عندما خطط حزب الأمة الذي يتزعمه الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق للاحتفال بذكرى تحرير الخرطوم الــ (114) ــ لاستقلال السودان الأول ــ الذي حققه الثائر السوداني محمد أحمد المهدي, كان يهدف ــ حزب الأمة ــ الى اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد , اذ كان يريد احياء ذكرى عزيزة على السودانيين, وإحراج الحكومة, واختبار مصداقيتها, والتأكيد على العمل الجماعي في اطار التجمع الوطني الديمقراطي المعارض. وألمح قادة الحزب الى ان امتصاص رد الفعل الحكومي جاء في اطار تأجيل المعركة مع النظام الى وقت آخر ليتم في اطار جماعي, وفقا لاشارات وردت ضمنا في المؤتمر الصحافي الذي عقده الحزب عقب الغاء السلطات الأمنية الاحتفال, والذي أقيم بحديقة منزل المهدي بأم درمان ليل الثلاثاء ــ الأربعاء, وتميز المؤتمر الصحافي بحضور قيادات التجمع الوطني الديمقراطي المعارض بالداخل مثل: سيد أحمد الحسين أحد أبرز مساعدي الميرغني, وقيادات الحزب الاتحادي الديمقراطي, والزعيم الجنوبي أبل ألير نائب الرئيس الأسبق جعفر نميري الناشط في قيادة المعارضة الداخلية في اطار التجمع, وغازي سليمان زعيم التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطية, وقيادات بارزة في حزب الامة والاتحادي الديمقراطي والتجمع النسائي الوطني الديمقراطي. كما تميز المؤتمر الصحفي باسماع الصحافيين خطاب أرسله الصادق المهدي في شريط كاسيت, خطاب آسر تميز بلغة شاعرية وعبارات قوية (النص في مكان آخر). وكانت اللجنة المنظمة للاحتفال خاطبت السلطات عبر شرطة محافظة أم درمان طالبة منها تكليف عناصر من شرطة المرور للمساعدة في تنظيم الحركة بالمكان, وقال صلاح عبدالسلام الخليفة وزير شؤون مجلس الوزراء الأسبق العضو القيادي بالحزب خلال المؤتمر الصحفي ان قيادة حزبه رأت ان توسع اطار الاحتفال هذا العام لأن الحكومة قالت انها منحت الشعب حريات واسعة. وأضاف: لكن السلطات بدأت تماطلنا ولم تسلمنا قرارها بإلغاء الاحتفال الا في الساعة العاشرة من صبيحة يوم الاحتفال, واعتقلت السلطات عمر محمد عمر ومصطفى مهدي ابراهيم المكلفين مباشرة الاتصال مع السلطات الأمنية (علمت (البيان) انهما اطلقا في وقت متأخر من ليل الثلاثاء ــ الأربعاء) وزاد: كل ذلك حدث خلال الساعات العشر الأخيرة. سارة الفاضل المهدي قالت اننا آخذون بحريتنا ما دام الحكومة قالت انها ستسمح بممارسة الحريات السياسية, وأضافت خلال المؤتمر الصحفي ان الحرية تأخذ ولا تعطي, ونفت ان يكون حزب الامة أو التجمع المعارض يسعيان الى اثارة الفتنة والشغب. وفي اشارة الى احد اهداف حزب الامة التي سعى اليها خلال الاحتفال, والمتمثلة في العمل في اطار التجمع قالت السيدة المهدي: ان حزبنا لا يريد العمل بمنأى عن التجمع الوطني الديمقراطي, وأضافت: ان عدم استجابتنا للاستفزازات الحكومية يأتي في سياق رغبتنا ان تكون المواجهة الشعبية (تجمعية), وصحيح ان حزبنا بدأ منذ وصول حكومة (الانقاذ) الى السلطة بانقلاب عسكري في 30 يونيو 1989 لانتفاضة شعبية, ونحن الآن نعمل في اطار التجمع لانتفاضة شعبية حتى يسقط النظام. في الوقت نفسه قال اللواء المتقاعد فضل برمة ناصر وزير الدولة بالدفاع الاسبق, العضو القيادي في الحزب: حزبنا يعمل في اطار التجمع وفق خطة وأهداف وأسلوب ووسائل, وخياره (التجمع) الأول هو الحل السلمي الديمقراطي. وأضاف ناصر خلال المؤتمر الصحفي ان حزب الامة ظل وما زال, يعمل في اطار التجمع بكل الوسائل السلمية الديمقراطية معلنا رأيه الواضح حول كل القضايا التي تهم وتعني الشعب السوداني, وسيمضي في طرق كل الوسائل الديمقراطية السلمية لتحقيق الانتفاضة الشعبية التي تحقق التحول الديمقراطي المنشود. ووزع حزب الأمة اثناء المؤتمر الصحفي نص الخطاب الذي كان مقررا القاؤه في الاحتفال الذي تم إلغاؤه, وتميز الخطاب بتحية القيادات التاريخية للحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي وقيادات الجنوبيين, في إشارة ثانية الى هدف حزب الأمة بتعزيز العمل الجبهوي في إطار التجمع, ووصف الخطاب الحزب الاتحادي بـ (الصنو الشريف) لحزب الأمة. وجاء فيه: (... إن حزب الأمة في ذكرى تأسيسه الـ (54) مع إطلالة القرن العشرين (...) بسجله الحافل بالنضال يربأ بنفسه من ان يستصدر شهادة (تسنين) وهو صاحب شهادة (الميلاد) الأصلية) , في إشارة إلى رفض الحزب التقييد وفق قانون التوالي السياسي. واكد الخطاب على أن سلطة (الإنقاذ) لم تبادر من تلقاء نفسها بفتح الأبواب للتداول السلمي للسلطة وتساءل: (.. كيف لمن جاء لاغتيال الديمقراطية أن يعيدها؟ ولمن حل الأحزاب أن يقيمها, ولمن سرق السلطة بليل بهيم أن يرجعها لأصحابها في وضح النهار؟) , وأوضح الخطاب ان الذي أرغم الحكومة (.. على طرح بعض التنازلات الطفيفة والشكلية على هذا النحو المتواصل هو كفاح الشعب السوداني العنيد ورفضه الواضح لاطروحات (الإنقاذ) وحكمته المشهودة) , تعريته وكشف فشله وألاعيبه في كل المجال) . وشدد الخطاب على أن حزب الأمة وليد مجاهدات الثورة المهدية الكبرى لايخاف الصدام ولايخشى عواقبه, لكنه لم يكن ولن يكون طرفا في (العنف السياسي) الا مكرها) مشيرا الى ان (هذه الأمة لن تنال مبتغاها الا بوحدة الصف والكلمة, وهذا هو الهدف الاستراتيجي لحزبنا نتنازل من أجله عن كل شيء إلا مبادئنا واخلاقيات العمل العام من لدن الجبهة الاستقلالية, والى الجبهة القومية الموحدة والجبهة الوطنية .. وحتى التجمع الوطني الديمقراطي) . وختم الخطاب بألا مخرج من الأزمة السودانية, الا عبر: (بوابة ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية لأنه المشروع العلمي الوحيد المدروس والمتفق عليه في الساحة .. فإن كان لدى السلطة مشروع علمي غير ذلك المشروع الهلامي غير المفهوم المسمى (المشروع الحضاري) الذي عشنا أعواماً عشرة عجاف في متاهاته فلنطرحه خلال مؤتمر جامع لشعب السودان في مقابلة (مشروع أسمرا) المطروح عليها, أو في استفتاء عام على أهل الشأن وفق آلية متفق عليها تحت مراقبة دولية) . وعلى جبهة الحكومة قال محيي الدين الجميعابي محافظ أم درمان التي شهدت الأحداث لـ (البيان) على هامش حفل عرس لأحد أحفاد المهدي بحي الأمراء ــ وسط أم درمان ــ بعد انفضاض المؤتمر الصحفي لحزب الأمة ان الاحتفال بذكرى تحرير الخرطوم يمثل مناسبة قومية وتبناها حزب الأمة في محاولة لفرض الأمر الواقع وتخطي الأطر الدستورية والقانونية في أمر تسجيل الحزب لتنظيم نشاطه السياسي. وأضاف الجميعابي ان الرفض جاء لأن الجهة التي طالبت بالموافقة لها لاقامة الاحتفال جهة غير قانونية وهي غير مسجلة ولا تعترف بالدستور ولا القانون, وكل المطلوب منها هو استكمال تقييدها لدى مسجل تنظيمات التوالي, أو حتى بدأ اجراءات التسجيل ونحن حينها على استعداد لتسهيل مهمتها لاقامة كل برامجها التعبوية العادية. وأوضح الجميعابي انه تأكد تماما من بعض المواقف والمنشورات التي تم توزيعها في ساحة الاحتفال ان العمل ينطوي على نشاط سياسي منظم مضاد لحكومة (الانقاذ) وجمع كل قوة التجمع (الوطني الديمقراطي المعارض) الذي لايعترف بالدستور ولا قانون التوالي السياسي. وحول استناد قادة المعارضة على المادة (20) من قانون تنظيم التوالي السياسي مقروءة مع المادة (26-2) من الدستور التي تكفل لهم ممارسة أنشطتهم السياسية حتى وإن لم تتقيد أحزابهم قال الجميعابي: من الممكن ممارسة النشاطات السياسية المسموح بها في سياق التمهيد لتسجيل التنظيم من اجتماعات ولقاءات, ولا علاقة للسماح المعني في القانون بالنشاطات السياسية التعبوية المباشرة سيما ان كانت تهدف الى العمل على إسقاط الحكومة حتى لو سلميا. وختم الجميعابي بالقول: نحن في محافظة أم درمان لم يطلب منا السماح لحزب الأمة باقامة الاحتفال, لكنهم ــ حزب الأمة ــ تقدموا بطلب للشرطة وهي رفضت لأسباب أمنية. وقالت سارة نقد الله القيادية في التجمع النسائي الوطني الديمقراطي وحزب الأمة ان سلطات الأمن اعتقلت الشيخ علي شرف الدين شيخ خلاوي مسجد الأنصار وعدد من طلاب حزب الأمة: خالد عويس ــ جامعة الخرطوم, معتصم الجبلابي ــ جامعة شرق النيل, أحمد موسى ــ جامعة السودان, النذير الأمين ــ جامعة أم درمان الأهلية. وأضافت كما تم اعتقال عدد من المواطنين وقيل ان معهم أسلحة, وزادت: ان الحكومة تريد أن تشيع أن الأنصار أدخلوا أسلحة لاثارة الشغب والبلبلة لتغطي (الحكومة) على منع الاحتفال, وأوضحت أن صداما وقع في ود البنا وسط أم درمان بين بعض القادمين للمشاركة في الاحتفال وقوات الشرطة أسفر عن عدد من الجرحى. وقال علي محمود حسنين عضو القيادة الرباعية للحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي المعارض الذي حضر المؤتمر الصحفي لـ (البيان) ان رجال الأمن أوقفوه عقب خروجه من منزل المهدي وكان معه في سيارته أمين الربيع العضو القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي, ومحيي الدين عثمان القيادي بـ (الاتحادي) . وأضاف: سألوني عن أوراق السيارة والرخصة وبعض الاسئلة بقصد اثارتي وتعطيلي, وأخلي سبيلي فيما بعد.