وجه الزعيم السوداني المعارض, رئيس الوزراء السابق, رئيس حزب الامة الصادق المهدي نداء مؤثراً من منفاه الى نظام الفريق عمر البشير الذي قام على انقاض حكومة المهدي الديمقراطية عام 89م.وجاء نداء المهدي في رسالة صوتية الى انصاره صادرته السلطات قبل بثها امس الاول علناً عبر مكبرات الصوت خلال احتفال جهز له مؤيدو المهدي لاحياء ذكرى (تحرير الخرطوم) من الحكم الانجليزي قبل نحو قرن خلال الثورة المسلحة التي قادها جده الكبير محمد احمد المهدي. واشار المهدي الى انه حمل السلاح مجبراً على (حالة مالحة بها حلوقنا ودامعة لها اجفاننا) . وبعد ان عدد مساوىء وأخطاء النظام بتعابير صيغت ببلاغة لغوية رفيعة مزجها بصور من تاريخ العرب ومقاطع من شعرهم, دعا المهدي اهل الحكم الى لقاء جامع يحقق السلام الشامل ويقيم الحكم على ارادة الشعب الحرة ويأذن بمساءلات ليست انتقامية. وفيما يلي نص الرسالة الصوتية التي سجلت في شريط كاسيت وحصلت عليها (البيان) : أعزائي أعزاء الوطن, احبابي أحباب الدين: سلام الله عليكم والرحمة. مبارك لكم, ومبارك بكم, ومبارك عليكم ذكرى استقلال السودان الأول في العصر الحديث, فدول السودان المستقلة في التاريخ الاقدم والقديم عديدة, ابتداء من نبتة, ومروي, وكوش, وبعدها في دولتي المقرة وعلوة, وبعدهما في سلطنات الفور, والفونج, وتقلي, والمسبعات, تحكي ذكرى اهلنا الذين اعزوا السودان وعزوا بالسودان فجيوش الفتح الاسلامية ما صالحت الدولة السودانية وتعاهدت معها الا لأنها كانت مستقلة, بينما حاربت البلدان الاخرى لأنها كانت مستعمرة مستغلة, وكان الفتح الاسلامي لها بمثابة التحرير, لذلك تعاون أهلها مع الفاتحين. يعلم الله ان الذين غافلوا السلطة الشرعية, وحملوا السلاح عليها في يونيو النحس, هم الذين اجبرونا على المعاملة بالمثل, وألجأونا للخارج لكيلا يتخذوننا رهائن, كما اعترفوا, لاخماد حركات التحرير مثلما كان يفعل يحيى حميد الدين امام اليمن السابق, كان يأسر في صنعاء عنده زعيما من اعيان كل قبيلة ذات شأن, رهينة دائمة, لكيلا تثور عليه قبيلة أهله. هؤلاء الذين حملوا السلاح على الشرعية, اجبرونا على حالة مالحة بها حلوقنا, دامعة لها أجفاننا.. لا جزعا على أنفسنا الفانيات, فالموت الف مرة خير من حياة مرة, ولكن ادراكا منا ان الطالب والمطلوب انما ينالان من جسم الوطن ارض الجدود ومنبت الرزق ورحم الأحبة. يا هؤلاء, شوهتم ديننا اذ حولتم ديباجته الرحيمة العادلة الوضاءة الى مؤسسة عقابية, خيرها للأقلية وضيرها للأغلبية, وخربتم وطننا اذ جعلتموه امثولة التفرق والتمزق والتناحر والضياع, كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً, وابدلتم جنتيه بجنتين ذواتى اكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل. انتشرت في البلاد ثقافة العنف بصورة لم يسبق لها مثيل, تعددت ادوات القهر واجهزته لدى النظام, وتعددت ادوات العنف ضد النظام, وصار السوداني امام خيار دام: اما قاتل وإما مقتول. حاول النظام ان يغير التوازن الاجتماعي الموروث, فشجع الفصائل في كيانات الطرق والقبائل والاسر ان تتحدى كياناتها, فاضطربت الاوضاع في كل مكان, وأغرى اصحاب المصالح هنا وهناك على عدم احترام التوازنات الموروثة, فانبروا كل يريد ان يخلق واقعاً جديداً, لذلك التهبت الفتن القبلية, وآخرها ما حدث من نزاع دموي في منطقة الجنينة, اننا نناشد اطراف النزاع وقف النزاع, وحقن الدماء, ليبدأ التحقيق فيما حدث, وانصاف المظلومين وعقاب الظالمين. انني اناشد كافة الاطراف ضبط النفس واسكات السلاح لاحتواء فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة, ويمكن ان ينجذب اليها اطراف من سائر الاقليم, بل ومن خارج السودان, ان وضع حد لهذه الفتن القبلية لا يتحقق الا اذا استعيد التوازن القبلي الموروث الذي قوضه النظام الحالي, او اقيم توازن جديد بالتراضي بين القبائل صاحبة الشأن في ظل حكومة تهدف للاستقرار القبلي, لا حكومة تريد ان تستثمر النزاعات القبلية لصالح التمكين السياسي للأقلية الحاكمة في الخرطوم. بعد ان بلغ السيل الزبى, وجاوز الحزام الطبيين, تحاولون علاج الطاعون بقرص الاسبرين: لا للسلام من الداخل لأنه استسلام الراضي للمرضي عليه, واتفاق الزوج مع زوجه, وشهادة