هذه ليست ابرز حصيلة هذا الحوار مع الصادق المهدي, فمن الصعب دائما تهميش جانب من الحوار مع رئيس لوزراء السوداني السابق وزعيم اكبر حزب في السودان وأحد ابرز قادة المعارضة السودانية ان لم يكن ابرزهم على الاطلاق.رغم ان الحوار مع المهدي يركز بالضرورة في هذه المرحلة من تاريخ السودان على الخلاف المستحكم بين النظام والمعارضة إلا أن لدى الرجل دائما الجديد الذي يمكن ان يثرى به الحوار ويرتاد من خلاله افاقاً جديدة للقضية السودانية برمتها. واكثر ما يميز الحوار مع المهدي ليس الخروج بافكار جديدة فقط وإنما صياغة تلك الأفكار في عبارات مستحدثة, فالقاموس الشخصي للصادق المهدي قاموس واسع ومتجدد وقد استطاع ان يضيف الى رجل الشارع العادي العديد من العبارات السياسية التي تختزل مفاهيم متشعبة الجوانب, واهمية الحوار مع المهدي تنبع من انه يدور مع رجل يتزعم حزبا يشكل كتيبة اكثر عدة وعتادا في خطوط المعارضة للنظام الحالي في الخرطوم. حزب الامة يملك دائما القدرة على القاء حجارة في البرك الراكدة وكذلك المهدي. في هذا اللقاء يتشعب الحوار من هموم السودان المترهله الى مفاصل تجمع المعارضة المرتخية ومن المأزق السوداني المستحكم الى افاق المستقبل المحتمل. ثمة قناعة بدأت تترسخ لدى قطاع من السودانيين بأن النظام بدأ يتزحزح عن ثوابته تحت ضغوط متعددة بينها مطرقة المعارضة فما هو رأيكم؟ ــ لعل النظام اتخذ خطوتين: الاولى ما يسميه بـ (السلام من الداخل) والاخرى دستور التوالي, بالفعل بدأ النظام يغير نهجه في العام 1996 اذ اعلن انذاك قبوله بمبادىء (الايجاد) اساسا للسلام فسلم بذلك بمبدأين اساسيين من مقررات (مؤتمر اسمرة) وهما اعتماد المواطنة كاساس للحقوق والواجبات وتقرير المصير كأحد الخيارات امام الجنوبيين, وجاء قبول النظام بذلك تحت ضغط المعارضة. قد تتفق على ان النظام اضطر كذلك لاعلان التوالي السياسي تحت ضغوط بينها مطرقة المعارضة ولعله لجأ الى تجميل صورته لكن ذلك لاينفي ان التوالي يفسح هامشا ديمقراطيا ما للحركة فما هي وجهة نظركم ؟ ــ اخطر ما في اتفاقية (السلام من الداخل) ان النظام لجأ لتمرير برنامجه مع احزاب جنوبية صغيرة مقارنة مع حجم (الحركة الشعبية) التي يتزعمها جون قرنق وان النظام منح تلك الاحزاب الصغيرة (فيتو) لايوازي حجمها على الساحة. النظام اعاد تجربته الخاطئة كذلك فيما يتعلق بـ (دستور التوالي اذ لجأ كذلك الى احزاب صغيرة ويحاول منحها (فيتو) لايوازي ثقلها. غير ان ذلك لاينفي ان النظام قبل شيئا من طروحات المعارضة واصبح الآن هناك فسحه امام الحركة للتعبير. ــ نحن نعتقد ان ما حدث قليل جدا في وقت متأخر كثيرا ــ صحيح ان التوالي يعكس تنازلات من قبل النظام عن ثوابته بعد ان كان يصر على رفض كافة اشكال التعددية, لكن النظام لم يقبل الصيغة التي انتهت اليها (اللجنة القومية) للدستور التي شكلها بنفسه ولجأ للمراوغة معتمدا صيغة (التوالي) ونحن بدورنا نعتبرها صيغة غير كافية في ضوء تجربة السودان فنحن في السودان لدينا رصيد ثري من التجارب الديمقراطية التي أسست لاستقلال القضاء وحيدة القوات المسلحة وحيدة الحركة المدنية. التوالي يمكن ان يكون مناسبا لبلد ليس له تجربة ديمقراطية اما في السودان فالأمر ليس كذلك, ما يجعل هذه التجربة محاولة اشبه باعادة صبي ناضج الى طور الرضاعة. وهي محاولة لايمكن أن يكتب لها النجاح. ــ كما افلحت المعارضة في