عرفت كوريا في الادبيات التاريخية بــ (مملكة الزهد) , ذلك انها عكفت على اعتزال العالم, (ماعدا الصين) , التي كانت هي الأخرى في حالة عزلة وانقطاع عن معظم انحاء العالم. واذا كانت الصين قد غدت تنفتح باطراد على بقية انحاء العالم, وكذا الشطر الجنوبي من كوريا , فان كوريا الشمالية حافظت على صفة الزهد والعناد البالغ, الذي نأى بها عن الاستجابة لمطالب النظام العالمي. كان المعضل الكوري احد اهم الاختبارات لعهد النظام العالمي السابق, الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية, فقد كادت الحرب الكورية 1951 ـ 1953 ان تزج العالم مجددا في حرب عالمية (ثالثة) , بعد سبع سنوات فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية, وذلك عندما اندفع كيم ايل سونج, وماوتس تونج, بتشجيع وتوريط من ستالين لغزو سيؤول, وهو الحادث الذي لم يشبهه في جسامته وخطورته الا غزو صدام حسين للكويت, الذي كان اهم اختبار مرّ به النظام الدولي الجديد, الذي انبثق عن سقوط الاتحاد السوفييتي السابق. وربما تزداد سمات الشبه وضوحا, اذا ما انساقت كوريا الشمالية بقيادة كيم جونج ايل لغزو كوريا الجنوبية معتمدة على جيشها الضارب, اما السبب فربما يكون هو نفس السبب الذي ساق صدام لغزو الكويت وهو التدهور الاقتصادي. فمع المجاعة التي تأثر بها معظم تعداد السكان لكوريا الشمالية وتأثر بها الجيش نفسه, وما صحب ذلك من تدهور لاوجه الاقتصاد المختلفة وتوقف المعونات من الاتحاد السوفييتي السابق والصين, ربما استمرأت كوريا الشمالية خط التهديد والابتزاز لكوريا الجنوبية الى حد الاندفاع في اجتياح المنطقة منزوعة السلاح باتجاه العاصمة سيؤول, وذلك في تكرار مثير لمشهد الاجتياح التاريخي في 1951, الذي صدته القوات الامريكية والتركية وقوات الامم المتحدة. الخطة الامريكية لاجتياح كوريا الشمالية ولاول مرة منذ 1953 ــ تاريخ نهاية الحرب الكورية ــ تترجح احتمالات تكرار كوريا الشمالية لحماقتها التاريخية. ومنذ اوائل ديسمبر الماضي اصبحت القوات الكورية الجنوبية والقوات الامريكية بكوريا الجنوبية في حالة تأهب كامل لصد ذلك الغزو المحتمل ولايقاف ذلك الزحف تم تنشيط حقل الالغام, وتكديس مزيد من الدبابات, ومواقع المدفعية, والراجمات وفصائل المشاة على حافة المنطقة المنزوعة السلاح. وسربت مصادر البنتاجون خططا اخرى ربما كان القصد منها بث الرعب في قيادة كوريا الشمالية, اذ تقضي تلك الخطط بعدم الاكتفاء بالتصدي لجحافل كوريا الشمالية ودحرها, وانما توجيه قوات امريكية لاقتحام كوريا الشمالية, والوصول الى قلب عاصمتها (بيونج يانج) , للقضاء على الحرس الرئاسي ــ المقابل للحرس الجمهوري العراقي ــ وتتبع وحدات الجيش والمخابرات والحزب ومؤسسات الدولة, واستئصال نظام كيم جونج ايل بالكلية, بل وانهاء الدولة المسماة كوريا الشمالية, وضم رقعتها الجغرافية وتعدادها البشري لنظام كوريا الجنوبية, وانجاز الوحدة الكورية بهذا الحسم الناجز. وبهذا الشكل يكون الجيش الامريكي قد تجنب خطأ الابقاء على نظام صدام حسين, الذي اضحى يسبب له القلاقل منذ ثماني سنوات. تلك الخطط التي عكف جنرالات البنتاجون لعدة اشهر من اجل صياغتها, واصبحت في يد قيادة الاركان الامريكية من اجل النظر فيها واجازتها, تتحدث بالتفصيل عما تسميه بــ (الهزيمة التفصيلية) لقوات كوريا الشمالية ونزع سلاح تلك القوات بالكامل, وعدم الابقاء ولو على بندقية واحدة, في يد جندي, او شرطي, ونسف