يبدو ان جميع اطراف المسألة الكورية ينشدون الوحدة بين شطري شبه الجزيرة الكورية : النظامان الحاكمان في الشمال والجنوب, والصين واليابان, والولايات المتحدة ... وبينما يتلفع (نظاما كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية الخطاب الشعبي السائد عن (الوحدة القومية) يحرص كل منهما على سيادة مفاهيمه السياسية الايديولوجية على الآخر, وتأمين حدود (سيادته ونظامه) في اطار دولته الحالية في نفس الوقت وتهدف امريكا في المقام الاول الى (تقليم اظافر) تسليح كوريا الشمالية المتقدم خاصة الصواريخ الباليستية واي قدرات لتطوير سلاح نووي, وايقاف تزويدها بعض الاطراف في الشرق الاوسط سلاحا متقدما وخاصة الصواريخ, ومن زاوية ثانية تريد تأمين حليفتها اليابان حتى لاتضطر مستقبلا لتحمل اعباء مواجهة مباشرة مع كوريا الشمالية كما حدث في نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات , عندما دخلت في مواجهة صريحة تحت راية الامم المتحدة وبالتحالف مع بريطانيا وكندا واستراليا وتركيا ضد القوات الكورية الشمالية المدعومة علنا من الصين, والذي تبعه توتر شديد في العلاقات بين الصين وامريكا استمر حوالي ربع قرن من الزمان, اضطر بعده امريكا في اطار سياستها لاحتواء الصين - ان تسعى لتخفيف توتر علاقتها بها وهي اليوم في امس الحاجة الى عدم تعكيرها (بتدخل مفرط) في (الحرم الصيني) او منطقة النفوذ الحدودية المعروفة سياسيا باسم (شبه الجزيرة الكورية) خاصة قطاعها الشمالي اي (كوريا الشمالية) . من هنا تتبنى السياسة الامريكية الحالية تجاه (القضية الكورية) مسارين محددين: اولا تفعيل الهدنة وفصل القوات بين الكوريتين والوصول بها الى اتفاق سلام دائم بما ينطوي عليه ذلك من ضغط على حليفتها كوريا الجنوبية. ثانيا: ممارسة الضغوط المتراكمة على كوريا الشمالية, بالحصار سياسيا واقتصاديا والتلويح بفرض مزيد من العقوبات لاستبعادها من المجتمع الدولي وربط المساعدات بالتنازلات السياسية على محور العلاقة مع كوريا الجنوبية التي تلتزم امريكا بأمنها كاملا وتخصص عددا لايستهان به من قواعد عسكرية على اراضيها لحمايتها وتوفير وجود عسكري امريكي دائم بالاضافة لقواعدها في اليابان وقواعدها المحمولة بحرا يدعم تأثيرها وسياستها في شرقي آسيا. وتلتزم اليابان أيضا نفس السياسة مع فارق الدور العسكري حيث تقدم الدعم الاقتصادي المشروط دائما بمواقف سياسية كورية شمالية (معتدلة) من وجهة النظر اليابانية والامريكية. اما الصين فهي بالطبع لاتستطيع معارضة (الوحدة القومية الكورية) في الوقت الذي ترفع هي دوما بشعار (أمة واحدة ونظامان) وتطالب بعودة تايوان, وعلى النهج نفسه استعادت مؤخرا (هونج كونج) , ولكنها بالضرورة ترفض (وحدة على الطريقة الامريكية) اي وحدة تسمح بامتداد النفوذ الامريكي في جنوب كوريا الى كامل شبه الجزيرة الكورية, ومن المنطلق نفسه تدعم موقف كوريا الشمالية المطالب بإجلاء القواعد الامريكية في كوريا الجنوبية, (والمساواة في التفتيش) من قبل وكالة الطاقة النووية على المنشآت النووية الكورية الشمالية والمنشآت العسكرية المشابهة في كوريا الجنوبية, وانشطة التعاون الصاروخي بين امريكا وحليفتها في جنوب شبه الجزيرة. الجميع إذن ــ لا يمانعون في وحدة الكوريتين, ويريدون ايضا اتفاق سلام شامل بينهما, ولكن من مناظيرهم الخاصة المختلفة بالضرورة لذلك, تعثرت مرارا محاولات الاقتراب من تفاهم بين كوريا الشمالية