زحزحة النظام عن ثوابته التواليتية لجهة الديمقراطية فالمفروض ان تتابع المعارضة هجومها لدفع النظام الى افاق ارحب من خلال استثمار الهامش الديمقراطي الضيق المتاح. اخطر مافي قبول المعارضة المشاركة في هذه اللعبة انه يمثل اعترافا بتقنين تاريخ الانقاذ ودستورها ومؤسساتها وادائها. دستور التوالي ينطوي على ملامح ثيوقراطية وفيه بنود تناقض حقوق المواطنة وتفرز انقساما اجتماعيا حادا. كما ان الدستور يمنح مسجل الاحزاب وهو عضو في الجهة الحاكمة وصاية على التنظيمات. من البديهي ان تواصل الاحزاب نضالها من اجل انتزاع حقوقها كاملة والا تنتظر ان تنالها من صاحب الوصاية. ــ هذا أمر مفروغ منه ولكنك تلاحظ أن ولادة التوالي جاء مصحوبا بتحرك اقليات منشقة عن الاحزاب الرئيسية ويسعى النظام لمنحها الحق على الساحة السياسية في محاولة يائسة لاغلاق الباب امام القوى السياسية الرئىسية في البلاد. الى أين يقود هنا التوجه في رأيكم؟ ـ هذا التوجه لن يحقق سلاما ولن يحقق ديمقراطية ولن يوقف ضغط المعارضة على النظام فنحن عازمون على مواصلة التصعيد ازاء الحكومة. التصعيد المستحكم بين الجانبين يطيل امد معاناة الشعب السوداني فما هو البديل الذي يختزل الطريق الى الانفراج السلمي؟ ـ البديل جاهز وتمثل في (مذكرة الداخل) في اكبر مشروع سلام سوداني صرف ومتكامل وعقلاني (يجسد مخرجا سياسيا للبلد من ازمته الطويلة. النظام رفض مبدأ قبول (مذكرة الداخل) فماذا انتم فاعلون؟ ـ نحن عازمون على مواصلة التصعيد من الداخل والخارج.. وامام النظام خياران: قبول المذكرة اوالعودة الى المربع الاول. ماذا تعني بالمربع الأول؟ ــ اغلاق باب هامش الحريات الذي يسعى النظام للتجمل بمحاولة التظاهر بفتحه. يعتقد البعض ان هذا الباب يفتح المجال امام عودة قيادات المعارضة الى الداخل لتعبئة وتحريك الشارع السياسي. ــ لدينا في حزب الامة بالداخل نشاط سياسي كبير واعضاء حزبنا في الداخل هم اصحاب القرار في عودة قياداته. لعله من الطبيعي ان تعود تلك القيادات للمشاركة ضمن التصعيد في الداخل تحت سقف التوالي. ــ نحن نريد منبرا يعبر عن الحزب وناسنا في الداخل يدرسون حاليا امكانية عقد مؤتمر عام لتجديد اجهزة الحزب التي تم انتخابها لآخر مرة عام 1986 وقياداتنا في الداخل تستكشف ما إذا كانت توجد مساحة فعلية لعقد مثل هذا المؤتمر واذا تبين وجود مثل تلك المساحة فيشارك في المؤتمر ممثلون لكوادرنا في الخارج. هل هذا يعني امكان عودتك شخصيا؟ ــ بعض القيادات في حزبنا تكون عودتها رهينة بقرارات المؤتمر نفسه وسينعقد المؤتمر في غيابهم. مثل من من هؤلاء الذين يحدد المؤتمر عودتهم ولماذا؟ ــ مثلي أنا ود. عمر النور الدائم ومبارك الفاضل نظرا لبعض المواقف العدائية المسبقة من قبل النظام حيالهم ومواقفهم تجاه النظام التي تثير حساسية اجهزة النظام. هذا يعني انكم ترهنون نشاط حزبكم للهامش الذي تريده السلطة الحاكمة بينما عقدتم مؤتمرين في اسمره والقاهرة لحزبكم. ـ نحن عقدنا مؤتمرات في الخارج ومؤتمراتنا في الداخل مستمرة غير أن الأمر يتعلق فيما أقول بالمؤتمر العام. ونشاطنا ليس بأمر السلطة نحن ننتزع حقوقنا انتزاعا وما يحدث حاليا من نشاط حزبي يمكن أن يفضي الى عقد مؤتمر عام. النظام استنسخ احزابا ولن يعترف بحزب لم يقبل دخول نادي التوالي من خلال المسجل. ـ الاحزاب التي ذهبت الى مسجل التوالي مثل (اطفال الانابيب) تأتي اصطناعية وهي لن تقوى على مواجهة الاحزاب التاريخية على الساحة السودانية وهذه المواجهة قد تدفع النظام الى قبول المنطق التاريخي او الرجوع الى المربع الاول. يظن البعض ان التوالي يتيح هامشا ـ وقد يكون ضيقا بالفعل ـ لترجمة شعارك القديم (الجهاد المدني) الان بفعالية اكثر فما هي رؤيتكم؟ ـ حركات التحرير تتكامل دائما بين العمل العسكري والمدني. نحن لجأنا الى العمل العسكري اضطرارا اذ رفض النظام منح الجهاد المدني فرص النجاح لتجاوز الازمة. لكن العمل العسكري للمعارضة اصيب بالضمور في المرحلة الاخيرة ولم يعد وسيلة يمكن الرهان عليها لاقتلاع النظام. ـ العمل العسكري للمعارضة متربص وليس مختفي وهو عمل قابل للزيادة. النظام يريد تحقيق غايتين مع المعارضة وهما وقف اطلاق النار والقاء السلاح وهما هدفان لايمكن ان ينالهما الا في اطار سياسي. تلك هي المعادلة. كيف تقيم نشاطك انت من خلال شعارك القديم الجهاد المدني في الداخل؟ ـ كنا نتكامل مع العمل العام في الخارج كنا نصمد امام آلية النظام العميقة ونصدر ممارساته الاضطهادية الى الخارج فينال عليها ادانة دولية لقد تحولت مناسبات مثل 17 رمضان و27 رجب وصلاة العيد الى محاور ساخنة لعبت دورا كبيرا في تعرية النظام وارباكه. لهذا يقول البعض لقد خسرك الداخل ولم يربحك الخارج. ــ هذا كلام فارغ. ما فعلته بعد خروجي ظاهر للعيان وهو يعكس في مجمله تكامل الداخل والخارج وما كان لي أن أقوم بأكثر مما يقوم به حاليا أناس يتصدرون للمهام ــ يمكنني أن أعدد لك نحو 50 كادراً من حزبنا هم أناس مؤهلون ومقتدرون وقادرون على المجابهة ويفعلون ذلك. هل تعتبر تسجيل حزب الأمة في نادي التوالي إنشقاقا داخل حزبكم. ــ هذه من ألاعيب العسكر. قيمة التوالي الحقيقية تكمن في انه يعكس ان النظام نزل من على جريدة حائط ما كان يسميه ثوابت. لا شيء يمثل حزب الأمة مالم يستمد شرعيته من أجهزة الحزب التي افرزها مؤتمره العام سنة 1986 وكل ما يحدث غير ذلك مجرد هراء لا قيمة له. أنت تتحدث عن حزب الأمة ولا تتطرق لتجمع المعارضة. هل يعزز هذا اعتقاداً بان التجمع فقد قدرته على مواكبة الاحداث؟ ــ هناك خلط ضار. الناس تتحدث عن التجمع وتقول إنه غائب وتخلص الى أن المعارضة ضعيفة ولكن الصحيح غير ذلك. الواقع ان المعارضة قوية والتجمع غائب. ثمة اتهامات توجه الى الحزبين الرئيسيين بالتحديد تزعم أن خلافات (الأمة) والاتحادي هي التي تعرقل اداء التجمع. ــ هناك بالفعل خلافات حول الرؤى التنظيمية ولكن هذه الخلافات لم تعرقل اداء المعارضة. بعض الاطراف حتى من داخل حوش التجمع يعتقد انه آن الأوان لبعض قيادات التجمع لكي تعود لاستقطاب الشارع وتحريك الانتفاضة المرتقبة. ــ رجوع القيادات أمر وارد. بعض الأطراف تحملك شخصياً المسؤولية في عرقلة اداء التجمع ويزعم هؤلاء أنك تبحث عن موقع داخل قيادة التجمع من خلال المناداة باعادة هيكلة التجمع وأن هذا السعي لا يرتضيه اطراف داخل القيادة بينهم رئيس التجمع نفسه. ماهو دفاعكم؟ ــ هذه تحليلات لا معنى لها. عند خروجي عرض على محمد عثمان الميرعني إعادة هيكلة التجمع لمنحي موقعاً أو منصباً ورفضت ذلك. احب أن أؤكد لك الان كذلك انني غير محتاج لأي لقب سياسي, أنا أعمل مع التجمع واسند ظهري الى منصب مشروع وهو (رئيس الوزراء المنتخب) وهو أكبر من اي لقب آخر وسأظل احرص عليه حتى يجردني منه الشعب السوداني. هذا تشخيصي للأمور. أؤكد لك كذلك انني لن أشغل أي منصب في الهيكل الجديد للتجمع. هناك اتهام آخر يوجه الى حزبكم باعتبار ان طروحات حزب الأمة حول المرحلة الانتقالية تمثل خرقاً للتجمع عن مهام المرحلة الآنية وتضع العربة أمام الحصان. ــ نحن في حزب الأمة أكثر الناس عملاً ضد النظام نشاطنا في الداخل أكثر جرأة واتساعاً. نشاطنا الدبلوماسي في الخارج لا يفتر ونحن أصحاب المبادرات والتصورات. نشاطنا العسكري يعلن عن نفسه. فنحن منشغلون أكثر من غيرنا بالمعارضة وما نطرحه ليس قضايا إنصرافية. نحن نعالج اساسيات من مقررات اسمره بهدف تطويرها. طروحاتنا تستهدف تفادي العناصر التي يمكن أن تعيد انتاج الازمة السودانية في العهد الديمقراطي, هناك ازمة مستحكمة في نظر المواطن السوداني محورها ان الحكم القوي ليس ديمقراطياً والحكم الديمقراطي لا يكون قوياً. نحن نسعى لبلورة صيغة معادلة يكون فيها الحكم قوياً وديمقراطياً. هذه الغاية تستوجب معالجة المفاصل الأساسية لأزمة المؤسسات في التجربة الديمقراطية. متى يتم عقد المؤتمر العام المؤجل للتجمع؟ ــ أتوقع عقده في شهر فبراير المقبل. لا نزال نسمع حتى بعد التوالي عن مبادرات سودانية وأقليمية عن عقد مصالحة بين المعارضة والنظام ماهي حقيقة ذلك؟ ــ صحيح أن هناك مبادرات ولكننا نقول للجميع اننا ما عدنا نسمع أو نلمس أي اقتراح خارج اطار (مذكرة الداخل) باعتبارها (مركب نوح) التي يمكن اني تقودنا الى تجاوز الأزمة وهي المحاولة العقلانية التي تتسع للجميع. هل يمكن تسمية بعض الجهات الاقليمية التي تحركت أو تتحرك لعقد هذه المصالحة؟ ــ هناك مصر وليبيا وأمريكا تستكشف حاليا مثل هذه الآفاق. أنت تعتبر مذكرة الداخل مخرجاً عقلانيا للازمة ولكنها تناقض شعار التجمع الذي يركز على اقتلاع النظام والقبول بالتسليم والمحاسبة بينما تتحدث المذكرة عن تفاوض واشراك الجبهة في حكومة انتقالية فهل تجب مذكرة الداخل مرحلة من نضال التجمع؟ ــ التفاوض كان أحد خيارات (الايجاد) التي سلم بها التجمع. التجمع قبل بالتفاوض كأمر واقع بين (الحركة الشعبية) والنظام. ــ قيادة التجمع نادت بتوسيع الحوار ليشمل كافة الاطراف السودانية وبلداناً عربية كذلك. غير ان قادة التجمع ظلوا يصرون على اقتلاع النظام ومحاسبته على تجاوزاته وهذا يعني رفض الاعتراف به وبالتالي رفض التفاوض معه. ــ هيئة القيادة اتخذت في اجتماعها في يوليو 98 قرارات بينها تصعيد العمل العسكري والانتفاضة وقبول اعلان الايجاد كحل سياسي وطالبت بتوسيع الحوار, فأنا اتحدث عن قرارات لا شعارات... ويمكنك توجيه سؤالك الى أصحاب الشعارات. المشكلة أن آلية التفاوض بين الحركة الشعبية والنظام تحت مظلة الايجاد باتت هي الأخرى جامدة. ــ الحكومة السودانية عطلت عمداً حركة دول الايجاد. والمجموعة باتت نفسها خارج مسار الاحداث في ظل ظروف متباينة. الآن بدأ شركاء الايجاد يتحركون لتشكيل آلية جديدة وقد اجتمع وزراء خارجية دول ما يعرف ب ــ (أصدقاء الايجاد) مؤخراً لهذه الغاية. من هم أصدقاء الايجاد؟ ــ أمريكا, كندا, فرنسا, انجلترا, المانيا, هولندا, اليابان, ايطاليا, النرويج, وقد اضاف وزراء خارجية هذه المجموعة مصر مؤخراً. وهذا يعني انتقال الوساطة في المسألة السودانية من اقليمية الى دولية. كيف تنظرون انتم في المعارضة الى هذا التحرك؟ ــ نحن نركز على نقل الاهتمام الدولي للأزمة السودانية من قضية إنسانية الى قضية سياسية.