيدة المدى, وتتخذ واشنطن من التهديد النووي الكوري ذريعة ضد من ينادون بتقليص الوجود الامريكي في (آسيا الباسيفيك) خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. الاتفاق الاطاري بين واشنطن وبيونج يانج في نفس الوقت تخشى واشنطن من زيادة الضغوط الاقتصادية على كوريا الشمالية خشية ان يدفعها هذا الى مزيد من الفقر والمشاكل التي قد تدفع جيرانها من حلفاء واشنطن الى التدخل لمساعدتها خشية تهديداتها النووية وعدم ثقتهم في استراتيجية الردع الامريكي ومن هنا سعت واشنطن بمبادرة منها الى احتواء النظام الشيوعي في (بيونج يانج) ووقعت معه ما يسمى بـ (الاتفاق الاطاري) والذي يهدف في الاساس الى الحدمن نمو القوة النووية الكورية, وبموجب هذا الاتفاق وعدت واشنطن كوريا الشمالية ان تمدها بتكنولوجيا حديثة وتساعدها في بناء مفاعلين نوويين لانتاج الماء الخفيف على ان يتم بناء الاول عام 2003, وذلك مقابل تخلى بيونج يانج عن مفاعل الابحاث النووية المركزي عندها وتخليها عن برامجها لتفعيل مخزونها من البلوتونيوم وتزويد مفاعلاتها الحالية بالوقود, ورغم توقيع الطرفين على (الاتفاق الاطاري) الا ان واشنطن لا تثق في التزام (بيونج يانج) بالاتفاق خاصة وان الحكومة الشيوعية هناك بدأت في استخدام هذا الاتفاق كوسيلة لابتزاز الاموال من واشنطن بحجة الانفاق على التنفيذ. وفي الوقت الذي اعلنت فيه واشنطن تأييدها التام للوحدة بين الكوريتين ذهبت تؤكد على انها ملتزمة دائما بحماية امن كوريا الجنوبية حتى في ظل الوحدة بين البلدين باعتبار انها المسؤولة عن امن الحكومات والانظمة الديمقراطية في العالم, وان بينها وبين كوريا الجنوبية مصالح خاصة وتبادلا تجاريا قوىا يبلغ حجمه السنوي ثلاثين مليار دولار, كما صرح الرئيس كلينتون اثناء جولته في العام الماضي في شرق اسيا بان واشنطن لن تقبل توحيد الكوريتين الا في ظل نظام ديمقراطي حر يضمن الامن والاستقرار في المنطقة. اليابان بين التأييد والخوف من ناحية اخرى تسعى اليابان وروسيا والصين الى تحقيق الوحدة بين الكوريتين, وان كان داخل كلا منهما امل لا يعلن عنه في ان تأتي الوحدة بنظام حكم موال ومؤيد لسياساته واستراتيجياته. واليابان نجدها دائما تعانى من الاضطرابات وعدم الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية وتعتبر نفسها من اول المهددين بالنمو النووي في كوريا الشمالية, كما تعاني اليابان اشد المعاناة داخليا من المهاجرين اليها من كوريا الشمالية هروبا, والذين يكونون داخلها عصابات اجرامية وتخريبية بعضها يعمل لحساب المخابرات الكورية في بيونج يانج. وازاء ضغط واشنطن على اليابان لتحمل نفقات القوات الامريكية هناك وللانفاق على التسليح حماية من التهديد النووي الكوري, خاصة وان كوريا الشمالية اجرت تجربة اطلاق صاروخ بعيد المدى مر خلال الاجواء اليابانية, الا انه رغم هذا نجد ان هناك اتجاها في طوكيو يرى ان وجود القواعد الامريكية في اليابان هو الذي يشكل تهديدا على كوريا الشمالية وهو مصدر وسبب التهديدات الكورية لليابان, وقد سبق ان صرح رئيس الوزراء الياباني الاسبق (توميش موراياما) المعروف باتجاهاته الاشتراكية بأن الوسيلة لانهاء التهديدات النووية الكورية لليابان هى ازالة القواعد الامريكية من اليابان. ورغم تأييد اليابان التام للوحدة بين الكوريتين الا انها لاتخفى قلقها وخوفها من ان تصبح السيادة العسكرية في الدولة الموحدة لكوريا الشمالية, خاصة وان هناك عداء تاريخيا بين اليابان وكوريا بسبب سنوات الاحتلال الياباني لكوريا والذي استخدم فيه اليابانيون اساليب قمع وتعذيب بشعة وغير انسانية مع الكوريين جعلتهم يكنون للقومية اليابانية كرها وحقدا دفينا دائما ومستمرا حتى الآن, ومازالت اليابان تنازع كوريا الشمالية على جزيرة (تاكيشيما) التي استولت عليها كوريا عام 1952, والتي تعد ذريعة للنزاع المتوقع بينهما دائما. تأييد موسكو وبيكن من ناحية اخرى فإن بكين وموسكو من اشد المتحمسين للوحدة الكورية ولديهما امل كبير في ان السيادة فيها سوف تكون لحكومة بيونج يانج الشيوعية الموالية لهما والمعتمدة عليهما بشكل كبير في تنمية قدراتها العسكرية والنووية, وحتى لولم يحدث هذا فإن الوحدة الكورية سوف تحقق الاستقرار والهدوء في منطقة الباسيفيك وهذا في حد ذاته هدف استراتيجي للصين وروسيا لانه في النهاية ربما يساعد على خروج القوات الامريكية من هذه المنطقة بعد ان تفقد مبررات وجودها. وفي شبه الجزيرة الكورية نجد حكومتي الكوريتين متحمستان للوحدة رغم كل الخلافات بينهما, ويفسر المحللون هذا الحماس بأن البلدين يعانيان من ازمات اقتصادية تنمو باستمرار وتهدد النظام الشيوعي في الشمال والرأسمالي في الجنوب, وتريان ان التوحد بينهما قد يساعدهما على مواجهة هذه الازمات ويخلق منهما قوة اقتصادية كبيرة تنافس اليابان والصين في المنطقة. ارادة الشعوب وارادة واشنطن وتلقى فكرة الوحدة تأييدا كبيرا من شعبي البلدين, وقد انعقدت جولة من المباحثات الرباعية في صيف 1997 ضمت مع البلدين الصين والولايات المتحدة الامريكية, وبحثت الجولة ترتيبات انسحاب القوات الامريكية من الجنوب مقابل تخفيض التسلح النووي الكوري في الشمال مع تعهد واشنطن بعدم التدخل في الشؤون الداخلية او السعي لاسقاط نظام الحكم الشيوعي في الشمال, ورغم صدق (بيونج يانج وسيئول) في مساعيهما الا ان واشنطن اعاقت سير المباحثات فيما بعد لانها حسب رأي المراقبين ــ رأت انها تسير لصالح بيونج يانج بشكل كبير على الرغم من عدم وجود اعتراضات من جانب سيئول, ولكن تبقى الاولوية للمصالح الامريكية حتى لو اتفق الطرفان.