والجنوبية, ومازال التفاهم قابلا للتعثر, أو مزيدا من التعثر. ولعل قراءة متأنية لمسار محادثات السلام بين شطري كوريا توضح مدى اختلاف منظوري البلدين من ناحية, ومنظور الطرفين الاساسيين الخارجيين ــ أمريكا والصين ــ من ناحية اخرى, مع الوضع في الاعتبار ان المحادثات ــ بالطبع ــ لا تسير في منحنى مستقل عن الممارسات السياسية الاخرى للاطراف المشتركة فيها, والمتداخلة في القضية الكورية. من أبرز جهود كوريا الجنوبية لفتح طريق للحوار مع الشمال خلال عقد الثمانينات مطالبة رئيسها (شون دو هوان) بعقد مؤتمر بين الجنوب والشمال, تجاهلته كوريا الشمالية في البداية الى ان عقدت بالفعل في العام 1985 محادثات خاصة بالمسائل الاقتصادية الانسانية, مالبثت ان الغى جدول اجتماعاتها في فبراير 1986 بسبب المناورات العسكرية الامريكية الكورية الجنوبية. ومع الاتجاه نحو الديمقراطية في الجنوب والذي كشف عن رغبة شعبية واسعة للوحدة مع الشمال, تقدم الرئيس الجديد (روه) في يوليو 1989 بسياسة جديدة تتبنى الحوار مع الشمال. وعقدت ثماني جلسات تمهيدية قبل لقاء رئيس وزراء البلدين عام 1990 الاول من نوعه منذ الحرب الكورية في الخمسينات وتوصل الطرفان الى اتفاق تسوية وعدم الاعتداء والتعاون بين البلدين وبنهاية عام 1991 توصلا لاعلان مشترك خاص باخلاء شبه الجزيرة من الاسلحة النووية وفي يناير من العام التالي سمحت كوريا الشمالية في اطار اتفاق الامان النووي بالتفتيش الدولي عقب اعلان امريكا وكوريا الجنوبية تأجيل التدريبات المشتركة. ولم تمض شهور قليلة حتى تراجع ذلك التقدم الايجابي, لاعتبار الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية اجراءات التفتيش حسب تنفيذ كوريا الشمالية لها غير كافية, ومارست الاطراف الثالثة ضغوطا دولية شديدة عليها, الى ان اعلنت (بيونج يانج) (العاصمة الشمالية) مقاطعة اية محادثات نووية مستقبلية في يناير 1993, ثم اعلنت انسحابها من معاهدة حظر الانتشار النووي. وبعد اعلان الامم المتحدة مناقشة فرض عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية, وتهديد امريكا بمحاولة فرض نوع من العقوبات عليها مالم تقبل باجراءات تفتيش كافية, اعلنت كوريا الشمالية منتصف 1994 استعدادها القبول استئناف التفتيش النووي من قبل وكالة الطاقة الدولية والعودة الى معاهدة حظر الانتشار النووي في مقابل انهاء حالة العداء مع امريكا.. ولكن عود الازمة اشتد من جديد عقب وفاة الزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونج في يوليو 1994, وحشدت كوريا الشمالية قواتها على حدود منطقة الهدنة وردت حكومة سيئول بالمثل وأجرت مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة مع حليفتها التقليدية الولايات المتحدة, في الوقت الذي سعت فيه كوريا الشمالية لعقد اتفاق منفرد مع امريكا يهدف الى تهميش واستبعاد كوريا الجنوبية تماما, واقترحت الولايات المتحدة محادثات رباعية تضم الكوريتين والصين وامريكا, اشترطت كوريا الشمالية لاجرائها سحب القوات الامريكية فورا من اراضي كوريا الجنوبية التي رفضت الشرط بالطبع! وعقدت الكوريتان جلسة محادثات تاريخية بحضور الولايات المتحدة في نيويورك مارس ,1997 اعتبرت تنازلاً كبيراً من كوريا الشمالية, التي لم تكن تعترف بشرعية حكومة (سيؤول) (العاصمة الجنوبية) وتعتبر نفسها الممثل الوحيد للأمة الكورية. واثر الضغوط التي تعرضت لها كل من الكوريتين داخلياً وخارجياً