او مصادرة كل ذخائر الجيش وتحطيم كل الجسور, ووسائل الاتصال وهي خطط تذكر بديماغوجية ومبالغات بعض جيوش العالم الثالث. ولان الجيش الامريكي لن يتمكن من تنفيذ تلك الخطط بكل تفاصيلها المدهشة, فقد اوكل تنفيذ الجوانب الخطرة منها, وهي جوانب الاقتحام الارضي, والحرب البرية, لقوات كوريا الجنوبية, التي يصل تعدادها الى 670 الف جندي, بينما تتكفل القوات الامريكية في كوريا الجنوبية (35 الف جندي) وفي اليابان (41 الف جندي) بإكمال السيطرة والهيمنة على كوريا الشمالية واخضاعها وتتبيعها لكوريا الجنوبية.. تهديد عسكري ام دبلوماسي؟! ربما كانت تلك الخطة على طابعها التهويلي معدة فعلا للتنفيذ, وربما كانت اداء مشتركا بين البنتاجون ووزارة الخارجية الامريكية, من اجل تفزيع قيادة كوريا الشمالية والزامها بالعودة لطاولة المفاوضات لتجديد التزامها وتعهدها باتفاقية 1994, التي تعهدت بموجبها بتجميد مشروعها النووي, مقابل امدادها بــ 500 الف طن من الوقود غير القابل للاستخدام في الاسلحة النووية سنويا, بالاضافة الى مفاعلين ينتجان مواداً مشعة لا يمكن استخدامها ايضا في الرؤوس النووية وهي التعهدات الامريكية التي ترى كوريا الشمالية ان الجانب الامريكي لم يلتزم بها ايضا. ازاء ذلك اضطرت كوريا الشمالية الى استئناف برنامجها النووي الذي ابتدأته قبل ثلاثين عاما. ومع ان البعض مثل د. بيتر بروكز, مستشار لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس يرى ان عودة كوريا لتنشيط برنامجها النووي يستهدف مجرد تقوية موقفها التفاوضي مع كوريا الجنوبية وامريكا, للمطالبة بمزيد من التعويضات, الا ان البعض يرى ان كوريا الشمالية ستمضي قدما مهما يكن حجم الترضيات باتجاه اكمال برنامجها النووي. واذا كان الموقف الطريف لكوريا الشمالية بمطالبتها بدفع 300 مليون دولار لها (كرسوم دخول) لتفتيش الموقعين النوويين المشتبهين, يعضد رأي د. بيتر, الا ان اطلاق كوريا الشمالية لصاروخها التجريبي فوق اليابان في اغسطس الماضي, قد عضد آراء المتشددين, وفي طليعتهم رجال الجيش والكتلة الجمهورية بالكونجرس. وقد بعث مجلس العلاقات الخارجية الامريكية, وهو مركز دراسات سياسية واستراتيجية, يبدو مستقلا من الظاهر, وذلك مع انه يضم ممثلي اضخم جماعات الضغط في امريكا, وقد كان كلينتون نفسه عضوا فيه قبل وصوله الى سدة الرئاسة, بعث برسالة الى كلينتون يطالبه فيها بإعادة النظر في سياسة امريكا تجاه كوريا الشمالية, وإعادة النظر في اتفاقية 1994, وتذكر الرسالة في خصوص تلك الاتفاقية ما نصه: (اذا لم تتمكن الادارة الامريكية من دخول الموقع المشتبه, فان اتفاقية 1994 يجب اعتبارها ميتة) . ومن جهته شدد الكونجرس ضغطا اخر على ادارة كلينتون حيث رفض التصديق بمبلغ زهيد لا يتجاوز 35 مليون دولار لاغاثة كوريا الشمالية, الامر الذي اضطر كلينتون الى اتخاذ سياسات استثنائية لتدبير مبلغ 15 مليون دولار لذلك الغرض, ومارست اليابان ضغطا اخر برفضها الاسهام في المشروع الاغاثي أو الوفاء بما تعهدت به سلفا بدفع مبلغ مليار دولار لشراء المفاعل النووي السلمي لكوريا الشمالية, كتعويض, وذلك بعد حادث صاروخ اغسطس. وهكذا اصبحت سياسة كلينتون باتجاه تطويق الخطر الكوري الشمالي سلمية مواجهة بضغوط دعاة الحرب في امريكا, حيث اصبح قطاع كبير في الجيش والكونجرس يفضل اسلوب الحرب على الاساليب الدبلوماسية, وربما اغراهم بذلك سهولة التصدي للعراق وقهر جيوشها بأساليب الحرب