تقبع في منطقة جنوب شرق اسيا دولة مازالت تعيش في اجواء الحرب الباردة هي كوريا الشمالية التي لم يتأثر نظامها السياسي عقب انهيار المعسكر الاشتراكي وظل محتفظا بآلياته التنظيمية ونمطه البوليسي ولم يستوعب النظام المتغيرات الاقتصادية والسياسية في العالم في وقت ظلت فيه بذور الشك والتوجس قائمة من بعبع الرأسمالية واقتصاد السوق رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بيونج يانج وما يقال عن حالة المجاعة التي تسود مناطق مختلفة من البلاد في ظل التهام الانفاق العسكري الموارد ونسبة كبيرة من الموازنة مقارنة بأوضاع دول أخرى لا تتجاوز المصروفات العسكرية فيها نسبة بسيطة كي لا يؤثر ذلك على حفظ التنمية الاقتصادية ومعدلات النمو. واذا كان الخبراء الاستراتيجيون يتحدثون اليوم عن سباق تسلح نووي في منطقة جنوب شرق اسيا وامتلاك كوريا الشمالية لصواريخ متطورة بعيدة المدى ومفاعلات نووية تؤهلها للتفوق العسكري على جارتها كوريا الجنوبية وبعض الدول المجاورة فان ذلك يشكل مبعث قلق من تصاعد هذا التسلح الذي يهدد هذه المنطقة الهامة من العالم ويهدد مصالح الولايات المتحدة الامريكية التي تحتفظ بوجود عسكري قوي في اليابان وكوريا الجنوبية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ان واشنطن التي تسعى لاحتواء نظام كوريا الشمالية عبر وسائل وخطط اثبتت عقمها خلال السنوات الماضية معنية في ظل المعطيات الحالية بتهدئة الاوضاع في شبه الجزيرة الكورية والعمل على منع التصعيد العسكري بين الكوريتين وكذا دعم مساعي وحدة البلدين التي قسمتها الدول الاستعمارية وجزأتها الى شطرين متضادين ايديولوجيا وسياسياً. ان وحدة الكوريتين قضية تتنازعها ارادات دولية ومصالح دول كبرى تتنازع النفوذ في هذه المنطقة سيما وان شبه الجزيرة الكورية محاطة بدول عظمى كالصين وروسيا واليابان, فهل تتيح الظروف المستقبلية فرص توحد البلدين, ام تبقى المسألة خاضعة لتوازنات خارجية في ظل ارتهان سيئول لقرار واشنطن وتمترس بيونج يانج خلف ترسانتها النووية ونظامها السياسي البوليسي الذي لم يتزحزح باتجاه اجراء اصلاحات وتغيير سياسي وتحول ايديولوجي يساعد في التقرب اقتصاديا واجتماعياً وسياسياً من النظام في كوريا الجنوبية. لقد بات هناك حراك سياسي وشعبي في كوريا الجنوبية للمطالبة بتعزيز التبادل التجاري والاقتصادي مع الجارة الشمالية والافصاح عن رغبة في الوحدة في وقت يؤكد فيه بعض المحللين ان شعب كوريا الجنوبية يدرك بان واشنطن سبب رئيسي لحالة العداء بين الكوريتين وهي العقبة الكأداء في طريق الوحدة. من جانبها تعتقد الولايات المتحدة ان ازاحة النظام الكوري الشمالي يمثل البداية نحو التقارب مع الجزء الجنوبي كي تتم اعادة رسم الخرائط بما يضمن مصالح واشنطن وبقاء هيمنتها على هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم بمنأى عن الصين وروسيا كدول لها مصالح حيوية. ولاشك ان الكوريتين هما المعنيتان بمسألة الوحدة الامر الذي يستوجب من كلا الطرفين بدء مفاوضات جادة تبحث في خلق مصالح مشتركة من شأنها تضييق مساحة العداء المتراكمة عبر سنوات طويلة, وكذا تخفيض الترسانات العسكرية وحالات التخندق الجارية كي يتم اعمال العقل في مستقبل شبه الجزيرة الكورية سياسياً واقتصادياً. الملف