بدءاً من الالحاح الشعبي في كوريا الجنوبية نحو تحسين العلاقات مع الشمال والقوى المؤيدة له كالصين وروسيا (خليفة الاتحاد السوفييتي) وانتهاء بالاوضاع الاقتصادية المتردية في كوريا الشمالية الى حد المجاعة في بعض مناطقها استؤنفت المحادثات التمهيدية في نهاية 1997 بنيويورك من خلال ممثلين للأطراف الاربعة, بهدف تحديد موعد ومكان وجدول اعمال محادثات السلام في شبه الجزيرة الكورية وسرعان ما فشلت تلك المحادثات بسبب الضغوط السياسية الامريكية الى درجة اتهام كوريا الشمالية لامريكا بأنها تتدخل في شؤونها الداخلية الى جانب اصرار الاخيرة على ادراج (وضع القوات الامريكية في الجنوب) ضمن جدول الاعمال والحصول على مساعدات اقتصادية غير مشروطة واصرار امريكا على الرفض. وفي فبراير من العام الماضي تجددت المحادثات في بكين لمناقشة جدول اعمال المباحثات الرباعية في جنيف مارس 1998 وتشكيل اللجان الفرعية بهدف دفع الجهود لابرام اتفاق سلام دائم في شبه الجزيرة, وتحطمت محاولات الاتفاق من جديد على صخرة اصرار القيادة الكورية الشمالية تضمين جدول المباحثات انسحاب القوات الامريكية وفي كوريا الجنوبية والتي تمثل هاجساً امنياً رئيسياً لدى الكوريتين: الشمالية تراه خطراً والجنوبية تراه مفتاح أمان لها لا تستطيع الاستغناء عنه باعتبار ان الطرف الآخر ــ كما ترى هي ــ متمسك بتصوراته عن (تحرير الجنوب الكوري) وان التدهور الاقتصادي في الشمال يمكن ان يشجع نظامه على شن هجوم ضد كوريا الجنوبية للحفاظ على جبهته الداخلية, بنفس الدرجة التي يمكن ان يكون بها عامل اعاقة للحرب ومن زاوية اخرى لا تتعلق بالتكهنات, وانما تتعلق بالميزان العسكري والعمق الاستراتيجي فإن كوريا الشمالية تركز تواجدها العسكري حول المنطقة منزوعة السلاح, في الوقت الذي تتركز الكتلة الحيوية لكوريا الجنوبية في شمالها حول العاصمة سيؤول, اي في مرمى القدرات العسكرية الشمالية وبالتالي تتوفر لها ميزة نسبية في حال اقدامها على هجوم بري شامل. وعلى صعيد أقل سخونة يتعلق باجراءات بناء ثقة لم تفلح محادثات جرت بين الجانبين للم شمل الاسر الكورية المتفرقة منذ الحرب الكورية في الخمسينات, ولم تحقق عروض كوريا الجنوبية بتزويد كوريا الشمالية ببعض آلات المصانع المتعطلة بسبب الأزمة المالية في بداية العام الماضي, أو رفع القيود على استثمارات رجال الاعمال الجنوبيين في قطاعات الاقتصاد الشمالي ــ فيما عدا العسكرية منها ــ الهدف المرجو منها وهو تنشيط العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. من هنا يصبح الكلام عن (وحدة الكوريتين) رجماً بالغيب. وتصبح الوحدة ذاتها مجرد (حلم جميل في ليلة صيف رائقة) لدى القوميين من أهل شبه الجزيرة الكورية, وخطراً يرقى الى مرتبة الكارثة على النظامين الحاكمين في الشمال والجنوب اذا لم يأت وفقاً لشروطهما الأمنية الاستراتيجية وأفكارهما الايديولوجية وإخلالاتها بخطط الاطراف الاقليمية المتماسة مع المسألة الكورية كاليابان (والطرف الكوكبي) المتداخل بقوة فيها (الولايات المتحدة) اذا ما كان شرطه انسحاب قواتها من الجنوب الكوري, وفرحة عظمى للصين في الوقت نفسه, او مصيبة كبرى اذا ما تم وفقاً للشروط الامريكية. والاحتمال الارجح ان يظل الوضع على ما هو عليه, ما لم يلق اي من الطرفين القويين الخارجيين: الصين وأمريكا بكل ثقله وراء (سلامة) في شبه الجزيرة الكورية, وهو احتمال غير منظور في اللحظة السياسية العالمية.