المتقدمة. ورغم ان الاتجاه العسكري ربما يصب في النهاية لصالح كوريا الجنوبية, الا ان من المثير انها لا توافق على ذلك, وتفضل اسلوب اجتذاب كوريا الشمالية تدريجيا ودبلوماسيا الى الاندماج معها, وفي ظل كل هذا التوتر الامريكي مع كوريا الشمالية, فان كوريا الجنوبية ترسل افواجا من مواطنيها, ولاول مرة منذ قرابة نصف قرن, للسياحة بأصقاع كوريا الشمالية! التطرف المتبادل احد المتشددين, وهو البروفسور ادوارد اوكسون استاذ الامن القومي بكلية البحرية للدراسات العليا بكاليفورنيا كتب مقالا مثيرا بصحيفة (كرستيان ساينس مونيتور) ينتقد فيه ازدواجية معايير الادارة الامريكية, في تعاملها مع العراق وكوريا الشمالية, قائلا: ان خطر هذين القطرين متشابه من حيث حيازتهما وتصنيعهما لاسلحة الدمار الشامل, ومن حيث قهرهما لمواطنيهما, والنظام الكوري الشمالي افظع. اذ انه يعرض شعبه للافناء جوعا, ويقول ان اساليب الترضية اذا فشلت مع العراق فهي اشد فشلا حال تطبيقها على كوريا الشمالية, وازاء اعتراض كوريا الجنوبية على الحل العسكري يوحي الاستاذ بامكانية الاتيان بنخبة حاكمة جديدة في سيؤول, توافق على الحل العسكري, مع العمل على تكوين قوات تحالف لضرب كوريا الشمالية تتكون نواتها من امريكا واليابان. واذا كانت اصوات التشدد تكاد تكتسح امريكا, فان كوريا الشمالية تزيد اللهيب اشتعالا بتصريحاتها المتوترة, التي تشبه تصريحات صدام قبيل حرب الخليج, وتهديده بحرق نصف اسرائيل بالكيماوي وقد خطا حكام كوريا الشمالية خطوة اخطر, بتهديدهم بتحويل كل امريكا الى رماد في غضون ساعات, وانهاء الوجود الامريكي بكوريا الجنوبية واليابان. العامل الصيني وهكذا تبدو الامور في ظاهرها وكأنها في طريقها الى الانفراط, وبدت جهود كلينتون, وكيم دي جونج رئيس كوريا الجنوبية, وكأنها قد وصلت الى افق مسدود, ولكن العامل الصيني مرجو لترجيح جهود الحل السلمي للمعضل الكوري. فالصين هي الحليف او شبه الحليف الوحيد لكوريا الشمالية في العالم. وهي الدولة الوحيدة في العالم (باستثناء كوريا الجنوبية) التي تشترك مع كوريا الشمالية في اصولها العرقية, والى حد ما في تصورها للخطر الامريكي في الباسفيك, فهي وان كانت تشكل عبئا اقتصاديا على الصين, الا انها تمثل (كارتا) استراتيجيا تستخدمه الصين في الضغط على الغرب وعلى امريكا بالذات. وعندما تأزم المعضل الكوري في 1994 استطاعت الصين حل ذلك المعضل مؤقتا, بضغطها على كوريا الشمالية حتى استجابت للمطالب الامريكية. وفي الحقيقة فان الصين لا ترغب في دخول كوريا الشمالية للنادي النووي الدولي, لان ذلك سيشجع دولا اخرى كاليابان وتايوان فضلا عن كوريا الجنوبية لاقتفاء اثرها بمشروعات نووية متطورة, الامر الذي سيزعج الصين غاية الازعاج, ويدخلها في دوامة سباق نووي, وربما برامج حرب نجوم اسيوية.. لذا فمن المتوقع ان تلجأ الادارة الامريكية الى الصين مجددا للتعاون في شأن حل المعضل الكوري, ومنع تكرار كارثة حرب الخليج في اسيا. لقد ادركت الادارة الامريكية ان الحرب وحدها لا تقضي على خطر الانتشار النووي, وانتشار الاسلحة الكيميائية والبيولوجية ان حرب الخليج بكل تكاليفها وجهود (انسكوم) , لثماني سنوات, لم تفلح في اقتلاع الخطر العراقي, لذا لا يتوقع ان تؤدي اي حرب في كوريا, ولا اي جهود لأي مثيل اخر لــ: (انسكوم) هناك, الى اقتلاع الخطر الكوري.. وهكذا فسترضخ الادارة الامريكية غالبا لمشروع حل وسط لهذا الموضوع, تتقدم به الصين.