برز وزير الخارجية اليمني عبدالقادر باجمال مؤخراً حين اشتد الحديث عن ضرورات انعقاد القمة العربية والاجتماعات السرية والعلنية للتحضير للاجتماع الوزاري (التشاوري) العربي الذي عقد مؤخراً في القاهرة .. كيف لا وباجمال يمثل الدولة العربية التي طالبت بانعقاد هذه القمة لمواجهة تبعات الازمة العراقية باصطفاف عربي واضح. وفي هذا الشأن ورغم ما حدث لا يزال باجمال على اصراره على القمة وضرورتها مشيراً الى عزم بلاده الاستمرار في جهودها لهذه الغاية. ويستشرف الوزير اليمني آفاقاً رحبة للمصالحة العربية مستشهداً بما جرى خلال الاجتماع التشاوري حيث تمكن حتى الخصوم من الانصات والاستماع جيداً لوجهة نظر فرقائهم وهو ما يؤسس لحوار عربي يفضي للوفاق. ويشير في هذا المجال الى نجاح التشاوري الذي تأثر قليلاً بالانسحاب العراقي ويؤكد ان البيان الختامي له كان متوازناً وحمل في جوهره ادانة للضربات الامريكية ــ البريطانية للعراق. وتمتد رؤية باجمال اكثر باتجاه البحر الاحمر التي يرى اهمية العمل مع مصر لتشكيل منظومة عربية وافريقية دون اسرائيل للدول المتشاطئة تقوم على القوانين الدولية لما لهذه المنطقة من أهمية استراتيجية. واخيراً وتخصيصاً يؤكد الوزير اليمني في حوار مع (البيان) ان بلاده ما زالت تأمل بانضمامها لمجلس التعاون ويشير الى خطوات كبيرة في حل قضية الحدود مع السعودية ومن ضمن هذه الحلول التحكيم الدولي: انسحاب العراق من اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب القى بظلال سلبية على الوضع العربي الراهن, واوحى لدى البعض بفشل الاجتماع في تحقيق اهدافه فما هو تقديركم لذلك؟ ــ انا ارفض بعض التعبيرات العربية لوصف الواقع الراهن بأنه محبط أو مؤسف او محزن, ولا يمكن بأي حال وصف هذا الاجتماع بأنه كان محبطاً او ان نتائجه سلبية فهذا غير صحيح على الاطلاق حتى بالرغم مما فعله الوفد العراقي وانسحاب وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف, والحقيقة ان جميع الوفود العربية لم تكن لترضى بالضربة الامريكية البريطانية للعراق, كما ان ضمائرنا الوطنية والقومية لا يمكن ان تسمح لنا بقبول ضربة جديدة كما يدعي البعض. العراق يرى ان البيان الختامي لم يشتمل على ادانة كافية للعدوان؟ ــ بالعكس, فالادانة حدثت بالفعل, ولكن هل المطلوب التعبير عن الادانة بتعبيرات محددة دون غيرها ام ينبغي ان ننظر الى جوهر البيان وهدفه النهائي, وتقديري ان البيان الصادر عن اجتماع المجلس الوزاري العربي ادان الضربات الامريكية واهتم بالبحث عن مخرج من الازمة الراهنة, وهو بيان كاف وواضح وجيد, وتأسيسا على ذلك لم يفشل الاجتماع كما يتهمه البعض بل كان اجتماعاً ناجحاً. سيادة الوزير, كان موقف اليمن من العدوان الامريكي البريطاني على العراق هو الادانة الصارخة والقاطعة,وهو ما افتقده البيان الوزاري العربي, فالى اي مدى ترى التباين بين وجهة نظركم المسبقة وبين وجهة نظر الاجتماع؟ ــ استخدمنا في اليمن كل انواع التعبيرات, غير ان الامر يختلف حين نتصدى للقضية في اطار المجموعة العربية, حيث ضرورة البحث عن لغة ترضي الجميع, بمعنى اللغة التي تجمع عليها مختلف الآراء للتعبير عن الموقف العام, وليس طبقاً لهوى طرف واحد فقط. رغم التقدير لرؤيتكم, الا ان الرأي العام العربي يرى ان ما حدث كان ذروة الخلافات العربية, في الوقت الذي كان يتمنى فيه رأب الصدع فما هو تقديركم لذلك؟ وما هي الجهود التي بذلت لاحتواء ذلك؟ ــ اتصور ان هناك جهوداً كبيرة بذلناها بالتعاون مع اطراف عربية اخرى لاحتواء التباين في وجهات النظر, ولم تقتصر هذه الجهود على اللقاءات الثنائية التي سبقت اجتماع مجلس الجامعة, بل امتدت الى اللقاءات التي تم عقدها مع بعض الاخوة في الغردقة, والاتصالات الهامشية وغير ذلك والحقيقة اننا نبالغ حين نتحدث عن الخلافات العربية, يبدو اننا لم نتعلم بعد كيف نختلف, ثم كيف يتم تقييم هذه الخلافات, ودعونا ننظر الى ما يجرى في اوروبا على سبيل المثال, فهناك خلافات كبيرة داخل الاتحاد الاوروبي الذي يقطع خطوات اكيدة نحو الوحدة الشاملة, ورغم موافقة العديد من دول الاتحاد على استخدام عملة اليورو رفضت بريطانيا التعامل بها حاليا ورغم ذلك لم تنشق الارض, ولم يصرخ الناس بخطورة الخلاف, اما نحن فنتعامل مع الخلافات بصورة غريبة ونتصور انها نهاية الدنيا مع انها امر طبيعي ووارد حتى على مستوى البلد الواحد وفي جميع ديمقراطيات العالم. واقول يجب ان نتعلم كيف نختلف وكيف نتحاور, وليس من الضروري ان نحول الموضوع الى مؤامرات ولطم على الحدود. لكن رغم الجهود التي تشيرون الى القيام بها قبل الاجتماع لم نلحظ اية ثمرة حقيقية والدليل هو انسحاب الوفد العراقي بصورة مفاجئة؟ ــ أتصور اننا بذلنا جهدا كبيرا, ولكن ليس كل جهد يعطى نفس ثمرات النجاح المرجوة, وانا اعتبر الاجتماع ناجحا ولكن بصورة نسبية, وربما كان ناجحا مائة بالمائة لو لم ينسحب العراق. هل حاولتم الاتصال بالعراق لاحتواء ما جرى؟ ــ هذا الامر وارد بالطبع ونحن نحاول ولكن الامر يحتاج الى بعض الوقت لتهدئة الموقف. العراق طالب الجامعة العربية باتخاذ مواقف حاسمة ضد العقوبات الاقتصادية, في تقديركم هل تتمكن الجامعة من ذلك؟ ــ الجامعة العربية بقوة مختلف دولها قادرة على ان تمارس ضغوطا متعددة ومباشرة لرفع الحصار الاقتصادي من خلال الضغط على مجلس الامن واعتقد ان البيان الختامي لمجلس وزراء الخارجية اشار الى هذه القضية بالتحديد وأكد على ان الجامعة العربية سوف تمارس دورا في هذا الاتجاه, وينبغي ادراك ان العراق لم يكن الجهة الوحيدة التي لها مطالب فهناك دول خليجية عربية تحمل مطالب اخرى لحماية امنهم والازمة تتمثل في وجود حالة من الشك المتبادل وعدم اليقين وعدم الوضوح لدى الاطراف المختلفة, وبالتالي لابد من الوصول الى نقطة التقاء مشتركة بينهم, وعلينا نحن كأطراف عربية تنتمي الى هذه الامة دعم الجامعة العربية وبذل كل ما وسعنا من جهة في هذا الاطار. هل مازالت القمة العربية تمثل الحل الامثل من وجهة نظر الدبلوماسية اليمنية, وهل ستواصلون الدعوة اليها في اطار جهودكم المستقبلية في حل هذه الازمة؟ ــ اصبحت القمة العربية حاجة شديدة الالحاح في الوقت الراهن, وسنظل نتابع الدعوة اليها والتنسيق من اجل انعقادها والتحضير لها ولن يتسلل الى قلوبنا وضمائرنا اي وهن او اي لحظة من لحظات اليأس او القنوط, وتقديري اننا لن نصل الى القمة الا عن طريق المصالحة, والمقدمات للمصالحة هي المكاشفة وربما نجح اجتماع وزراء الخارجية في تحقيق هذه المكاشفة حيث كان بمقدور كل طرف الاستماع الى الطرف الآخر بدون مضايقة ومن هنا يأتي تفاؤلنا حيث انطلقت عجلة القبول لمبدأ الاستماع الى الآخر, وهذه العجلة لابد ان تكمل دورتها في المصالحة ثم انعقاد قمة شاملة يكون فيها الحل بمشيئة الله ونحن نواصل الدور فيما يتعلق بالقمة مع الاخوة في الامارات العربية المتحدة وهم متحمسون مثلنا لعقد القمة, كما يهمنا ايضا التعاون مع مصر لان بيدها رئاسة القمة حاليا. هل ناقشتم مع العراقيين الآثار السلبية لحملتهم الاعلامية على مصر وبعض البلدان العربية في تعكير اجواء المصالحة؟ ــ نحن عبرنا للاخوة في العراق اننا لا نوافق على هذه الحملات الاعلامية ليس فقط مع مصر بل مع جيرانهم في الخليج, ولكن هذه القضية تراجعت خلال المشاورات التي سبقت مجلس الجامعة, ولم يناقشها الاخوة المصريون مع الوفد العراقي لان الهم الاول كان في ضرورة نجاح المؤتمر, ولم نناقش العلاقات الثنائية, والحقيقة ان الاخوة في مصر بذلوا جهدا كبيرا وشاركت الاخ عمرو موسى في كثير من الترتيبات وكان شغله الشاغل ايضا هو نجاح اجتماع وزراء الخارجية والتوصل الى نتائج جيدة. بعيدا عن اجتماع المجلس الوزاري فإن حديثكم عن المصالحة وتنقية الاجواء تجرنا الى علاقات اليمن العربية فحتى الآن لم تحسم صنعاء ملف الحدود مع السعودية, كما ان علاقاتكم بالكويت لا تبدو على الحال الذي كانت عليه قبل حرب الخليج الثانية, هل تحتاجون الى وساطة لانهاء هذه الخلافات؟ ــ لا ارى اننا بحاجة الى وساطة خاصة اننا نجلس على مائدة التفاوض مع الاخوة في المملكة العربية السعودية, كما لا يوجد ما يحول دو ن التواصل اليمني الكويتي. وبالنسبة للحدود فلابد من الاشارة الى انها مشكلة عمرها يصل الى اكثر من ستين عاما, وقد بدأنا اتخاذ خطوات جدية نحو الحل في عام 1995 ومازال امامنا وقت للحوار او التحكيم اذا لزم الامر واعتقد ان كثيرا من الحواجز النفسية قد ازيلت بصورة كبيرة مع اشقائنا في الخليج العربي, والدليل ان لدينا في اليمن سفارة كويتية تمارس عملها بصورة طبيعية. هل تعتقدون ان انحسار الحواجز النفسية يمكن ان يبعث الروح من جديد في طلب اليمن الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي؟ ــ اليمن ليس اجنبيا عن المنطقة, ونحن جزء من الجغرافيا والتاريخ لمنطقة الخليج العربي ولنا روابط متعددة سياسية وتاريخية وجغرافية واقتصادية, ولذلك فمن الصعب عزل اليمن عن بيئتها الطبيعية وعمقها السياسي والثقافي والاستراتيجي, وفي تقديري انه سيأتي اليوم الذي يشعر فيه الجميع بهذه المعطيات ويدركوا ان اليمن حاضر بقوة. تعددت عمليات اختطاف السائحين الاجانب في اليمن بصورة تطلق هاجس تراجع سيادة الحكومة على بعض القبائل, ماهي رؤيتكم لما يجري؟ ــ الارهاب ليس ظاهرة خاصة بدين او قبيلة او امة ولا يبدو غريبا اذا قلنا انه ظاهرة عالمية وهذا واضح مما يجري حولنا في كثير من دول العالم, ولكن الغريب ان الاضواء مسلطة على اليمن من الاعلام الغربي بصورة تنطوي على كثير من الاساءة والتشويه, وانا لا استطيع الزعم بأن الجميع متآمرون في الوقت نفسه الذي ارفض فيه نظرية المؤامرة, ولكن هذا الصخب في الخارج له بعض الاهداف بالتأكيد, ونحن قطعنا مسافة كبيرة في مواجهة هذه الظاهرة ولدينا مجموعات ارهابية امام القضاء في اطار سعينا لمحاصرة هذه الظاهرة قانونيا ودستوريا وامنيا. هناك حوارات بينكم وبين المسؤولين المصريين حول الامن الاستراتيجي في منطقة البحر الاحمر, ماهو مفهومكم عن كيفية تحقيق هذا الامن؟ ــ اليمن ينظر الى امن البحر الاحمر كمنظومة متكاملة لها أوجه امنية وسياسية وعسكرية يجب ان يتم الاتفاق عليها في اطار المواثيق والمعاهدات الدولية المعروفة والتي تنظر للخطوط البحرية وقضايا السيادة بعيدا عن الاحلاف العسكرية, وفي تقديري انه اذا تم التعامل مع هذه القضية بنفس روح التعامل مع قضية التحكيم في جزر حنيش بين اليمن واريتريا فسوف نحقق نتائج ايجابية في مسألة امن البحر الاحمر. عند الحديث عن امن البحر الاحمر تبدو اسرائيل حاضرة بحكم شواطئها للبحر, كيف يمكن صياغة رؤية امنية في ظل الوجود الاسرائيلي؟ ــ لا شك في ان اسرائيل تضع البحر الاحمر على اجندة اولوياتها وقد اكد رئيس الوزراء السابق شمعون بيريز هذه الحقيقة في كتابه (الشرق الاوسط الجديد) وشدد على اهمية البحر الاحمر لاسرائيل, ولا اعتقد ان هناك من الدول المشاطئة من سوف يسمح لاسرائيل بالقفز الى داخل معادلة التعاون في هذه المنطقة دون التوصل الى حل لمشكلة الكيان الاسرائيلي. تتجهون للبحث عن تكتلات اقليمية اخرى في منطقة المحيط الهندي ماهو ترتيب الاولويات بالنسبة لكم؟ ــ فكرة رابطة شعوب المحيط الهندي نشأت من خلال افكار يمنية عمانية مشتركة ثم اتسعت الدائرة ودخلت استراليا وموريشيوس والهند وقد نرى ان البحر الاحمر له الاولوية ولذلك نتفق مع ضرورة انشاء منظمة للبحر الاحمر تجمع بين الدول العربية والافريقية المطلة عليه, ولكن بشكل عام فإن دورنا في المحيط الهندي لا يتعارض مع توجهاتنا نحو البحر الاحمر. القاهرة ــ حوار احمد عمر