الشاهد الذي لا يقول الا نعم, لا يخاطب ولا يناجي الطرف الآخر المنازع حقا. لا للتوالي لأنه يقنن ولاية القهر, فلم تستجب له الا احزاب الربائب, واحزاب الضرار.. كمن يحاول ان يسوق الدابة جرا من ذيلها! تعالوا الى مطلب الشعب, تعالوا للاحتكام للشعب على نحو ما طالب به كرام المواطنين في مذكرة العام الماضي التي جعلت ختام العام مسكا تعالوا الى لقاء جامع يحقق السلام الشامل, ويقيم الحكم على ارادة الشعب الحرة, ويأذن بمساءلات ليست انتقامية بل تخلية ضرورية قبل التحلية, ننظف بها الحياة العامة من كل الاوساخ, والامساخ, والتعديات والتجاوزات.. لقاء جامع يبطل الشروع فيه رطانة السلاح التي ادخلتموها في لغة السياسة السودانية, على سنة الآفلين: نوفمبر ومايو. تعالوا الى لقاء جامع تحقق نتائجه براءة الدين وسلامة الوطن وعرس الشعب الجريح الطريح, ويضع حدا للعنف, ويقفل ابواب التدخل الاجنبي في شؤون السودان. يا هؤلاء, انه يوم آت بطوعكم ان تجاوبتم, وبرغمكم ان كابرتم. فلا بد من صنعاء وان طال السفر, وباذنه لن يطول.. الشعب السوداني شعب عبقري عملاق لا يمكن حشره في جحر ضب. سنواصل بعون الله رفضنا للظلم ونواصل عملنا لرفع الظلم بكل الوسائل: اخشنها وانعمها, فالحق يقول (فلا عدوان الا على الظالمين) ونواصل دعوتكم الى كلمة سواء, فالحق يقول: (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون). أمامك فاختر اي نهجيك تنهج طريقان شتى مستقيم وأعوج يا هؤلاء, ندعوكم الى الخير والبر بالوطن وأهله, ونحملكم مسؤولية الشر الذي بدأتم بفتح أبوابه, ففي عهد غلبتنا بارادة الشعب الحرة التي مارسناها اقتداء بعدالة النبوة ورحمة الولاية, عاملناكم بالترحيب, والتزكية, والحسنى, والاحسان, وعندما غلبتم بالتآمر والانقلاب وجهتم السلاح الذي جلبه الشعب لحمايته من العدو الخارجي الى صدور انتخبها الشعب, ما راعيتم فينا الا ولا ذمة, سبا وتجريحا وتجريما وتعذيبا, ونكران عطاء بلغ حد التنكر لاوضح منجزات السابقين الذين حققوا الاستقلال الثاني في عام 1956, اسقط النظام دورهم واغفلهم, رحم الله ميتهم ومد في عمر الاحياء. انها معاملة حول صاحب الميزان العلوي الكوني مرها حلوا, وحول شعبنا صاحب البصيرة والبصر اداناتها واهاناتها حبا وبراءة (عسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم) . ومن العداوة ماينالك نفعه ومن الصداقة مايضر ويؤلم في مثل هذا اليوم حرر اجدادنا السودان بعد ان اعطى الامام المهدي فرصة كاملة لغردون ان يستجيب سلميا. .. ان تحرير الخرطوم كان آية عبقرية عسكرية وسياسية تجلى فيها الزحف الشعبي المسلح الذي شارك فيه كل كيان السودان الاجتماعي بقبائله وطرقه الصوفية وعلمائه وتمت المحاصرة واستنزاف العدو حتى كانت الخطوة النهائية حصادا حيصدا. هلموا نعمل بلا يأيس على مافاتنا كل بقدراته (جيلا للعطاء حتما يذلل المستحيل وينتصر, ويبدع الدنيا الجديدة وفق مايرضى ويعرف معنى ان يبني الحياة ويبتكر) . ان الذين حملوا السلاح للمقاومة قديما يريدون امرين هما: المساواة في حق المواطنة واقامة العلاقة بين شقي الوطن على اساس الوحدة الطوعية المترتبة على تقرير المصير والذين حملوا السلاح بعدهم يريدون معها امرا واحدا: التخلي عن قهر الاقلية ورد الامر لصاحبه. الشعب السوداني, هذه المطالب الثلاثة تحقق السلام والاستقرار وهي مع ماورد في المذكرة الوطنية الاخيرة تلخص مطلب الشعب. ان كل التعقيدات التي دخلت على السودان وجعلت حاله كلوحة المطعومات المحرمة (المنخنقة, والموقوذة, والمتردية, والنطيحة, وما اكل السبع) . ان زوال هذا الحال ممكن بكلمة سحرية واحدة, الاحتكام الحر النزيه للشعب السيد فوق كل سيد, صاحب الولاية فوق كل وال. لعمرك ماضاقت بلاد بأهلها ولكن اخلاق الرجال تضيق ان حسم الامر بإرادة الشعب آت (ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد) . وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن الا تلاقيا اللهم ياجليلا ليس في الكون قهر لغيره, وياكريما ليس في الكون يد لسواه, ولا اله الا اياه اجعل تدمير اعداء السلام والحرية والاستقرار في السودان في تدبيرهم, وخذ بيد السودان حرا ديمقراطيا رخيا لكافة اهله, واجعل لنا من امرنا رشدا. الخرطوم ــ البيان